السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • العشرة المبشرون بغضب الله (الحلقة الثانية)

العشرة المبشرون بغضب الله (الحلقة الثانية)

حراس البوابة (ذيل الأفعى)

تقولوا يا عباد الله من سمح بدخول السم إلى بطوننا والدواء المغشوش إلى عروقنا والبترول القاتل إلى صدورنا ورئاتنا؟

في الحلقة الأولى سألنا: من الذي سمح برش السم؟ وقلنا إنها وزارة الزراعة التي تركت الحبل على الغارب للمبيدات المسرطنة، ووزارة الصحة التي تركت المواطن يأكل السم في خضاره وولعته ويتعاطى بعقاقير مغشوشة دون حسيب او رقيب.

واليوم ننتقل من المزارع إلى البوابة التي تدخل لنا عبرها السموم:

فقبل أن يرش السم، وقبل أن يؤكل، هناك من فتح له الباب وأدخله إلى البلاد!

فمن هو يا ترى حارس البوابة الذي خان الأمانة وسمح بدخول السم إلى بطوننا وأحشائنا والدواء المغشوش إلى عروقنا والبترول القاتل إلى صدورنا ورئاتنا؟

فإذا كانت وزارة الزراعة هي من سمحت برش السم، ووزارة الصحة هي من سمحت بأكل الخضار والفواكه والقات المسموم، فمن الذي سمح بدخول السم إلى البلاد أصلًا؟

هذا هو ذيل الحية ولا سواه.. فمن هو؟!

والجواب بدون أدنى تردد: هيئة المواصفات والمقاييس وضبط الجودة أولًا، ومصلحة الجمارك ثانيًا؛ فهما من سمحا بدخول السموم إلى بلادنا، فالقانون لم يجعلهما جهة فحص فحسب، بل جعلهما جهة منع وحظر دخول كل ما فيه ضرر أو خطر على البلاد والعباد في وطننا هذا المتآمر عليه والمنهك بالحروب العبثية التي ليس له فيها ناقة ولا جمل!

فالقانون المنظم لوظيفة المواصفات والمقاييس مثلًا قد حمّل الهيئة مسؤولية منع دخول وتداول السلع المغشوشة أو الفاسدة أو الضارة، ومنحها صلاحية حظر استيراد أي منتج مخالف للمواصفات. والقانون المنظم لأعمال الجمارك يعتبر في حكم التهريب إدخال البضائع المحظورة والممنوعة.

وينبغي أن نفهم أن كلمة منع وحظر وتهريب تعني أن توقيع موظف المواصفات أو موظف الجمارك على دخول شحنة مبيد مسرطن أو دواء مغشوش أو بترول مغشوش، ليس خطأ إداريًا عفويًا، بل هو فعل متعمد لجريمة تهريب مكتملة الأركان.

وهنا تأتي المفارقة التي يجب أن نقف عندها: إن لأجهزة مكافحة التهريب جهودًا ملموسة في مكافحة تهريب الأقمشة ولعب الأطفال وما في حكمها، لكن لا أحد يسمع شيئًا عن أنشطتها في مكافحة تهريب السموم والمبيدات المسرطنة والأدوية والتحاليل المغشوشة، بدليل انتشارها في الأسواق، وتردي ضحاياها بالمئات بالسرطانات والفشل الكلوي والوفيات التي يشهدها الواقع يوميا وخاصةً بين الشباب؛ فما قيمة أن نضبط ثوبًا مهربًا أو لعبة طفل، ونترك شحنة سم تقتل شعبًا تدخل البلاد؟

هل البوابة تحرس إيرادات الدولة فقط، ولا تحرس دماء وأرواح المواطنين؟

وحين نقول: إن الجهات المختصة سمحت برش السم وأكل السم واستنشاق السم، فإننا لا نعني أنها تصدر قرارًا علنيًا يسمح بذلك، بل نعني أنها سمحت به بتقاعسها عن أداء واجبها القانوني، وهذا في القانون يسمى جريمة الامتناع.

ذلك أن القانون يلزم وزارة الزراعة بالرقابة على محلات المبيدات وإغلاق غير المرخص، ويلزمها أيضًا بالإشراف والمتابعة على تطبيق فترة الأمان بين الرش والقطف. وقانون المياه يحظر السقي بمياه المجاري، ويعتبر من يسكت عن سقي المحاصيل بمياه الصرف الصحي من المختصين في وزارتي الزراعة والصحة والسلطة المحلية تحديدًا، شريكًا في جريمة القتل. وقانون الأدوية والصيدلة يلزم الهيئة العليا للأدوية والمواصفات بمنع دخول أي دواء غير مسجل. فمن سمح بدخول محاليل الغسيل الكلوي المغشوشة التي سمعت بها عوالم الله كلها في الأرض قاطبة، وعلم القاصي والداني أنها تسببت بوفاة عدد من الأطفال في مستشفى الكويت بصنعاء في فترة ولاية المتوكل طه لوزارة الصحة؟ ومن يسمح باستمرار دخول أدوية السرطان المهربة التي تباع في السوق حتى اليوم؟ وإذا كان الناس في أوساط الصيادلة يتداولون أن نسبة كبيرة من كل الأدوية التي تباع في السوق مهربة وبدون فحص، فلماذا لا تنشر الهيئة العليا للأدوية قائمة الأدوية المسجلة والمفحوصة لتدحض هذه الشائعة إن كانت كاذبة من ناحية، وليطمئن الناس عند شرائهم لها من ناحية ثانية؟

ولا نذهب بعيدًا فأنا شخصيًا أثناء كتابتي هذا المقال اتصل بي أحد الأصدقاء من محافظة إب يبكي بحرقة؛ لأن أباه المصاب بالسرطان اشترى جرعة دواء بمائة وخمسين ألف ريال من صيدلية مشهورة، وبعد حقنه بها لم يحدث له أي تحسن، وعندما عرض العلبة على صيدلي آخر قال له بالحرف: هذه العلبة مغشوشة والختم مزور. فمن يعيد لهذا المسكين فلوسه؟ ومن يعيد له صحة أبيه؟

وقانون المواصفات نفسه يمنع دخول أي مشتق نفطي مخالف للمواصفات.

البترول الذي يخلط بمواد الرصاص والمنجنيز لزيادة الكمية، والديزل المليء بالكبريت، هو الذي يدمر رئة المواطن ومحرك سيارته ومعداته.

وشركة النفط لا هم لها غير جني أموال السحت على حساب صحة المجتمع وتدمير محركات أبنائه.

سيقال لنا: هذه السموم لا تدخل عبر المنافذ الرسمية، بل تأتي تهريبًا عبر الصحارى. وهذا القول مردود عليه؛ حتى لو دخلت تهريبًا، فقوانين البلاد تلزم مكافحة التهريب وحماية البيئة والجمارك وحرس الحدود بضبطها؛ فإذا كانت تدخل تهريبًا وتباع علنًا في الأسواق وفي وضح النهار، فمن المسؤول عن منع دخولها؟ ومن المسؤول عن تركها تباع؟

إن حجة كونها دخلت تهريبًا لا تعفي الجهات الحكومية المعنية أبدًا؛ بل تدينها مرتين: مرة بسبب فشلها الذريع في منع تهريبها، وأخرى في تواطئها مع الباعة والسماح لهم ببيعها في الأسواق عيانًا بيانًا.

ولمن نسي، نذكره بفضيحة مقبرة المبيدات في حي الجراف بصنعاء، تلك الكمية المهولة من المبيدات المحرمة دوليًا التي دفنت سرًا في أرضية بقلب العاصمة، وبقي الأهالي المجاورون لها يستنشقون سمومها سنة كاملة بعد أن تجاهل الأمن بلاغاتهم، حتى تم نبش الأرضية، وصدر حكم قضائي مستعجل بإغلاق المستودعات وتشكيل لجنة وزارية بحضور النيابة لإخراجها. والسؤال هنا: أين ذهبت تلك الكمية المهولة بعد ذلك؟ وأين الأحكام الباتة بحق ملاكها؟ ولماذا كشف تقرير برلماني لاحق أن قضايا المبيدات ظلت معلقة في القضاء لسنوات دون بت، مما شجع التجار على تكرار جريمتهم؟ وهل من العدالة أن يكافأ وزير الزراعة السابق المهندس عبدالملك الثور بالعزل لأنه فضح في قاعة البرلمان بابًا واحدًا من أبواب الدخول غير المشروع للمبيدات المسرطنة؟!

وجيز القول: إن الكلام المتداول بين الناس أن من يدفن السم في قلب العاصمة ليس متخفيًا ولا يهربه عبر الصحراء، بل يسكن بيننا ويحظى بالحماية، فمن يحميه يا حكومات بلادنا؟

وبالمناسبة فالشيء بالشيء يذكر، فلا يزال اليمنيون في طول اليمن وعرضه يتذكرون كيف خرج عليهم رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، في مايو 2024، ليدافع في وزارة الزراعة عن إدخال مبيد "بروميد الميثيل" المحظور دوليًا، مبررًا ذلك بأنه محظور في أوروبا؛ لأنه يؤثر على طبقة الأوزون عندهم، وأما في اليمن فلا توجد مشكلة على طبقة الأوزون. وكأن صدور اليمنيين وأرواحهم هي البديل لطبقة الأوزون، وكأن سرطان اليمنيين لا يحتسب ضمن الأضرار!

وعلى كل حال فنحن لا نملك رقمًا من جهة رسمية عن الكميات المهربة وغير المهربة من المبيدات والسموم والأدوية المغشوشة التي تدخل البلاد؛ لأن السلطات لا تنشر أي رقم أصلًا. وهذه هي الجريمة الأولى، وهي غياب الشفافية.

فإذا كانت تقارير دولية تشير إلى أن نسبة كبيرة من المبيدات الموجودة في السوق اليمني مهربة، فلماذا لا تنشر مصلحة الجمارك وهيئة المواصفات أرقامهما الرسمية لتكذيب تلك التقارير؟

وهنا يتساءل الناس سؤالًا كفله لهم قانون حق الحصول على المعلومة، فيقولون: إذا كنتم قد أتلفتم ما ضبطتم من المواد المسرطنة أو المبيدات السامة، فأين هي محاضر الإتلاف؟

الإتلاف الحقيقي يتم علنًا يا أصحابنا وبالتصوير إن كنتم صادقين. أما الإتلاف في مخزن مغلق كما يشاع فهو يسمى ضحكًا على الدقون. ولذلك نقول: إذا كنتم -يا هؤلاء- تتلفون فعلًا، فاتلفوا علنًا، وصوروا وانشروا، وإن لم تفعلوا فمن حق الناس أن يفترضوا أنها لم تتلف، بل أعيد بيعها!

والأخطر من التهريب نفسه، هو السكوت عنه.

لماذا لا نرى صورًا ولا مقاطع فيديو لإتلاف المبيدات المسرطنة كما نرى صورًا ومقاطع فيديو لإتلاف السجائر المهربة؟ لماذا لا نسمع عن محاكمات لتجار السموم ومستورديها ومهربيها؟

هل لأنها تجارة تدر ذهبًا؟ أم لأن ضحية السجائر المهربة هي خزينة الدولة الجابية التي تصرخ لعدم تحصيل الرسوم الجمركية، بينما ضحية السم هو مواطن يمني بسيط يموت في بيته بصمت فلا يصرخ ولا تعبأ الحكومة لموته؟!

إذا كانت أجهزة مكافحة التهريب تريد أن تكسب ثقة الناس، فلتخبرهم بنتائج جهودها في مكافحة تهريب هذه السموم. فهي والله المعركة المقدسة التي لا خلاف عليها ولا اختلاف، لا شمالًا ولا جنوبًا، لا شرقًا ولا غربًا.

فالسرطان لا يفرق بين مؤتمري وإصلاحي وحوثي، ولا بين موظف الفئة ألف وبين موظفي الفئات باء، وجيم، ولا بين أبناء موظفي الجمارك، وأبناء تجار هذه السموم، والدواء المغشوش يقتل الجميع دون تمييز إن كنتم تعقلون.

القرش يلعب بحمران العيون، فأرباح 900 بالمائة أعمت عيون وقلوب وعقول ضعاف النفوس، وأعدمت ضمائرهم. ويظل السؤال قائمًا عمن يحمي هذه الأرباح الكبيرة؟ هذا من جهة.. ومن جهة أخرى يشاع أن تجار ومهربي هذه السموم من الشخصيات النافذة مدفوعون بأطماع الأرباح المهولة جدًا. ونحن لا نؤكد الشائعة ولا ننفيها، بل نضع حقيقة اقتصادية.

فقد سمعت صديقًا من موظفي الجمارك يقول: إن علبة المبيد المحظور ثمنها 5 دولارات في بلد المنشأ؛ لأنه خردة ممنوعة، وتباع هنا بـ50 دولارًا. وعلبة الدواء المهرب ثمنها 10 دولارات تباع بـ100 دولار، وإن الناقلة الكبيرة من البترول المغشوش تدر أرباحًا مضاعفة في النقلة الواحدة، تصل إلى خمسة ملايين ريال، إضافة إلى الربح الحلال، لأن الغش يكون في الكمية قبل أن يكون في النوعية.

هذا وذاك ربح 900 بالمائة لا يحميه برأيي مجرد بائع بسيط!

الخلاصة

ما ينطبق على علبة المبيد ينطبق على علبة الدواء، وعلى ناقلة البترول؛ فالقانون واحد، والميناء واحد، وحارس البوابة واحد، والضحية واحد، وهو المواطن اليمني المكلوم المظلوم.

وإننا من هنا لا نتحدث بلساننا فقط، بل بلسان آلاف الأسر التي فقدت عائلها أو أحد أبنائها فجأة بسرطان الكبد أو الفشل الكلوي، وهي لا تعلم أن شهادة الوفاة الحقيقية لأبنائها مختومة بختم ذيل الحية "حارس البوابة" الذي سمح بدخول السم والعقار والمحلول المغشوش. إن دمعة تلك الأسر هي البلاغ الأصدق للنائب العام وأنين مرضى السرطانات، والفشل الكلوي في مستشفيات البلاد، وفي مصر، والهند، والأردن، هو الدليل الذي يسند موقف النائب العام ورئيس نيابة الأموال العامة والتفتيش القضائي ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المنظومة العدلية، وهو ما يكفي لأن يستدعي مروءاتهم في لزوم وأهمية التصدي بالتحقيق مع الضالعين في هذه الكوارث وتحريك الدعوى الجزائية ضدهم.

بمعنى أننا من هنا نضع هذه الحقائق أمامهم لتحمل مسؤولياتهم القانونية والدستورية والتحرك من تلقاء أنفسهم وفقًا للمادة 21 من قانون الإجراءات الجزائية التي توجب على النيابة العامة تحريك الدعوى في الجرائم الجسيمة الماسة بحياة الناس وصحتهم، فهذه ليست مخالفات إدارية بل هي جرائم قتل وإيذاء جسيم وغش وتزوير وتهريب يعاقب عليها قانون العقوبات، ولا تسقط بالتقادم، فإذا لم تتحرك السلطات القضائية وتتصدَّ من تلقاء نفسها لهذه الجرائم الخطيرة التي تلحق أضرارًا بالغة الخطورة على الناس في أرواحهم وممتلكاتهم وحقهم في الحياة وفي سلامة أبدانهم، فأي الجرائم التي تتحرك لها وتتصدى لها من تلقاء نفسها؟

وقبل هذا وذاك، فإننا ننتظر من الأخ مفتاح القائم بأعمال رئيس الحكومة، أن يجود علينا بشيء من ذلك التفاعل السريع والحزم المشهود الذي رأيناه منه في واقعة المواطن الذي شكا جوعه، ولكن هذه المرة مع من أشبعوا الناس مرضًا وسمومًا.

فمن كان قادرًا على الحزم مع مواطن جائع، فهو أولى بأن يكون أشد حزمًا مع تاجر سم، ونحن على ثقة أن توجيهاته الصارمة في هذا الملف لن تتأخر.

فإن لم يتحرك حارس القانون، فمن سيحرس المواطن من حارس البوابة الذي لا يحرس الوطن؛ بل يحرس التهريب من القانون؟

والله غالب على أمره.