بين حرب 2015 وحرب 2026.. اليمن في مواجهة معادلة جديدة
عندما اندلعت الحرب في اليمن عام 2015، كانت تُقدَّم بوصفها حربًا لاستعادة الدولة بعد سيطرة جماعة الحـ..وثي على العاصمة صنعاء ومؤسساتها. أما اليوم، وبعد أحد عشر عامًا من الصراع، فإن المشهد يبدو مختلفًا بصورة كبيرة. فالأطراف الرئيسية ما زالت هي نفسها؛ الحوثيون في مواجهة الحكومة اليمنية، لكن طبيعة الحرب، وأهدافها، وموازين القوى، والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، كلها تغيرت.
انتهت المرحلة الأولى من الحرب بهدنة أعلنتها الأمم المتحدة في أبريل/ نيسان 2022، وشملت وقف العمليات العسكرية العابرة للحدود، والسماح برحلات تجارية من مطار صنعاء، وتسهيل دخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، إضافة إلى إجراءات إنسانية هدفت إلى تهيئة الظروف أمام عملية سياسية. ورغم انتهاء الهدنة رسميًا في أكتوبر من العام نفسه، فإن تقرير المبعوث الاممي اقر بأن مستوى العمليات العسكرية ظل أقل من سنوات الحرب الأولى، إلى أن شهد عام 2026 عودة القتال على نطاق واسع.
لم يكن انهيار الهدنة وحده هو ما ميّز حرب 2026، بل أيضًا طبيعة الرد الحكومي. في ٢٠١٥ حين دخلت الحكومة الحرب كانت تعاني انهيارًا سريعًا في مؤسساتها العسكرية وفقدت السيطرة على معظم المحافظات الشمالية، لكن الوضع اختلف في حرب 2026 إذ بادرت الحكومة مباشرة بالرد وبإعلان عملية "فجر اليمن" في الخامس من أكتوبر، العملية التي قُدمت بوصفها عملية عسكرية واسعة تهدف إلى استعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين وفرض معادلة ميدانية جديدة.
ويمثل هذا الإعلان تحولًا في نهج الحكومة اليمنية؛ فبدلًا من الاكتفاء بإدارة جبهات متفرقة وانتظار المسار السياسي التفاوضي، سعت الحكومة إلى إطلاق عمليات متزامنة على أكثر من محور، بإسناد جوي من التحالف بقيادة السعودية، ومستفيدة، بحسب الرواية الرسمية، من إعادة تنظيم قواتها وتكثيف التنسيق مع حلفائها الإقليميين. أما في 2015، دخلت حكومة هادي الحرب بعد انهيار مؤسساتها العسكرية، وطلبت تدخلا عسكريا من دول الخليج، فجاءت عاصفة الحزم في مارس من العام نفسه، واعتمدت في معاركها في عدن ومأرب وتعز، ثم في هجوم الحديدة، على قوات التحالف والقوات الموالية له أكثر من اعتمادها على قدراتها الذاتية.
الرسالة الأهم في عملية فجر اليمن مفادها أن مرحلة تجميد الصراع قد انتهت، وأن الحكومة تسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض قبل العودة إلى أي مسار تفاوضي. في المقابل، تعامل الحوثيون مع العملية باعتبارها تحديًا واختبارًا لقدراتهم العسكرية التي سعوا لتطويرها وتقويتها خلال سنوات الهدنة، الأمر الذي جعل المواجهة الحالية أكثر شراسة وتعقيدًا من أية مرحلة سابقة.
في عام 2015، كان الصراع يُصنف في الأساس باعتباره حربًا أهلية يمنية، وإن كانت اكتسبت سريعًا بعدًا إقليميًا مع تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية. أما في 2026، فقد أصبح من الصعب فصل الساحة اليمنية عن مجمل الصراع الدائر في الشرق الأوسط. فالتصعيد بين إيران وإسرائيل، والخرب الامريكية الايرانية الحالية والتوترات في البحر الأحمر، والمنافسة على أمن الممرات البحرية، كلها عوامل جعلت اليمن جزءًا من معادلة إقليمية أكبر.
ولا يقف الأمر هنا فحسب، فكما جاء في تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن جماعة الحوثي اليوم بدت أقوى من ذي قبل، ويعود الأمر كما ذكرت الصحيفة إلى دعم عسكري وتقني تتلقاه الجماعة من قبل إيران وأطراف أخرى، وهو الأمر الذي تنفيه طهران أو تقلل من حجمه. إلا أن تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة وثقت خلال السنوات الماضية استمرار تدفق مكونات عسكرية وتقنيات ذات منشأ إيراني إلى الجماعة، بما في ذلك أجزاء من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ولم يعد الحديث عن مصادر تسليح الحوثيين مقتصرًا على إيران وحدها. فبينما تؤكد تقارير الأمم المتحدة والدول الغربية أن طهران ما تزال الداعم العسكري الرئيسي للجماعة عبر نقل الخبرات والتدريب والتقنيات الصاروخية والطائرات المسيّرة، برزت خلال السنوات الأخيرة تقارير استخباراتية وإعلامية تتحدث عن أدوار غير مباشرة لجهات روسية وصينية. وتشير هذه التقارير إلى توريد مكونات ذات استخدام مزدوج، وتقنيات إلكترونية، وأنظمة توجيه واتصالات، إضافة إلى اتهامات بتقديم صور أقمار صناعية أو معلومات تساعد في رفع دقة الاستهداف، وهو ما تنفيه بكين وموسكو أو لا تقران به رسميًا. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعني أن الحوثيين لم يعودوا يعتمدون على الدعم الإيراني وحده، بل باتوا يستفيدون من شبكة إسناد لوجستي وتقني أكثر تعقيدًا، أسهمت في تطوير قدراتهم العسكرية وتحويلهم إلى قوة أكثر تنظيمًا وتسليحًا مما كانوا عليه في عام 2015.
هذه المعلومات الاستخباراتية دفعت وزارة الخارجية الأمريكية لفرض عقوبات على شركات صينية وروسية سهلت دخول أجهزة مزدوجة وتزويد الحوثيين بتقنيات أكثر تطورًا لتحديد الأهداف، فيما فتحت الحكومة اليمنية حوارًا مع الصين بخصوص هذا الأمر.
ومن أبرز الفوارق التي نشهدها بين الحربين في ٢٠١٥ والآن، هو التحول في أهمية البحر الأحمر وباب المندب، إذ إنه لا يمثل ممرًا يمنيًا فحسب، بل يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات النفط والغاز القادمة من الخليج نحو أوروبا. ولهذا، فإن أي تهديد للملاحة فيه لم يعد يُنظر إليه باعتباره مشكلة تخص اليمن أو السعودية فقط، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، خصوصًا في ظل أزمة مضيق هرمز القائمة. الأمر الذي دفع الحكومة اليمنية وحتى السعودية لطلب دعم دولي عاجل لحماية أمن الملاحة الدولية كون التهديد يضر بالجميع، بالإضافة إلى أهمية دعم الحكومة اليمنية لاستعادة الأراضي اليمنية وإحكام السيطرة على أراضيها، باعتبار أن التهديد الحوثي لم يعد تهديدًا داخليًا فحسب.
من الناحية العسكرية، فإن الفارق يبدو جليًا جدًا في القوة العسكرية لدى الحوثيين في الوقت الراهن، فالحوثيون الذين خاضوا حرب 2015 يختلفون كثيرًا عن الحوثيين في 2026. فخلال سنوات الهدوء النسبي، تشير تقارير أممية وغربية إلى أن الجماعة واصلت تطوير قدراتها العسكرية، سواء في مجال الصواريخ الباليستية، أو الطائرات المسيّرة، أو الزوارق المسيرة، أو أنظمة الاستطلاع. ويظهر ذلك في نوعية الأسلحة المستخدمة، واتساع نطاق العمليات، والقدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، إضافة إلى تحسن مستوى التنسيق بين الجبهات المختلفة، ناهيك عن القوة البشرية التي تمد بها الجبهات المختلفة في آن واحد.
في المقابل، فإن الحكومة اليمنية ليست هي نفسها التي كانت في عام 2015. فالجيش الحكومي أعاد خلال السنوات الماضية تنظيم عدد من تشكيلاته، كما ظهرت ترتيبات عسكرية جديدة وشراكات إقليمية مختلفة، مع استمرار الدعم السعودي.
اليوم تبدو الأمور أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد الصراع اليوم صراعًا داخليًا بحتًا، بل تداخلت فيه حسابات دولية جديدة واتسعت دائرة الصراع الإقليمي، مما يقلص فرص الوصول إلى تسوية يمنية خالصة. لهذا، فإن حرب 2026 لا تبدو مجرد جولة جديدة من الحرب اليمنية، بل مرحلة مختلفة كليًا، انتقل فيها اليمن من ساحة نزاع داخلي إلى عقدة أمنية واستراتيجية تتقاطع عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن نتائجها لن تحدد مستقبل الدولة اليمنية وحدها، بل قد يكون لها أثر مباشر في أمن البحر الأحمر، واستقرار أسواق الطاقة، وشكل التوازنات في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنتهي هذه الحرب بتجميد جديد كما حدث بعد عام 2022، هدنة هشة تعلق الأمور وتبقي الأطراف في وضع الاستنفار لأي انفجار جديد؟ أم أن اتساع الدائرة الإقليمية وتعاظم القدرات العسكرية سيغلقان باب هذا الخيار؟



