سيرة رجل وُلد في نشرة أخبار!
يُحكى أن طفلًا وُلد نازحًا في بلاد ليست بلاده بسبب أحداث الجبهة الوطنية والمناطق الوسطى، وكأن الحياة أرادت أن تختصر عليه الطريق، فتُعرّفه منذ اللحظة الأولى أن الاستقرار ترف لا ينبغي أن يعتاد عليه.
فتح عينيه على الدنيا، فوجد حربًا مشتعلة بين إيران والعراق. ولم يكن يفهم يومها من السياسة شيئًا، لكنه كان يسمع الكبار يتحدثون عن أبناء القرية الذين ذهبوا للمشاركة في الحرب، وعن القتلى والجرحى، وكأن أخبار الجبهات جزء من الأحاديث اليومية، إلى جانب أخبار المطر والمحاصيل وأسعار القمح.
ولم يكد يبلغ التاسعة حتى قرر صدام حسين أن يضيف فصلًا جديدًا إلى طفولته، فغزا الكويت، واشتعلت حرب الخليج. ومنذ ذلك الحين، صار صوت المذيع في إذاعة لندن، المنبعث من راديو القرية، جزءًا من ذاكرته السمعية. كان الناس يتابعون أخبار الصواريخ والطائرات، ثم ينتقلون مباشرة إلى الحديث عن ارتفاع الأسعار، حتى بدا له أن كل صاروخ يسقط في بغداد لا بد أن يرتفع مقابله سعر كيس الدقيق في قريته!
وبعد ثلاث سنوات تقريبًا، وبينما كان يستعد لدخول مرحلة المراهقة، قرر اليمنيون ألا يتركوا الطفل منشغلًا بحروب الآخرين، فقدموا له حربًا محلية الصنع عام 1994، حتى يشعر بالانتماء الوطني ويعرف أن بلاده قادرة هي الأخرى على إنتاج الحروب دون الحاجة إلى استيرادها.
ثم حدثت المعجزة!
من عام 1995 إلى عام 2004 تقريبًا، عاش أطول فترة هدوء نسبي في حياته. تسع سنوات كاملة دون حرب كبرى تطغى على تفاصيل يومه! وهي فترة استثنائية كان يمكن أن يستغلها في الدراسة والحب وبناء الأحلام، وربما كان عليه أن يحتفل بكل سنة منها باعتبارها إنجازًا تاريخيًا يستحق التوثيق.
لكن يبدو أن الهدوء طال أكثر مما ينبغي، فاندلعت حروب صعدة عام 2004، لتعود البلاد إلى برنامجها المعتاد.
وفي عام 2011، جاء الربيع العربي، فظن الرجل، وقد أصبح شابًا يحمل أحلامًا ومسؤوليات، أن الربيع يعني أن الأشجار ستزهر، وأن البلاد ستخرج أخيرًا من شتائها الطويل. لكنه اكتشف أن الفصول الأربعة في هذه المنطقة لها تعريفات مختلفة، وأن الربيع قد يأتي مصحوبًا بالرصاص والدخان بدلًا من الزهور والفراشات.
ثم جاء عام 2014، ومنذ ذلك الحين دخلت البلاد في حرب طويلة، حتى أصبح السؤال عن موعد انتهائها يشبه السؤال عن موعد قيام الساعة: الجميع يتوقع، ولا أحد يعرف!
وخلال هذه الرحلة، كان الرجل يحاول أن يعيش حياة طبيعية: يدرس، ويعمل، ويحلم، ويؤسس أسرة، ويبني مستقبلًا. لكن الحروب كانت دائمًا شريكًا ثقيل الظل في قراراته؛ تغير المدن التي يسكنها، وتبدل ظروف معيشته، وتؤثر في عمله ودخله وأحلامه، حتى انتهى به المطاف خارج وطنه، ليجد نفسه بعيدا عن وطنه مرة أخرى، كما بدأ حياته أول مرة.
والآن، بعد ما يقارب نصف قرن من الحياة، يستطيع هذا الرجل أن يقول إنه عاصر من الحروب أكثر مما عاصر من بطولات كأس العالم، وأن لديه خبرة في الأزمات السياسية والاقتصادية تفوق خبرة كثير من المحللين، مع فارق بسيط: أولئك يتقاضون أجورًا مقابل تحليل الحروب، أما هو فقد أمضى عمره يدفع ثمنها!
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف تتوقعون أن تكون حياة إنسان وُلد نازحًا، وتربى على نشرات الحروب، وقضى شبابه بين الأزمات، ثم انتهى به العمر غريبًا عن وطنه؟
الأغرب من ذلك كله أنه ما زال مطالبًا بأن يكون متفائلًا، وأن يخطط لمستقبله، وأن يجيب بثقة عندما يسأله أحدهم: أين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟
يا عزيزي، هذا الرجل لم يكن يعرف أين سيكون بعد خمسة أشهر، فكيف تريد منه أن يتنبأ بخمس سنوات؟!
إنها سيرة إنسان لم يطلب من الحياة الكثير، كان يريد فقط أن يعيش أيامًا عادية، في بلد عادي، يسمع فيه نشرة الطقس أكثر مما يسمع نشرات الحرب. ومثل قصته ملايين في وطني.
مع ذلك كله، لم تنجح هذه الحروب في انتزاع الأمل من قلبه، ولم تستطع أن تقنعه بأن الحياة مجرد سلسلة من الخسارات. فما زال يؤمن أن لهذا الوطن موعدًا مع السلام، وأن الأجيال القادمة تستحق أن تعيش حياة مختلفة، وأن تعرف أسماء المدن من جمالها وتاريخها، لا من أخبار المعارك التي تدور فيها.
ولعله، بعد كل ما عاشه، أصبح أكثر الناس إدراكًا لقيمة الأشياء البسيطة التي لا ينتبه إليها الآخرون: صباح بلا خوف، وبيت لا يهدده النزوح، ومدرسة لا تغلق أبوابها بسبب الحرب، وأطفال يكبرون وهم يخططون لمستقبلهم، دون أن يضطروا إلى التفكير في الطريق الذي سيسلكونه هربًا من الخطر.
وإذا كانت الحروب قد سرقت من جيله أجمل سنوات العمر، فلا ينبغي أن نسمح لها بسرقة أعمار أبنائنا أيضًا. فالأوطان لا تُقاس بعدد الحروب التي خاضتها، ولا بعدد الانتصارات التي أعلنتها، وإنما بقدرتها على أن تمنح أبناءها حياة كريمة وآمنة.
فهذا الإنسان، الذي قضى نصف قرن يتعلم كيف ينجو من الحروب، يستحق أن يقضي ما تبقى من عمره يتعلم كيف يعيش في السلام.



