بِكُمْ ومن أجلكم ضَاعَ الوطن
إلى كل من اتخذوا قرار الحرب، ومن أداروها وأطالوا أمدها، ومن حوّلوا معاناة الناس إلى نفوذ ومصالح، وإلى كل من امتلك سلطة التأثير، ولم يجعل إنقاذ المواطن أولويته.
فأنتم جميعًا سواء، تتحملون المسؤولية بالدرجة نفسها كونكم من حمل السلاح، أو اتخذ القرار، أو امتلك السلطة والنفوذ، أنتم من استفاد من استمرار الصراع، وهو قادر على إيقاف النزيف، لكنه قدم حسابات مصالحه على مصالح الوطن والشعب... قد تكتبون مذكراتكم السياسية بلغة الانتصارات والبطولات، لكن تأكدوا أن خلف كل جملة أو كلمة أو حتى حرف منها، مواطنًا له حكاية أخرى: شابًا فقد حياته، وأبًا فقد مصدر رزقه، وأمًا فقدت ابنها، وطفلًا فقد مدرسته، ومريضًا عجز عن الوصول إلى دوائه.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
من يتحمل مسؤولية ما وصل إليه اليمن؟
ليس المواطن الذي خرج يبحث عن راتبه، ولا المريض الذي طرق أبواب المستشفيات، ولا الطالب الذي يبحث عن مقعد في الجامعة، ولا الموظف الذي ينتظر مرتبه؛ وإنما من امتلك القرار، وأدار مؤسسات الدولة، وأشعل الحرب أو شارك في إدارتها، أو امتلك القدرة على التخفيف من آثارها، ولم يفعل ما يكفي، فضاع الوطن.
ضاع حين تحولت ثورتا السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر من مشروع لبناء دولة إلى صراعات متكررة على السلطة والنفوذ، وحين أصبحت الدولة في أوقات كثيرة ساحةً للتجاذبات بدل أن تكون مظلةً لجميع اليمنيين.
وضاع حين أصبح السلاح أسرع من الحوار، والمصلحة السياسية مقدمة على مصلحة المواطن، وأصبح استمرار الأزمة، في بعض الحالات، جزءًا من حسابات المتنافسين عليها.
ولا يعني ذلك أن المسؤولية تقع على طرف واحد أو جهة واحدة؛ فالمشهد اليمني أكثر تعقيدًا من ذلك. لكن تعقيد المشهد لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء أصحاب القرار من مسؤوليتهم.
ومن بهم ضاع مستقبل أبنائنا، وضاع الوطن.. حين تتراجع المدرسة، ويغيب المعلم، وتتأخر رواتب الموظفين، وترتفع كلفة العلاج، وتضيق فرص العمل، فإن الخاسر الأول ليس السياسي، بل المواطن.
وحين يجد شاب متفوق نفسه بلا فرصة، بينما تُفتح الأبواب أمام آخرين بسبب النفوذ أو الواسطة، فإن المشكلة ليست في الشاب، وإنما في منظومة لا تضع الكفاءة والاستحقاق في مكانهما الصحيح.
وحين تصبح المنح والوظائف والمناصب موضع شك لدى الناس، فإن المسؤولية تقتضي الشفافية في المعايير والبيانات، وضمان تكافؤ الفرص، حتى لا يشعر المواطن أن مستقبله مرتبط باسم عائلته أو قربه من صاحب القرار.
أما أبناء المسؤولين، فليس ذنبهم أن يكون آباؤهم في مواقع السلطة، كما أن الدراسة في الخارج أو الحصول على وظيفة ليست جريمة في حد ذاتها؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول السلطة إلى وسيلة لمنح الامتيازات خارج قواعد الاستحقاق، أو عندما يصبح المال العام والنفوذ طريقًا لتجاوز حقوق الآخرين.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا: هل يحصل ابن المواطن على الفرصة نفسها التي يحصل عليها ابن المسؤول إذا امتلكا الكفاءة ذاتها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليكن ذلك مثبتًا بالشفافية والقانون. وإذا كانت الإجابة لا، فالمسؤولية تقع على من صنع هذه القاعدة واضاع الوطن، لا على من وجد نفسه خارجها.
فكيف ستكتبون مذكراتكم لأن التاريخ سوف يكون شاهدا عليكم؟
هل ستكتبون فقط أسماء المعارك والاتفاقيات والمناصب، أم ستكتبون أيضًا عدد المدارس التي تعطلت، والوظائف التي ضاعت، والأسر التي فقدت مصادر دخلها، والمرضى الذين تعذر علاجهم، والشباب الذين غادروا البلاد بحثًا عن مستقبل؟
التاريخ الحقيقي لا تكتبه البيانات وحدها، بل تحفظه ذاكرة المواطن.
سيكتبه الموظف الذي انتظر راتبه، والطالب الذي بحث عن فرصة، والطبيب الذي عمل في ظروف صعبة، والمعلم الذي واصل التدريس، والأم التي انتظرت ابنها، والأب الذي عجز عن توفير احتياجات أسرته.
وهؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير الحرب؛ إنهم أصحاب الوطن الحقيقيون.
إن الوطن لا يضيع في يوم واحد، بل يضيع عندما تتراكم الأخطاء، وتتراجع مؤسسات الدولة، ويضعف القانون، ويصبح المواطن آخر من يُسأل وأول من يدفع الثمن.
ولهذا فإن مساءلة المسؤولية لا تعني الانتقام، ولا تعني وضع الجميع في سلة واحدة؛ بل تعني أن يعرف كل من كان في موقع قرار ماذا فعل، وماذا كان يستطيع أن يفعل، وماذا ترتب على قراراته.
فمن اتخذ قرارًا يتحمل مسؤوليته، ومن أدار مؤسسة يُسأل عن أدائها، ومن امتلك نفوذًا يُسأل عن كيفية استخدامه، ومن استفاد من المال العام عليه أن يثبت مشروعية ما حصل عليه.
أما المواطن، فلا ينبغي أن يبقى متهمًا لمجرد أنه طالب بحقه.
المواطن هو الذي دفع الثمن الأكبر، ولذلك من حقه أن يسأل: أين ذهبت الدولة؟ وأين ذهبت مواردي؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ ومتى تعود حقوقي؟
قد يكتب أصحاب النفوذ مذكراتهم كما يشاؤون، وقد يقدم كل طرف روايته عن الحرب، ومن كان على حق ومن كان على باطل، ومن انتصر ومن خسر. لكن هناك رواية لا يستطيع أحد محوها: رواية المواطن.
فهو الذي دفع من عمره، ومن رزقه، ومن أمنه، ومن مستقبل أبنائه.
هو الموظف الذي انتظر راتبه، والمريض الذي انتظر دواءه، والطالب الذي انتظر فرصته، والأب الذي عجز عن توفير احتياجات أسرته، والأم التي انتظرت ابنها ولم يعد.
هؤلاء هم شهود الوطن الحقيقيون.
ولذلك فان السؤال سيكون ماذا فعلتم بالوطن؟
وماذا أبقيتم للمواطن؟
فالمواطن لا يريد أن يعرف من كتب أجمل خطاب، ولا من جمع أكثر الألقاب، ولا من قدّم نفسه بطلًا في مذكراته؛ يريد أن يعرف لماذا خسر بيته، وراتبه، ومدرسته، ومستشفاه، وأمانه، ولماذا دُفع أبناؤه إلى الموت بينما ظل مستقبلهم معلقًا.
وسيأتي يوم تُطوى فيه المذكرات، وتُغلق ملفات الحرب، وتسقط كثير من الشعارات، ويبقى شيء واحد لا يستطيع أحد إسكاته: ذاكرة المواطن.
وعندها لن ينفع أحد أن يقول: لم أكن مسؤولًا، أو لم أكن صاحب قرار؛ فالمسؤولية تُقاس بما امتلكه الإنسان من قدرة على الفعل، وبما اتخذه من قرارات، وبما تركه من آثار.
أما المواطن، فقد أدى ما عليه؛ صبر، وعمل، وانتظر، ودفع الثمن.
فلا تجعلوا صبره يُفهم على أنه نسيان، ولا صمته يُحسب قبولًا، ولا تحمّله للألم إعفاءً لأحد من المسؤولية.
هذا الوطن ليس ملكًا لمن حكمه، ولا لمن حمل السلاح، ولا لمن جلس خلف المكاتب وكتب المذكرات.
هذا وطن المواطن.
وإذا كان لكم أن تكتبوا تاريخكم كما تشاؤون، فسيكتب المواطن تاريخًا آخر، بحياته ودموعه وذاكرته، وسيقول:
هنا كان وطن واضاعوه...
لم يضعه المواطن،
لكنه كان أول من دفع ثمن ضياعه.
وهنا مواطن ما زال واقفًا، لا يطلب وطنًا لأحد، بل يطلب وطنه هو.



