الجغرافية في الاستراتيجية الـ..حوثية.. بين العمق الثابت والمكاسب الطرفية
من الواضح ان إدارة الحـ..وثيين للصراع تقوم على تمييز منهجي بين نوعين من الجغرافيا؛ المناطق التي تشكل عمقاً استراتيجياً مستقراً منذ سيطرتهم عليها في 2014-2015، و بين المكاسب الجغرافية الطارئة التي يسعون إليها أو يحصلون عليها في مراحل التصعيد. هذا التمييز ليس مجرد ترتيب تكتيكي، بل إطار يحكم حساباتهم العسكرية والسياسية، ويحدد أولوياتهم في الدفاع والحشد، ويسهم في الحفاظ على صورة القوة التي يعتمدون عليها داخلياً. و يحددون حدود الخسارة المقبولة للبقاء و الحفاظ على مظهر القوة اقليمياً.
تشمل المناطق الأساسية، في جوهرها، صنعاء وصعدة وعمران وحجة وذمار وأجزاء واسعة من المرتفعات الشمالية، إلى جانب الحديدة بوصفها منفذاً اقتصادياً. هذه الجغرافيا ليست مجرد أرض مسيطر عليها، بل قاعدة بُنيت عليها، على مدى أكثر من عقد، شبكات التجنيد والتلقين و الأدلجة، وآليات الرقابة و السيطرة المحلية الصارمة، والعلاقات القبلية المعاد تشكيلها، والتحصينات الجبلية، ومصادر الإيرادات الدائمة المستقرة لحد كبير.
ما يميز هذه المناطق تحديداً هو أنها لم تشهد، منذ سيطرة الحوثيين عليها، خسارة جوهرية أو تراجعاً ميدانياً مستمراً. رغم الضربات الجوية المتكررة، والضغوط العسكرية على أطرافها، والحملات المتعددة، بقيت السيطرة عليها ثابتة. هذا الثبات لم يكن نتيجة قوة عسكرية مطلقة، بل نتيجة مزيج من التضاريس الوعرة، والتحصينات المتراكمة، والشبكات المحلية التي يصعب اختراقها بسرعة، بالإضافة إلى أولوية الدفاع عنها في حسابات قيادة الجماعة.
خسارة جزء جوهري من هذا العمق تتجاوز الخسارة التكتيكية. فهي تضعف الرواية و الصورة التي يُروج لها داخل مناطق السيطرة، والتي تقوم على ثبات القوة و السيطرة واستحالة انتزاع ما "تحت أيديهم". كما أنها ترسل إشارة مباشرة إلى الشبكات المحلية والقبلية بأن الغطاء الحوثي لم يعد آمناً أو دائماً، ما يهدد تدفق المجندين ويقلل من قدرة الحشد. لهذا تظهر القيادة الحوثية حساسية عالية تجاه أي تهديد يقترب من هذه المناطق، وتميل إلى إعادة توزيع الاحتياطيات والقوات النوعية للدفاع عنها، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف جبهات أخرى.
في المقابل، تُعامل التوسعات الحديثة — كالتقدم على الساحل الغربي نحو المخا وذوباب ومناطق باب المندب — بمرونة أكبر. هذه المناطق تُستخدم لتحقيق أهداف متعددة ومترابطة، كخلق زخم إعلامي يعزز المعنويات، إجبار الخصوم على إعادة توزيع قواتهم، فرض أمر واقع يمكن توظيفه تفاوضياً، ورفع مستوى الضغط على ممرات الملاحة الدولية و إظهار الولاء والانتماء للمحور الايراني. غير أنها تفتقر إلى العمق الاجتماعي والتحصينات التي تميز مناطق حكمها و سيطرتها الأساسية، كما أن خطوط الإمداد إليها أكثر انكشافاً، ما يجعل كلفة الاحتفاظ بها مرتفعة إذا واجهت ضغطاً مستمراً ومنسقاً.
بهذا المنطق يحافظ الحوثيون على صورة داخلية متماسكة، التوسع ممكن، والخسائر في الجبهات الطرفية لا تعني تراجعاً في القاعدة. هذه الصورة تسهم في استمرار التجنيد والحشد، حتى في ظل ضغوط اقتصادية أو عسكرية على الجبهات الثانوية، لأن القاعدة الأساسية لم تُمس بعد.
و لهذا، الاستراتيجية التي تكتفي باستعادة المكاسب الطرفية تعيد الوضع إلى ما كان عليه دون أن تمس الركيزة التي يعتمد عليها الحوثيون. أما الضغط الذي يهدد مقاربات العمق فيغير حساباتهم و يربك و يشتت عملياتهم. تنشيط جبهات متعددة في وقت واحد، بعضها يضغط على محاور تقترب من المرتفعات الشمالية أو من طرق الإمداد الداخلية، يجبرهم على نقل قوات من الجبهات التكتيكية للدفاع عن ما لا يستطيعون تحمل خسارته. ومع تكرار هذا النقل، يتراكم الإرهاق وتضعف القدرة على المبادرة.
كما أن كسر الرواية يتطلب توثيقاً دقيقاً ومستمراً لأي مؤشرات تراجع في مناطق يُفترض أنها محمية منذ سنوات، أو ظهور ضغوط على الإنفاق والإمداد أثناء الدفاع عن العمق. الرواية الحوثية تعتمد على ثبات الأرض الأساسية، وأي ثغرة موثقة في هذا الثبات تضعف الحشد اكثر من أخبار عن خسائر في جبهات طرفية.
يجيد الحوثيون إدارة التوسع القابل للخسارة كأداة للحفاظ على صورة القوة واستمرار الحشد، مستفيدين من أن عمقهم الاستراتيجي لم يتعرض لخسارة جوهرية او تهديد وجودي منذ سيطرتهم عليه. غير أن هذا المنطق يظل قابلاً للاستغلال إذا تحول الضغط إلى تهديد مستمر لمقاربات العمق، بحيث يُجبرون إما على التنازل السريع عن مكاسبهم التكتيكية تحت ضغط حقيقي، أو على المخاطرة بكشف هشاشة قاعدتهم. و تحقيق ذلك يتطلب تنسيقاً برياً واستخباراتياً أعلى، وتركيزاً على المقاربات لا على العمق نفسه بالضرورة، مع ربط الضغط العسكري بضغوط اقتصادية واجتماعية تضعف قدرة المناطق الأساسية على تغذية الجهد الحربي. تشكيك العمق الجغرافي للجماعة بضعف قدرتها على حمايته و ديمومة سيطرتها عليه، قد يكون احد اهم الأسباب و العوامل التي تؤدي إلى حدوث انشقاقات داخلية و اضعاف قدراتها على التجنيد و التحشيد المجتمعي و العسكري.



