السبت 17 أكتوبر 2026

من يحكم الشمال، ومن يوظّف الجنوب؟

التهم الحـ..وثي الرقعة الشمالية بالكامل منذ أكثر من عشر سنوات، باستثناء بعض مديريات محافظة تعز ومديرية ونصف مديرية في مأرب. وها هو اليوم يعود لاستكمال ما تبقّى من تعز، التي باتت، في تقديري، في حكم الساقطة، بعد أن أحكم قبضته الدائرية عليها. ولن يتبقى من الرقعة الجغرافية الشمالية، وفق معطيات اللحظة، سوى مديرية ونصف مديرية في مأرب.

فمن منظور الأيديولوجيا السياسية، إذا كان الحوثيون جماعة عقائدية إمامية، فكيف يقاتلون بغالبية شافعية جمهورية؟ أليسوا سنة بحسب التصنيف المذهبي؟ أليسوا جيلًا جمهوريًّا بحسب التصنيف السياسي؟ أعتقد أن فرضية البعد العقائدي فيها من المبالغة والسطحية الساذجة، ورغم سذاجتها، صدّقها الجنوبيون وابتلعتها السعودية، كما آمنت بمراوغات علي البخيتي، وبشائر بن لزرق، وتحليلات أحمد الشلفي، والله يرزق من يشاء بغير حساب.

وإذا كان الإصلاح جادًّا في قتال الحوثي، فلماذا لم يقاتل في صنعاء؟ وهو يمتلك نصف الجيش، وفضّل نقل المعركة إلى الجنوب، كساحة صراع مؤقتة، بدماء جنوبية وشروط تفاوضية شمالية؟ باعتبار أن الخلاف في الأصل نشب في صنعاء بسبب الخلاف على السلطة بين الكتلة الزيدية نفسها، وليس خلافًا مذهبيًّا بين السنة والشيعة؛ فالإصلاح والحوثيون كانا ينامان في خيمة واحدة في ساحة التغيير.

أما السعودية، فإما أنها غبية، وإما أن السحر انقلب على الساحر، بمباركة القوى الدولية التي ترى في حرب المنطقة مشرطًا لإعادة رسم خرائط النفوذ الدولية، ومحرّكًا جيدًا للمؤشرات الاقتصادية الأمريكية، وخنق الصين بعد تعيينها الحوثي حارسًا رسميًّا لبوابة باب المندب؛ لذا، فالضربات الحوثية للعمق السعودي، وسيطرته على المضيق الدولي، أرباح بلا خسائر بالنسبة للولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي، ولخنق الصين في معركة كسر العظم، بدون تكرار خطيئة السيطرة على مضيق هرمز. لذا، بدأ موقف ترامب متريثًا، على طريقة «مصائب قوم عند قوم فوائد». وما على الرياض إلا الانتظار، ولا يزال الخط مشغولًا، وإذا تم الرد، سيرتفع سقف ترامب بصورة لا تقل جنونًا عن سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية.

أربعون مليون شمالي ينتظرون سبعة ملايين جنوبي لتحرير الشمال؟ وسبعة ملايين جنوبي وجدوا أنفسهم في خضم معادلة جبرية بنتيجة صفرية، برأسين شماليين: الأول على طريقة «أحكمك أو أقتلك»، والآخر يريد تحويل الجنوب إلى وطن بديل وورقة للتفاوض مع الحوثي في مفاوضات الحل النهائي، على حساب دماء الجنوبيين؟ ليجد الجنوبي نفسه، في نهاية المحصلة، خسران خسران، في الإقدام أو الإحجام.

إذا عدنا إلى الجنوب وطرحنا سؤالًا عريضًا، واستطعنا تفكيكه سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، فأعتقد أن الإجابة كفيلة بتفكيك الورطة التي وجدوا أنفسهم فيها.

لماذا يقاتل الجنوبيون بهذا الحماس، رغم علمهم أنهم غائبون غائبون عن مفاوضات الحل النهائي؟ وإذا أشركتهم الرياض، فسيكون ذلك على طريقة ياسين مكاوي في حوار صنعاء؛ لأن الخطر الذي يتهدد الرياض من الهضبة الزيدية، وليس من الجنوب، والدليل تعاملها مع الحوثي كندّ، مقابل معاملتها الدونية مع المجلس الرئاسي، رغم تبعيته لها.

فالمقاتلون الجنوبيون ثلاثة فئات:

النوع الأول: عقائدي، قادته مرتبطون ارتباطًا مباشرًا بالسعودية أو الإمارات تمويلًا وتوجيهًا، مع غياب أي رؤية سياسية أو استقلالية في القرار، انحصرت أهدافه في اختصار الطريق إلى الجنة. وهذه سردية مهترئة؛ لأن من يمول الحرب يريد الوصول إلى باب المندب، وليس إلى الفردوس الأعلى، ولضمان أمنه في الدنيا، وليس من خوف الآخرة. ولو كانت الحرب طريقًا موصلًا إلى نعيم الآخرة، لسبقتهم إليها السعودية والإمارات وإيران، مثلما سبقوهم إلى نعيم الدنيا.

النوع الثاني: أخرجه العوز والحاجة، وهم السواد الأعظم؛ فبعد قطع المرتبات، وعجز الأسر عن توفير القوت الضروري، في ظل الركود الاقتصادي المتعمد لإنعاش سوق الحرب وتحويلها موردًا وحيدًا للرزق، وجدت معظم الأسر نفسها أمام خيارين: إما أن يموت كل أفرادها جوعًا، وإما أن تضحي بأحد أفرادها ليبقى الآخرون على قيد الحياة.

النوع الثالث: مقاتلون بشعار سياسي وحاجة مادية، فتحضر السردية الدينية أو الوطنية كغطاء أيديولوجيٍّ يعزّي به الفرد نفسه.

هذا التقسيم خاص بفئات المقاتلين، ولا ينطبق على المنخرطين سياسيًّا في الصراع بألسنتهم، سواء أكانوا مسؤولين سابقين أو لاحقين، أو منتظرين على دكة الاحتياط، ومثلهم الإعلاميون والناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي. فهؤلاء مثل الدوشان: إذا أعطيته مدحك، وإذا منعته ذمّك؛ وكل شيء بحسابه. ولو قيل لأحدهم إن الجنة أو الجنوب، أو الوحدة أو الانفصال، على عتبة بابك، سيرد عليك: بكم؟

ففي الجنوب، يدور صراع مناطقي على التمثيل، بين نخبة مناطقية ترى أنها الممثل الحصري للجنوب، كونها من سلّم لعفاش الجنوب عام 1990، ومن شروط البيعة أن تظل الوكالة سارية. فإن احتوتهم السلطة، أيّ سلطة، حتى سلطة العليمي، سكتوا؛ وإذا أخرجتهم، عادوا يزايدون باسم استعادة الدولة .

تقابلها نخبة مناطقية أخرى ترى أنها تمثل الثقل السكاني والاقتصادي والجغرافي، وأي تمثيل لا يلبي هذا الاستحقاق تتحول إلى رأس حربة للمعارضة، أيًّا كانت المعارضة؛ فالعنوان خيار تحدده الظروف وموقع المنافس من إعراب المعادلة. فإذا قال المنافس بالانفصال، قالوا باليمن الكبير، وإذا احتوت السلطة الانفصالي، قالوا: باعوا القضية الجنوبية.

وبينهما كتلة جنوبية ثالثة، بحكم بيئتها التجارية، لا يفضّل أفرادها المغامرة بطريقة الربح أو الخسارة؛ فيتوزعون على فرقاء المعادلة الجنوبية أو اليمنية؛ لذا ظلوا هامشًا مكمّلًا وموزعًا على الطرفين على طريقة: «ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه».

فأزمة اليمن ليست أزمة دينية؛ فالتشيع مصطنع والدعوشة مصطنعة، ولا هي اقتصادية؛ فاليمن بلد لديه موارد هائلة تنهبها النخب السياسية المتصارعة على الحكم قبل سقوط الدولة وبعده، وليست الأزمة اليمنية معركة إقليمية في جذورها أو تداعياتها، قبل أن تُوظَّف إقليميًّا من قبل إيران والسعودية، أو دوليًّا من قبل أمريكا والصين. إن الصراع في اليمن صراع على السلطة، لا بوصفها أداة للحكم، بل كوسيلة للهيمنة والاستحواذ على مقدرات الشعب وثروته لصالح فئة مذهبية أو حزبية أو مناطقية. وإذا أردت أن تتأكد، فانظر إلى أي قصر من قصور المسؤولين بعد أن ينام خصمه على غرفة نومه، من أي طرف كان.