قراءة نقدية أدبية في رواية محمد علي محسن "ظلال الغربة"

قرأت رواية "ظلال الغربة" لمحمد علي محسن، وما إن مضيت في صفحاتها حتى وجدتني أمام عمل شدّني بموضوعه ومضمونه وشخصياته، وقبل ذلك كله بواقعيته.
لم أشعر أنني أمام حكاية متخيلة بعيدة عنا، بقدر ما شعرت أنني أقرأ شيئًا من سيرة اليمنيين أنفسهم، من الاغتراب والاحتراب الداخلي إلى الهجرة وما يرافقها من معاناة، ومن السعي وراء العلم والعمل إلى ذلك الحنين القديم الذي يظل يشدّ الإنسان إلى وطن تركه خلفه، أو ربما تركه الوطن خلفه.
وربما كان لـ" ظلال الغربة" هذا الوقع الخاص في نفسي، لأنني لم أقرأ تجربة الرحيل والنزوح فيها من خارجها تمامًا.
لقد عرفت بنفسي كيف يمكن للاحتراب أن يقتلع الإنسان من مكان اعتاد أن يسميه وطنًا، ثم يدفع به من محطة إلى أخرى، وهو يظن في كل مرة أنه بلغ نهاية الرحلة…
خرجت من صنعاء تحت وطأة الحرب، ومضت بي السنوات والظروف من موسكو إلى كييف، ثم دفعتني الحرب مرة أخرى إلى الرحيل من أوكرانيا إلى ألمانيا، ومنها انتهى بي المطاف في كاليفورنيا.
كانت، على نحو ما، رحلة هروب من حرب إلى أخرى، ومن مكان مؤقت إلى آخر، حتى غدا البحث عن الاستقرار والأمان جزءًا من معنى الوطن نفسه..
ولعل هذا ما جعلني أقترب من شخصيات الرواية بشعور يتجاوز حدود التعاطف الأدبي، فقد لامست في غربتها شيئًا من غربتي، وفي قلق الرحيل والبحث عن مكان آمن شيئًا مما عرفته وعشته.
ومع ذلك، تظل لكل غربة حكايتها. وما شدّني في الرواية أنها استطاعت أن ترتقي بهذه التجارب الفردية إلى سؤال إنساني أوسع: (ماذا يبقى من الوطن في داخل الإنسان حين تتعدد المنافي وتطول رحلة العودة)؟
والرواية، في ظاهرها، حكاية أسرة يمنية كان يجمعها بيتٌ وأمّ، قبل أن يفتح موتُ الأم أولَ شقٍّ في جدارها، فتغيب إلى غير رجعة، وكأن غيابها كان إيذانًا ببداية سلسلة من الغيابات والرحلات. بعدها تدفع الظروفُ الأبَ إلى الرحيل، ثم تتوزع الطرق بالأبناء بين بريطانيا وأمريكا والسعودية وروسيا وكندا، فيما تبقى الأخت في اليمن حارسةً للبيت والأرض والذاكرة. لكنني، كلما تقدمت في القراءة، شعرت بأن الحكاية تتجاوز حدود هذه الأسرة لتلامس تجربة أوسع؛ تجربة أجيال من اليمنيين الذين غادروا بلادهم: بعضهم طلبًا للرزق، وبعضهم طلبًا للعلم، وبعضهم هربًا من واقع لم يعد يتسع لأحلامهم.
غير أن أكثر ما أثارني في "ظلال الغربة" أن الكاتب لا يحصر الغربة في أولئك الذين رحلوا؛ فثمة غربة أخرى، ربما كانت أشد قسوة، يعيشها من بقي. وهنا تبرز فاطمة بصورة خاصة؛ فإخوتها يستطيعون أن يشيروا إلى المنافي التي عاشوا فيها، أما هي فقد عاشت غربتها في المكان نفسه الذي كان ينبغي أن يكون وطنها. وحين تقول: "أنا التي لم تهاجر، هاجرت فيها كل الحكاية" (ص 61)، تختصر بهذه المفارقة واحدًا من أعمق معاني الرواية: أن الغربة ليست دائمًا أن تغادر المكان؛ فقد تبقى فيه، بينما يغادر منك ومن حولك كل ما كان يجعله وطنًا.
وأنا أقرأ هذه المصائر، وجدتني أستعيد بعض ما ألفته في قراءاتي للأدب الروسي، وبخاصة ذلك الحس الواقعي الذي لا يقدم الإنسان منفصلًا عن بيئته وظروفه الاجتماعية والتاريخية، بل يجعل مصيره الشخصي جزءًا من مصير مجتمع بأكمله.
ولعل من المفيد هنا ألا نفصل محمد علي محسن عن شيء من تكوينه الشخصي والثقافي؛ فهو قادم من الضالع، تلك البيئة الجبلية في جنوب اليمن، بما تحمله من تاريخ سياسي وعسكري كثيف وحضور لافت للتعبئة والانخراط في الشأن العام، ثم انتقل للدراسة في روسيا، حيث تخصص في مجال الإعلام. وبين هذين العالمين تشكّلت، على نحو أو آخر، خبرة تجمع بين المعايشة اليمنية والاحتكاك بالفضاء الروسي.
ومع ذلك، لا أريد أن أتعجل فأضعه في إطار المدرسة الواقعية الروسية، أو أفترض تأثيرًا مباشرًا لم يقم عليه دليل، لكن شيئًا من روح الواقعية، كما عرفناها في نماذج من الأدب الروسي، ظل يلحّ عليّ أثناء القراءة: الإنسان العادي في مواجهة الحياة، والأسرة وهي تتصدع تحت ضغط الواقع، والفقر والهجرة والعمل والتعليم، ثم ذلك الصراع الصامت بين ما يريده الإنسان لنفسه وما تسمح به الظروف..
وربما لهذا لم أستطع أن أقرأ "ظلال الغربة" بوصفها رواية عن الهجرة وحدها. إنها، كما بدت لي، رواية عن الوطن أيضًا، حين يغادره أبناؤه، وحين يعودون إليه، وحين يكتشف بعضهم أن الغريب قد أنصفهم أكثر من القريب، وأن العودة إلى المكان لا تعني بالضرورة استعادة ما ضاع فيه.
ومن هنا تجيء الإجابة على السؤال الحقيقي للرواية: هل الغربة أن تكون بعيدًا عن وطنك فحسب، أم أن الغربة الأشد أن يصبح وطنك بعيدًا عنك، وأنت فيه؟
ليست الغربة دائمًا مسافةً بين الإنسان ووطنه، وليست الهجرة بالضرورة عبورًا للحدود. قد يعيش المرء بعيدًا عن بلاده ويعثر على شيء من الوطن، وقد يبقى في قريته وبيته، ثم يكتشف أنه أشد اغترابًا ممن عبروا البحار والقارات…
من هذه المفارقة تنطلق رواية "ظلال الغربة" لمحمد علي محسن، الصادرة في سبتمبر 2026. في 72 ص . فهي لا تتعامل مع الغربة بوصفها انتقالًا من وطن إلى منفى فحسب، بل بوصفها حالة تتسلل إلى الإنسان والأسرة وعلاقتهما بالمكان والذاكرة. ومن هنا لا يعود السؤال في الرواية: لماذا غادر هؤلاء؟ بقدر ما يصبح: ماذا بقي منهم في الوطن، وماذا بقي من الوطن فيهم؟
من الصفحات الأولى تبدو الرواية شديدة الالتصاق بالواقع اليمني: أسرة ريفية، أم ترحل مبكرًا، وأب يجد نفسه أمام الفقر والقسوة وانسداد الأفق، فيهجر قريته إلى بريطانيا، ثم يتوزع الأبناء في مسارات مختلفة (ص. 4–8). عبد الناصر يمضي إلى بريطانيا ثم الولايات المتحدة (ص. 8 وما بعدها)، وأحمد إلى السعودية، حيث تبدأ غربته في عسير، ومنها لاحقًا إلى كندا (ص. 32–43)، وعلي إلى روسيا طلبًا للعلم (ص. 43–46)، فيما تبقى فاطمة في اليمن (ص. 4). وهكذا تتحول الأسرة الصغيرة إلى خريطة مصغرة لشتات يمني واسع..
الغربة بوصفها قدرًا لا مكانًا
القيمة الأساسية في الرواية، بتقديري، تكمن في أنها لا تقدم الاغتراب باعتباره موضوعًا اجتماعيًا فحسب، وإنما تحاول تفكيك معناه. فلكل شخصية غربتها الخاصة: غربة العامل، وغربة طالب العلم، وغربة المهاجر الذي ينجح في المجتمع الجديد، وغربة العائد بشهادته إلى وطن لا يعرف ماذا يفعل بها، ثم غربة المرأة التي لم تغادر المكان أصلًا.
ومن هنا تبرز فاطمة بوصفها واحدة من أكثر شخصيات الرواية دلالة، وربما مركزها الخفي. فإذا كان الأب والأبناء قد عرفوا الغربة بالرحيل، فإن فاطمة عاشت نوعًا آخر منها؛ غربةً لا اسم جغرافيًا لها، لأنها وقعت في المكان نفسه الذي يُفترض أن يكون وطنها. وبينما استطاع الآخرون أن يقيسوا غربتهم بالمسافات والمدن، بقيت هي عند البيت والأرض، حارسةً لما تركه الراحلون وراءهم من إرث وذاكرة.
ثم تبلغ الشخصية ذروة وعيها بمأساتها عندما تقول: "أنا التي لم تهاجر، هاجرت فيها كل الحكاية" (ص. 61)، قبل أن تصف نفسها بالوتد الذي بقي ثابتًا في الأرض بعدما اقتلعت الريح الخيام من حوله (ص. 62).
هنا تحديدًا يتسع مفهوم الغربة. فلم تعد الرواية تسأل: لماذا يهاجر اليمني؟ بل: متى يصبح الوطن نفسه منفى؟
واقعية تتجاوز الحكاية الفردية
ينتمي عالم الرواية، في جانب مهم منه، إلى تقاليد السرد الواقعي: الشخصيات لا تتحرك في فراغ، وإنما تصنعها ظروف اجتماعية واقتصادية وتاريخية ملموسة. الفقر، والهجرة، والعمل الشاق، والتعليم، وانهيار العملة، والوظيفة، والأرض، والأسرة، والعلاقات بين الأقارب والجيران، كلها ليست خلفية للأحداث بقدر ما هي قوى فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات.
ولهذا يمكن للقارئ أن يستشعر في الرواية قرابة فنية مع بعض تقاليد الواقعية الروسية، ولا سيما أن روسيا كانت بلد دراسة المؤلف وتكوينه الأكاديمي في مجال الإعلام؛ لا بمعنى أن ذلك يثبت تأثرًا مباشرًا، فمثل هذا التأثر يحتاج إلى شواهد أخرى، وإنما بمعنى النظر إلى الإنسان من خلال مصيره الاجتماعي والأخلاقي معًا.
الفرد هنا ليس كائنًا منفصلًا عن بيئته؛ فما يحدث للوطن يحدث، بطريقة ما، داخل الشخصية.
ويتجلى ذلك بوضوح في علي.. يحمل شهادته العليا من موسكو ويعود بما اكتسبه من علم، لكن المعرفة التي منحته مكانة في الخارج لا تكفل له موقعًا مماثلًا في الداخل.
وفي الفصل الأخير يعود حاملًا شهادة الدكتوراه وبذورًا روسية، فيما تظل تسوية وضعه الوظيفي معلقة، تتحول الشهادة بذلك من علامة نجاح إلى سؤال مؤلم عن العلاقة بين المعرفة والمجتمع الذي يعود إليه المتعلم.
لكن واقعية الرواية ليست تسجيلية تمامًا؛ ففي مراحلها الأخيرة خصوصًا ينتقل السرد تدريجيًا إلى واقعية مشبعة بالرمز: فالبيت، والشجرة، والعتبة، والبذور، والجوازات القديمة، والرسائل التي لم تُرسل، تتحول جميعًا من أشياء عادية إلى علامات تحمل ذاكرة الشخصيات.
من هو الغريب ومن هو القريب؟
من الأفكار اللافتة في الرواية انقلاب العلاقة التقليدية بين القريب والغريب، فالإنسان يهاجر بحثًا عن الأمان أو الفرصة أو العدالة التي لم يجدها بين أهله، ثم يكتشف أن الغريب قد يمنحه ما حرمه منه القريب.
ويصل السرد إلى صياغة هذه المفارقة في عبارة ذات دلالة مركزية: «أن الدم ليس ضمانةً للعدل، وأن الغريب إذا أنصفك صار أقرب إليك من ذي الرحم» (ص. 21).
وهذه ليست حكمة عابرة، وإنما مفتاح من مفاتيح الرواية. فـ"ظلال الغربة" تضع القارئ أمام مفارقة يمنية قاسية: الخارج الذي يفترض أن يكون موطن الوحشة قد يمنح المهاجر فرصة العمل والتعلم وتحقيق الذات، بينما يمكن للداخل، المفترض أن يكون موطن الحماية والانتماء، أن يتحول بفعل أنانية الأقارب وغدر الجيران والاضطراب الاجتماعي إلى مصدر للإقصاء.
وهكذا يصبح السؤال الأخلاقي أهم من السؤال الجغرافي: الوطن ليس حيث وُلد الإنسان فقط، وإنما حيث تُصان كرامته أيضًا.
الشخصيات ومسارات التحول
اختيار الإخوة الأربعة يمنح الرواية إمكانية النظر إلى الغربة من زوايا متباينة. عبد الناصر يمثل مسار المهاجر الذي يبدأ من القاع تقريبًا، يعمل ويتعلم ويعيد بناء نفسه، إلى أن تتغير مكانته الاجتماعية. أحمد يحمل تجربة الاغتراب الاقتصادي الطويل، وعلي يجسد اغتراب المثقف والمتعلم، أما فاطمة فتجسد "غربة البقاء".
والجميل أن الرواية تعيد جمع هذه المسارات في النهاية. ففي صيف 2024، وبعد خمسين عامًا من رحيل الأب، يعود الإخوة إلى المكان الأول: عبد الناصر وقد تجاوز الستين، وأحمد بعد اغترابه الطويل، وعلي حاملًا شهادة الدكتوراه من موسكو وبذورًا محسنة من روسيا، ليجدوا فاطمة عند عتبة البيت نفسها التي جلس عندها أبوهم قبل خمسين عامًا قبل أن يقرر الرحيل إلى برمنغهام (ص. 65). ولعل في البذور التي حملها علي معه ما يتجاوز دلالتها المباشرة؛ فهي توحي بأن صلته بالأرض لم تنقطع، وأنه لا يعود إليها بما حققه لنفسه في الغربة فحسب، بل بشيء يمكن أن يُزرع فيها ويمنحها إمكانية جديدة للنماء.
لكن العودة لا تمحو الغربة. كل واحد يعود بعد أن أصبح منفاه، بدرجة ما، وطنه البديل. وحين يغادرون القرية مجددًا، يعود عبد الناصر إلى نيويورك، وأحمد إلى تورنتو، ويبقى علي في عدن، وتظل فاطمة عند العتبة (ص. 68). إنها عودة لا تستعيد الماضي، وإنما تعيد تفسيره.
بين قوة الحكاية ومباشرة الخطاب
على المستوى الفني، تمتلك الرواية عناصر جذب واضحة: تعدد البيئات، وتنوع مصائر الشخصيات، والانتقال بين القرية اليمنية والمدن الغربية وروسيا والسعودية، فضلًا عن حكايتها الإنسانية القادرة على ملامسة القارئ، بما تحمله من فقد واغتراب وحنين وتشتت أسري.
كما أن اعتماد أصوات الشخصيات يمنح القارئ فرصة لرؤية الغربة من تجارب مختلفة، بدل اختزالها في نموذج واحد..
ومع ذلك، ليست الرواية بمنأى عن الملاحظات النقدية.
فالسرد يقع أحيانًا في الإفراط في الشرح والتقرير. بعض المعلومات التاريخية والجغرافية والاجتماعية، ولا سيما عند وصف برمنغهام ونيويورك وغيرها، تتسع إلى حد يبطئ حركة الحكاية. كما أن بعض الشخصيات تعلن أفكارها وقناعاتها بصورة مباشرة، حيث كان يمكن للموقف والحوار والإيماءة والتفصيل الصغير أن تؤدي الوظيفة الفنية نفسها بقوة أكبر.
وفي بعض المواضع أيضًا يغلب صوت المؤلف الفكري على استقلال أصوات الشخصيات، فتبدو الشخصية كأنها تحمل فكرة يريد النص إيصالها أكثر من كونها تتحرك دائمًا بمنطقها النفسي الخاص.
لكن المفارقة أن الرواية تبلغ أجمل لحظاتها حين تتوقف عن الشرح وتدع الصورة تتكلم. ويظهر ذلك بوضوح في النهاية، حين يحفر الإخوة قرب الشجرة حفرة «لا قبرًا، بل رحمًا»، يوارون فيها جوازات السفر القديمة والرسائل وبعض بقايا حيواتهم في المنافي، ويغرسون معها البذور؛ فتجتمع في الأرض، في صورة واحدة، دلالة الدفن ومعنى الولادة من جديد. ثم يكتبون فوقها: «هنا دُفن خوفنا. هنا وُلدنا مرة ثانية» (ص. 68).
وهنا ينتقل النص من الواقعي المباشر إلى الرمز من دون أن يفقد صلته بالواقع.
وطن تحت الشجرة
ربما تكون الصورة الأعمق التي تبقى بعد الانتهاء من "ظلال الغربة" هي صورة الشجرة والعتبة وفاطمة.
الشجرة تكبر بينما يتفرق البشر، والبيت يشيخ، والجوازات تتغير، والألقاب تتبدل، لكن شيئًا ما يظل ينتظر. ولهذا لا تنتهي الرواية بانتصار العودة على المنفى؛ فالإخوة لا يستقرون جميعًا في القرية، ولا يستعيدون ببساطة الحياة التي ضاعت منهم. إنهم يدركون فقط ما الذي أخذوه معهم حين رحلوا، وما الذي ظل منهم هناك.
وتلخص الرواية رؤيتها في التمييز بين غربة الجسد والغربة الأشد: أن يكون الإنسان داخل وطنه، لكنه يعيش فيه كما لو كان ضيفًا، وأن تصبح أرضه وبيته وذاكرته أشياء يتعين عليه أن يسترد حقه المعنوي فيها (ص. 70).
لهذا فإن "ظلال الغربة"، على ما يمكن تسجيله عليها من مباشرة وتقريرية في بعض صفحاتها، رواية ذات قلب إنساني واضح. قوتها الأساسية ليست في غرابة الحكاية، بل في واقعيتها المؤلمة: فقصص السفر والعمل والتعليم والنجاح والخيبة والعودة التي ترويها هي، بأشكال مختلفة، قصص أجيال من اليمنيين.
ولعل أجمل ما تتركه الرواية في قارئها أنها تقلب السؤال المألوف. فبدل أن نسأل المغترب: متى ستعود إلى وطنك؟ تجعلنا نسأل سؤالًا أكثر مرارة: أيُّ وطن يبقى في الإنسان بعد كل هذا الرحيل، وأيُّ شيء يبقى من الإنسان في وطنه؟ ولعل الرواية تترك لنا إشارة صغيرة إلى هذا الوطن حتى في أسماء أبنائها.
فثمة تفصيل دقيق قد يمر عابرًا في القراءة، لكنه يستحق التوقف عنده: أسماء الإخوة أنفسهم. فهي لا تبدو، في سياق الرواية، مجرد أسماء اختيرت لشخصيات متفرقة، بل تحمل في تنوعها إيحاءً يتجاوز الأفراد إلى صورة أوسع لليمن، بتعدد بيئاته وامتداداته الاجتماعية والثقافية. وكأن المؤلف، من غير تصريح أو افتعال للرمز، جمع في هذه الأسرة الصغيرة شيئًا من ذلك الوطن الذي فرّقت أبناءه الجغرافيا والهجرة والحرب، من دون أن تقطع ما بينهم من وشائج
ومن هنا تكتسب الأسماء دلالة أعمق حين تُقرأ إلى جانب مصائر أصحابها: إخوة حملتهم الغربة إلى جهات مختلفة، وظل بينهم خيط خفي يعيدهم إلى البيت الأول والذاكرة المشتركة.
ولعل في هذا الاختيار ما يكشف عن حسّ روائي قادر على ملامسة واحدة من أعقد المسائل اليمنية من داخل الحكاية نفسها؛ فالوحدة هنا لا تُقال بوصفها شعارًا سياسيًا، بل تتجسد في صلة الإنسان بأخيه، وفي الذاكرة التي تجمعهم، وفي وطن يظل حاضرًا فيهم مهما تباعدت طرق الهجرة .. وكأن اليمن، في الإيحاء الأعمق لهذه الأسماء، هو البيت الذي يتسع للجميع، وتلتقي تحت سقفه الجهات والهويات المحلية مهما فرّقتها الجغرافيا أو باعدت بينها المنافي
هل ظل الوطن الذي نريد العودة إليه موجودًا كما تركناه، أم أننا نقضي العمر نبحث عن وطن بقي حيًا في الذاكرة أكثر مما بقي حيًا على الأرض؟
*أستاذ مشارك، مترجم وباحث اكاديمي



