من الريادة إلى تراجع الحضور: الاشتراكي اليمني في ذكراه الـ(48)
بين الحزب الاشتراكي اليمني وثورة الرابع عشر من أكتوبر صلة تشبه صلة الابن بالرحم التي احتضنت بداياته، ففي مسار الثورة، وبين قواها وتجاربها وأسئلتها، أخذت تتكوّن ملامح المشروع الذي حمله الحزب لاحقًا. ومن ذلك الرحم ورث تطلعات التحرر والعدالة وبناء الدولة والوحدة اليمنية، كما ورث تناقضات التجربة وأعباءها. ولهذا، فإن اقتراب ذكرى تأسيسه من ذكرى الثورة يستدعي، إلى جانب الاحتفاء بالجذور، مساءلة المسار: ماذا بقي من روح أكتوبر في الحزب، وكيف حمل وعودها، وأين تعثّر في الوفاء بها؟
الحزب الذي تأسس بصيغته التنظيمية عام 1978 جاء بعد الثورة، وحمل في تكوينه جانبًا من ميراث القوى التي خاضت معركة الاستقلال وسعت إلى بناء الدولة والعدالة الاجتماعية والوحدة اليمنية. وهذا ما يدفعني إلى مساءلة تجربته: كيف تعامل معه حين امتلك السلطة، وماذا استطاع أن يحفظ منه حين فقدها، وكيف وصل إلى هذا التراجع في الحضور، وفي وقتٍ تتعرض فيه الدولة والمجتمع ووحدة البلاد لأشد امتحاناتها؟
هنا تبدأ، في تقديري، مساءلة التجربة: عند المسافة بين الوحدة التي تبناها وقدرته على استيعاب التعدد، وبين العدالة التي وعد بها والسياسات التي مارسها.
والاعتراف بالدور التاريخي للحزب يستدعي إخضاع سياساته وخياراته للنقد، والبحث في سؤال محوري: كيف استطاع أن يحتل موقع الريادة في بناء الدولة، وأن يستعيد جانبًا من المبادرة في المعارضة، ثم عجز عن الحفاظ على فاعليته؟
وفي هذه القراءة، تظل روح الرابع عشر من أكتوبر، بما تحمله من معاني التحرر والكرامة والاستقلال والتطلع إلى وطن يجمع أبناءه، مرجعًا لمساءلة التجربة ومقياسًا للمسافة بين وعودها ومآلاتها.
تنطلق هذه القراءة من مساءلة تجربة الحزب في ضوء القيم التي حملتها ثورتا سبتمبر وأكتوبر: الجمهورية والتحرر والعدالة والمواطنة والوحدة. ولن يكون معيارها ما أعلنه الحزب عن نفسه وحده، بل ما جسّدته سياساته ومؤسساته وعلاقته بالمجتمع. ومن هنا، نبحث في المسافة بين المبادئ والممارسة، ونميّز بين مسؤولية قياداته عن خياراتها، وأثر الإقصاء والحملات الدعائية والتكفيرية التي استهدفته.
يبدأ الاختبار من مرحلة بناء الدولة: كيف تُرجمت شرعية التحرر إلى شرعية للحكم؟ وما الذي أنجزته التجربة في حياة الناس، وما الذي أخفقت في تأسيسه لضمان مشاركتهم ومساءلة السلطة؟ ففي هذه المرحلة تتضح جذور المنجز، كما تتضح اختلالات سترافق الحزب في المراحل اللاحقة.
وكيف يمكن لقيم أكتوبر الحية في الوجدان اليمني أن تجد تعبيرًا سياسيًا واجتماعيًا يواجه واقع الحرب والتشظي، ويعيد وصل السياسة بحاجات الناس وتطلعاتهم؟
من جذور الثورة إلى ريادة الدولة -المنجز الاجتماعي وحدود التجربة
تستدعي قراءة تجربة الحزب الاشتراكي في بناء الدولة العودة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حين انتقلت الجبهة القومية، ذات الجذور المرتبطة بحركة القوميين العرب، من النضال التحرري إلى مسؤولية الحكم. ففي هذه المرحلة، أخذ المشروع الذي حمله الحزب لاحقًا يتبلور مع تنامي التوجه اليساري والتقارب بين الجبهة وفصائل اليسار الأخرى، وصولًا إلى قيام التنظيم السياسي الموحد، ثم إعلان تأسيس الحزب الاشتراكي عام 1978. ولذلك، فإن قراءة تجربته تقتضي تتبّع هذا الانتقال: كيف تحولت تطلعات التحرر إلى سياسات لبناء الدولة؟ وماذا أضاف توحيد القوى إلى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية؟ وهل انعكس تعدد روافدها في اتساع المشاركة وقبول الاختلاف؟ وهذه الصلة التاريخية لا تختزل ثورة أكتوبر في الحزب؛ فالثورة حصيلة نضالات وتضحيات متعددة، ويُقاس دوره بقدر ما حقّق من وعودها بالتحرر والعدالة وبناء وطن يجمع أبناءه.
كان الاختبار الأول للقوى التي تولّت الحكم بعد استقلال الثلاثين من نوفمبر 1967 هو قدرتها على تحويل التحرر من الاستعمار إلى دولة تجمع عدن والسلطنات والمشيخات السابقة في إطار مؤسسي واحد. وكان هذا التوحيد، في أفق المشروع الوطني الوحدوي، الخطوة الأولى نحو توحيد كامل جغرافية اليمن الطبيعي. وهنا تتضح إحدى ركائز الريادة التي ورثها الحزب لاحقًا: الانتقال من تعدد السلطات المحلية إلى مؤسسات عامة تتولى إدارة البلاد وتوسيع الخدمات. لكن تقدير هذا المنجز يقتضي مساءلة طبيعة الدولة التي قامت عليه؛ فجمع المناطق تحت سلطة واحدة لا يكفي لبناء مواطنة متساوية، ما لم يقترن بحق الناس في المشاركة والتأثير في القرار. ومن هنا يبرز سؤال يتصل بمآلات التجربة: إلى أي مدى أسهم بناء الدولة في توسيع قاعدة المشاركة، وإلى أي مدى أدّى تركيز السلطة إلى تضييقها، بما أضعف قدرة الحزب لاحقًا على تجديد علاقته بالمجتمع؟
وتجلّى الوجه الاجتماعي لهذه التجربة في توسيع فرص التعليم والعمل، وإعطاء حضور أكبر للفئات التي ظلت على هامش السلطة والثروة، وفي الإصلاح الزراعي وتغيير علاقات ملكية الأرض. كما احتلت قضية المرأة موقعًا مهمًا في مشروع التحديث، من خلال دعم مشاركتها في التعليم والعمل وإقرار تشريعات أكثر إنصافًا لها، ومنها قانون الأسرة لعام 1974. وهذه منجزات تستحق الاعتراف بقيمتها في سياقها التاريخي؛ لأنها مست علاقة الناس بالدولة وبفرص الحياة، ولم تقتصر على تغيير أسماء المؤسسات أو لغة الخطاب السياسي.
غير أن الانحياز إلى العمال والفلاحين كان يطرح، منذ مرحلة بناء الدولة التي سبقت تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، سؤالًا يتجاوز إعلان الهوية الطبقية: كيف تتحول العدالة الاجتماعية إلى سياسة تستوعب تنوع المجتمع وتستفيد من قدراته؟ فقد اصطدمت سياسات التأميم والتوسع في ملكية الدولة بمصالح اقتصادية قائمة، وطرحت في الوقت نفسه أعباء إدارية وإنتاجية كبيرة. وفي شهادته عن تلك المرحلة، أشار فواز طرابلسي إلى تحفظه على استعجال التأميمات وتحميل قطاع الدولة مسؤوليات تتجاوز ما يتوافر له من كفاءات وبنية مؤسسية، وإلى أثر توسيعها في تنفير أصحاب المصالح الصغيرة أيضًا. وتفتح هذه الشهادة مجالًا لنقد أدوات التحول، دون إنكار أهدافه الاجتماعية: فعدالة المقصد لا تعفي السياسة من اختبار الكفاءة والنتائج، كما أن الاعتراض على إجراء اقتصادي لا يكفي وحده للحكم على صاحبه بالعداء للتحرر أو للمساواة. أما مساءلة الحزب فتتعلق بكيفية تعامله، بعد تأسيسه، مع هذا الميراث الاقتصادي والمؤسسي، وما راجعه من سياساته وما استمر فيه.
وتتصل مساءلة السياسات الاقتصادية بسؤال أوسع عن الضمانات السياسية لحماية المنجز الاجتماعي. فقد اتسعت مسؤولية الدولة في التعليم والعمل والخدمات، بينما ظلّت المشاركة السياسية محكومة بإطار الحزب الواحد. ومع تداخل قيادة الحزب ومؤسسات الحكم، تجاوز أثر الخلافات القيادية حدود التنظيم، وأصبح قادرًا على زعزعة الدولة والمجتمع. وهنا تكمن إحدى مفارقات التجربة: مشروع يسعى إلى توسيع الحقوق الاجتماعية، لكنه يضيّق سبل مساءلة السلطة وتصحيح خياراتها. وحين تقترن شرعية الدولة بشرعية قيادة الحزب، يغدو نقد القيادة مهددًا بأن يُعامل بوصفه طعنًا في المشروع الوطني، فتضعف قدرة التجربة على مراجعة نفسها وحماية منجزاتها. ولذلك، فإن حدود المشاركة السياسية تدخل في صلب تفسير ما أصاب المشروع الاجتماعي نفسه من هشاشة.
وفي أحداث الثالث عشر من يناير 1986، ظهرت هشاشة العلاقة بين الحزب والدولة بأفدح صورها؛ إذ تحوّل الصراع داخل القيادة إلى اقتتال دفع المجتمع ثمنه البشري والسياسي. وهنا لا تكفي إدانة الأشخاص المتصارعين، على جسامة مسؤوليتهم، لفهم ما جرى؛ فالمساءلة تشمل بنية حكم لم تستطع ضبط خلافاتها بقواعد ملزمة، ولا حماية مؤسسات الدولة من الانقسام القيادي. كيف أمكن لتنظيم رفع شعار تجاوز الولاءات الشخصية والمناطقية أن يصبح عرضة لتعبئتها في صراعه الداخلي؟ ولماذا ظلّ الاحتكام إلى القوة ممكنًا داخل مشروع يفترض أنه يؤسس لسلطة المؤسسات؟ لقد أصابت أحداث يناير قدرة التجربة على حماية منجزاتها وتجديد قيادتها، وأظهرت أن بقاء الدولة واستقرار المجتمع يحتاجان إلى ضمانات تتجاوز توازنات القادة واتفاقاتهم، وتجعل إدارة الاختلاف خاضعة لقواعد لا يملك المتصارعون تعطيلها متى اختلّ التوازن بينهم.
وفي تقديري، فإن إنصاف التجربة يقتضي التوقف أيضًا عند المراجعات التي نشأت داخل الحزب، ولا سيما بعد كارثة يناير؛ ففي الكونفرنس الحزبي العام المنعقد عام 1987، طُرحت مراجعة نقدية تحليلية لمساره. وتؤكد البيانات الببليوغرافية لوثائق الكونفرنس انعقاده في يونيو من ذلك العام. وفي مرحلة ما بعد يناير، برزت دعوة جار الله عمر إلى التعددية السياسية والتحول الديمقراطي، بما يفتح مراجعة العلاقة بين الحزب والدولة والمجتمع. وهذه المراجعات تجعل مساءلة التجربة مستندة أيضًا إلى نقد نشأ في داخلها، لكنها لا تعفيها من سؤال النتائج: إلى أي مدى تجاوز النقد أخطاء القيادات المتصارعة إلى مساءلة احتكار السلطة وأساليب إدارة الاختلاف؟ وما الذي انتقل منه إلى تغيير فعلي في المؤسسات والممارسة؟ فالاعتراف بالأخطاء يفتح طريق التصحيح، لكن أثره يتوقف على توسيع المشاركة وضمان حق الآخرين في التنظيم والتعبير، وعلى قدرة المؤسسات على منع تجدد الصراع والإقصاء.
وهكذا، تُظهر مرحلة ريادة الدولة منجزًا وطنيًا واجتماعيًا ذا قيمة، إلى جانب اختلالات سياسية ومؤسسية أثّرت في قدرة المشروع على حماية نفسه وتجديد أدواته. فقد اتسع معنى التحرر ليشمل التعليم والعمل والحقوق الاجتماعية، فيما بقي تنظيم الاختلاف السياسي نقطة ضعف عميقة. ومن هذا التداخل بين المنجز والقصور، دخل الحزب مرحلة الوحدة؛ حاملًا خبرة في بناء الدولة وتطلعات العدالة، وآثار صراعات لم تستكمل التجربة تجاوزها.
وظلّ الأفق الوحدوي حاضرًا في مشروع الحزب، الذي جمع قوى وتنظيمات امتدت جذورها إلى شمال اليمن وجنوبه. وقد مثّلت مشاركته في إعلان الوحدة في الثاني والعشرين من مايو 1990 انتقالًا من قيادة الدولة في الجنوب إلى الشراكة في دولة يمنية مشتركة. وهنا انتقل الاختبار من إدارة الحكم في إطار الحزب الواحد إلى بناء الشراكة في نظام يقوم على التعددية: كيف تعامل الحزب مع هذا التحول؟ وكيف أدار استحقاقاته ومخاطره في ظل تفاوت موازين القوة ومصادر النفوذ؟
الحزب في دولة الوحدة -الشراكة واختلال موازين القوة
لم يكن سؤال الوحدة وليد أزمات الثمانينيات، فقد ارتبط منذ قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 بالعلاقة بين انتصار الثورة في الشمال واستكمال التحرر في الجنوب. وكان حضور قحطان الشعبي في صنعاء وتولّيه شؤون الجنوب تعبيرًا عن هذا الترابط، فيما أخذ مسار النضال يطرح سؤال العلاقة بين التحرير والوحدة: كيف يلتقي إنهاء الاستعمار مع بناء الكيان الوطني الجامع؟ وحين تحقق الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967، كان المعسكر الجمهوري في الشمال يعيش انقساماته وصراعاته الداخلية، بالتزامن مع استمرار الحرب ضد الملكيين، بينما واجهت الدولة الوليدة في الجنوب مهام توحيد أراضيها وبناء مؤسساتها. ومن هذا المسار، يمكن قراءة العلاقة بين مشروع الدولة ومشروع الوحدة في تجربة القوى التي تكوّن منها الحزب الاشتراكي لاحقًا: كيف تطوّرت الصلة بينهما، وكيف سعت إلى تحويل التطلع الوطني المشترك إلى صيغة سياسية قابلة للتحقق والاستمرار؟
وحين مضى الحزب الاشتراكي اليمني إلى دولة الوحدة، كان يحمل مشروعًا وطنيًا جمع بين بناء الدولة وإنهاء التشطير، فيما كان مثقلًا بإرثٍ من تجربة الحكم في الجنوب، تداخلت فيه المنجزات مع الصراعات والجراح.
وتقتضي قراءة هذا الانتقال النظر في بُعدين متداخلين: مكانة الوحدة في تكوين الحزب ونضاله، وإرث تجربة الحكم في الجنوب، بما حملته من منجزات وما شهدته من صراعات، وصولًا إلى كارثة يناير 1986.
ومن هنا، يفتح هذا المحور سؤالًا عن الكيفية التي التقى بها الالتزام بالمشروع الوحدوي مع تحديات الانتقال إلى دولة مشتركة: كيف تصوّر الحزب العلاقة بين تحقيق الوحدة وبناء مؤسساتها؟ وإلى أي مدى استطاع أن يستفيد من دروس تجربته السابقة في تأسيس شراكة تستوعب الاختلاف وتحمي المنجزات؟
وعند النظر إلى قرار الوحدة، ينبغي فحص أثر هذا الإرث، إلى جانب الأعباء الاقتصادية واختلال التوازنات في النظام الدولي مع تراجع قوة الاتحاد السوفيتي واهتزاز المنظومة الاشتراكية، في توقيت القرار وشروطه.
فوصف القرار بأنه "هروب إلى الوحدة" يحتاج إلى أكثر من الاستدلال بالأزمة التي سبقته، إذ يجب التمييز بين الالتزام بالمشروع الوحدوي، والضغوط التي ربما عجّلت بتحقيقه، والطريقة التي اختارتها القيادة لإنجازه. وهنا تتحدد المساءلة: هل استُنفدت إمكانات الإصلاح الداخلي وتوسيع المشاركة وتنويع العلاقات الخارجية؟ وهل كان ممكنًا الاستفادة من بعض جوانب التجربة الصينية في إصلاح الاقتصاد وإعادة بناء النظام في الجنوب، بما يعزّز تماسكه وموقعه التفاوضي؟ أم أن الالتزام بالمشروع الوحدوي جعل القيادة تمنح تحقيقه الأولوية على إعادة ترتيب أوضاع دولتها؟ وهل جرى، في ضوء ذلك، تقدير مخاطر الاندماج الفوري والضمانات اللازمة لحماية الدولة المشتركة؟
أما الحكم بأن القيادة "سلّمت الدولة دون ثمن"، فيحتاج إلى تفكيك: ماذا حققت ترتيبات الشراكة، وما الذي عجزت عن ضمانه؟ وأرى أن موضع النقد الأعمق يكمن في المسافة بين إعلان الشراكة وبناء المؤسسات القادرة على حمايتها، وفي مدى إدراك القيادة أن صدق التزامها بالوحدة لا يكفي لضمان التزام شريكها بقواعد الشراكة.
غير أن إنصاف قيادة الحزب يقتضي قراءة اختيارها للوحدة الاندماجية الفورية في ضوء التزام الحزب بهدف حمله منذ تأسيسه، وخشيتها من أن يؤدي تأجيل تحقيقه إلى تبدّد الفرصة التاريخية واستمرار التشطير. فقد دخل الحزب الاشتراكي اليمني دولة الوحدة في الثاني والعشرين من مايو 1990، حاملًا هدفًا احتل مكانة مركزية في مشروعه السياسي، ومستعدًا للتخلي عن الانفراد بحكم دولة والدخول في شراكة تخضع للتعددية والمنافسة السياسية. ومن هذا المنظور، كان اندفاع قيادته نحو الوحدة تعبيرًا عن صدق الالتزام بمشروع وطني، وإن ظلّ هذا الالتزام بحاجة إلى ضمانات تحميه.
ومن هنا تبدأ مساءلة ديناميكية تحقيق الوحدة: إلى أي مدى ربط الحزب السعي إلى إنجازها ببناء شروط استمرارها؟ وهل منح توحيد المؤسسات، وتحديد الصلاحيات، وضمان استقلال القضاء، وحماية النشاط السياسي، الوزن نفسه الذي منحه لإعلان الدولة الجديدة؟
لا تنتقص هذه الأسئلة من قيمة القرار الوحدوي، لكنها تميّز بين صدق التطلع الوطني وكفاية الترتيبات التي تحميه.
غير أن اختبار الشراكة لم يكن مقتصرًا على قدرة الحزب الاشتراكي على مراجعة تجربته وتقدير المخاطر، بل كان متعلقًا أيضًا بمدى استعداد شريكه، المؤتمر الشعبي العام، والقوى القبلية والإسلامية المتحالفة معه، للقبول بتقاسم السلطة وبناء دولة تتسع للجميع. فمسؤولية الحزب عن التفاوض بشأن الضمانات لا تختزل أزمة الوحدة، التي يتطلب فهمها النظر في ممارسات القوى التي أسهمت في تقويض تلك الضمانات.
جاءت الوحدة بمشروع معلن لبناء دولة تقوم على التعددية والمواطنة والشراكة السياسية، غير أن قيام الدولة الجديدة لم يصحبه إخضاع مراكز النفوذ لقواعد مؤسسية مشتركة، فقد احتفظت هذه المراكز بأدوات قوتها العسكرية والقبلية وشبكات مصالحها، وظلت قادرة على التأثير في القرار السياسي خارج مقتضيات الشراكة.
ومع احتدام التنافس، أخذ السعي إلى إضعاف الحزب الاشتراكي وإزاحته من موقع الشريك يتقدم على متطلبات بناء الدولة المشتركة، وأصبح التعدد الحزبي مهددًا بأن يتحول إلى غطاء لصراع غير متكافئ على السلطة، بدلًا من أن يرسّخ المشاركة ويضمن تداولها.
من هذا المنظور، يمكن قراءة تحوّل الشراكة إلى مصيدة سياسية للحزب الذي أسهم في تأسيس دولة الوحدة، إذ انشغلت القوى المتحالفة ضده بإزاحته للاستئثار بالسلطة، دون اعتبار لما يحمله ذلك من مخاطر تمزيق الدولة التي قامت بالشراكة، وتفكيك مؤسساتها، وضرب تماسكها الاجتماعي، وفتح الطريق أمام صراعات تهدد بقاءها. ولم تكن المشكلة في خسارة الحزب موقعه في السلطة فحسب، بل في إخضاع الوحدة نفسها لمنطق الغلبة، بما قوّض معناها بوصفها عقدًا وطنيًا يقوم على الرضا والمشاركة، وأرسى أسباب تصدّع الدولة وانهيارها لاحقًا.
وقد ظهرت صعوبة بناء هذه الشراكة منذ مرحلة الإعداد للاستفتاء على دستور دولة الوحدة والتعبئة له، وصولًا إلى إقراره بتأييد شعبي واسع في مايو 1991. فقد عارضت قوى الإخوان المسلمين وحلفاؤها من القوى القبلية الدستور، واتجهت إلى تعبئة دينية ضدّه وضد الحزب الاشتراكي والقوى الملتفة حوله.
وفي قراءتي لتلك المرحلة، كان أخطر ما في هذه التعبئة انتقالها من الاعتراض على مواد دستورية إلى خطاب تكفيري يطعن في الشريك السياسي، ولا يستثني الدستور نفسه من الاتهام بمخالفة الدين.
وهنا أخذ يظهر تناقض بين التأييد الشعبي للوحدة وإطارها الدستوري، وبين قوى تعمل على نزع الشرعية عن أحد شركائها وعن الأسس التي تنظّم العيش السياسي المشترك. وبذلك، كانت أزمة الوحدة تتشكّل أيضًا في خطاب يضيّق حق الاختلاف، ويحوّل المنافسة السياسية إلى خصومة تمسّ العقيدة والانتماء.
غير أن تحليل هذه الحملات يتطلب التمييز بين الاعتراض على سياسات الحزب، والدعاية التي شوّهته، والتكفير الذي أخرج الخصومة السياسية إلى مجال التحريض والإقصاء. ويظل السؤال مزدوجًا: كيف أثّرت هذه الحملات في شروط مشاركته، وكيف واجهها سياسيًا واجتماعيًا؟
ولم يكن تعثّر بناء الدولة المشتركة مسألة سياسية فحسب، بل ظلّ عدم دمج القوات المسلحة أحد أخطر مواطن الخلل في بنيان الوحدة. فانتقال بعض الوحدات العسكرية من الجنوب إلى الشمال، ومن الشمال إلى الجنوب، لم يؤدِّ بذاته إلى إنشاء جيش موحّد يخضع لقيادة وطنية واحدة. وفي تقديري، فإن ما أحاط ببعض الوحدات القادمة من عدن يكشف أن المسألة تجاوزت قصور الترتيبات إلى توظيفها في المزيد من إضعاف الشريك، إذ وُضعت هذه الوحدات في بيئات قبلية شديدة العصبية، ثم استُثير العداء ضدها بتعبئة مقصودة قدّمتها بوصفها قوة غريبة عن محيطها.
وهكذا تحوّل الانتشار العسكري، الذي كان يفترض أن يعزّز الاندماج الوطني، إلى وضع يشبه الكماشة: وحدات بعيدة عن قواعدها السابقة، محاطة ببيئة جرى تأليبها عليها، فيما بقيت أدوات القوة موزّعة بين ولاءات وقيادات لم تندمج في مؤسسة وطنية مشتركة.
ولم تجرِ المنافسة السياسية في بيئة آمنة، إذ وثّقت تقارير حقوقية معاصرة أعمال عنف استهدفت أعضاء في الحزب الاشتراكي وقوى يسارية أخرى خلال السنوات الأولى للوحدة. ولم تكن الاغتيالات والترهيب منفصلة عن أزمة بناء الدولة، بل كشفت ضعف قدرتها على حماية النشاط السياسي ومساءلة المعتدين.
ولذلك، لم تكن الأزمة مجرد تنافس انتخابي أو خلاف على توزيع المناصب، بل تعلّقت بشروط المشاركة في حكم الدولة: هل يستطيع الحزب ممارسة نشاطه وحماية أعضائه ومقراته، أم يظل عرضة للاغتيالات والاعتداءات دون محاسبة المسؤولين عنها؟ وهل تعمل المؤسسات العسكرية والأمنية لحماية جميع المواطنين، أم تُستخدم لترجيح كفة طرف وإقصاء شريكه؟ بهذه القضايا ارتبط مصير الشراكة، ومعه مستقبل دولة الوحدة1.
وفي ظل هذه الاختلالات، شكّلت انتخابات أبريل 1993 مفصلًا في الصراع على مستقبل الشراكة، إذ حلّ الحزب الاشتراكي ثالثًا في عدد المقاعد، رغم تقدّمه على التجمع اليمني للإصلاح في مجموع الأصوات. وهذه المفارقة تمنع اختزال النتيجة في تراجع شعبيته، خصوصًا مع فوزه بمعظم دوائر الجنوب وتحقيقه حضورًا انتخابيًا في محافظات الشمال.
وفي قراءتي، كشفت هذه المحطة أيضًا تلاقي مصالح المؤتمر والقوى القبلية والإسلامية المتحالفة معه في تقليص وزن الحزب، وتوظيف مرتبته البرلمانية لإظهاره أقل حضورًا مما عبّرت عنه أصوات ناخبيه، ولإعادة تعريف الشراكة على نحو يضعف موقعه في الدولة.
غير أن قراءة هذا المسار لا تعفي الحزب من نقد إدارته للمعركة الانتخابية، فقد كان عليه أن يحسن اختيار مرشحيه وتنسيق تحالفاته واستثمار قواعده، ولا سيما في مناطق نفوذه في المحافظات الشمالية.
ومن وجهة نظري، لم تُظهر قيادته الحنكة الكافية في التعامل مع المنافسة الانتخابية، ولا التقدير الكافي لحجم التعبئة ضده وما قد تفضي إليه من تهديد لموقعه وللشراكة نفسها.
قبل الحزب بالمرتبة الثالثة واستمر في الائتلاف الحاكم، متمسكًا بالوحدة وبحقه في المشاركة، لكن هذا التمسك ظلّ يحتاج إلى قدرة أكبر على حماية الشراكة من مسار أخذ يتجه نحو إضعافه وإقصائه. فلم تكن المشكلة في قبول نتائج الانتخابات، بل في كيفية التعامل مع توظيفها لتقويض الشراكة التي قامت عليها الدولة الجديدة.
وفي المجال الاقتصادي، برز سؤال السيطرة على الموارد العامة، وفي مقدمتها العائدات النفطية: كيف تُحصّل، وأين تُودع، ومن يراقب إنفاقها؟ وقد عبّرت المطالبة بتوريد العوائد إلى البنك المركزي وإدراج الموارد والنفقات في الموازنة العامة عن ضرورة إخضاع المال العام للمؤسسات والرقابة، ومساءلة ما تستحوذ عليه شبكات النفوذ خارج هذه الضوابط.
وتكشف وثائق المناقشات البرلمانية لعام 1993 عن مطالب بتدقيق نفقات الشركات النفطية، وتحصيل عائدات أراضي الدولة التي جرى التصرف فيها، وإلزام المؤسسات ذات العوائد بالعملة الأجنبية بتوريدها إلى حساباتها لدى البنك المركزي. ومن هذا المنظور، كان الخلاف يتصل أيضًا بالمسافة بين موارد يفترض أن تموّل الخدمات والتنمية، ومصالح تسعى إلى إبقائها تحت تصرفها2.
وامتدت الخلافات إلى مشاريع التنمية، ومنها تنفيذ المنطقة الحرة في عدن، وإلى الحقوق الاجتماعية، ولا سيما الحفاظ على ما تحقق للمرأة في الجنوب من فرص التعليم والعمل والمشاركة، ومن حماية قانونية داخل الأسرة. فقد جعل توحيد التشريعات هذه المكتسبات موضع نزاع، وأثار سؤالًا عن اتجاه التغيير: هل توسّع الوحدة الحقوق لتشمل المجتمع كله، أم تتراجع عما تحقق منها؟ وهنا يبقى السؤال النقدي موجهًا إلى قيادة الحزب أيضًا: إلى أي مدى استطاعت جمع مطالب الأمن والموارد والتنمية والحقوق في مشروع وطني واضح، وبناء اصطفاف مدني واسع يدافع عنه؟3.
وفي هذا المناخ، جاء الحوار الذي أفضى إلى وثيقة العهد والاتفاق، الموقعة في عمّان - فبراير 1994، كمحاولة لطرح مخرج سياسي من الأزمة ومشروع لإصلاح دولة الوحدة. وكانت الوثيقة ثمرة حوار امتد على مدى أسابيع، شاركت فيه قوى سياسية وفعاليات اجتماعية متعددة، بما وسّع النظر إلى الأزمة من خلاف بين قيادتي الشراكة إلى سؤال وطني عن أسس الحكم ومستقبل الدولة.
إذ تضمنت اعتماد حكم محلي يقوم على الانتخابات المباشرة، ويتمتع بصلاحيات إدارية ومالية كاملة في إطار الدولة الواحدة، وتقسيمًا إداريًا جديدًا يتجاوز مظاهر التشطير. كما نصت على إخلاء المدن من القوات المسلحة وإعادة تمركزها تمهيدًا لدمجها وبناء جيش وطني بعيد عن التأثيرات الأسرية والقبلية والمناطقية، وإنهاء الوجود المسلح غير الرسمي، وضبط حمل السلاح.
اقترنت هذه التدابير بملاحقة المتورطين في الإرهاب والاغتيالات، وتحديد صلاحيات مؤسسات الحكم، وضمان استقلال القضاء، وحماية المال العام، وضبط الموازنة، ومكافحة الفساد، وتفعيل دور البنك المركزي، وتنفيذ مشروع المنطقة الحرة في عدن، وإجراء التعديلات الدستورية اللازمة لتنفيذ الإصلاحات4.
تكمن أهمية الوثيقة في أنها ربطت إنقاذ الوحدة بإصلاح الدولة التي تحملها، فالشراكة تحتاج إلى توزيع واضح للصلاحيات، ومشاركة شعبية في إدارة الشؤون المحلية، ومؤسسات عسكرية وأمنية تخضع للقانون.
ومن هنا يمكن فهم تعارض مشروعها مع مصالح مراكز القوة المستفيدة من تداخل السلطة بالسلاح والمال العام. ولذلك، فإن تعثر تنفيذها يفتح سؤالًا يتجاوز مصير اتفاق سياسي: كيف ضاعت فرصة تحويل التوافق الوطني إلى ضمانات عملية تحول دون الانزلاق إلى الحرب؟
في تقديري، يصعب تفسير تعطيلها بمجرد ضعف القدرة على التنفيذ، حيث أخذ مسار المؤتمر وحلفائه من القوى الإسلامية والقبلية التقليدية يكشف اتجاهًا نحو تجاوز الشراكة وإقصاء الحزب، فيما استمرت التعبئة ضده والاستفزازات التي قوّضت الثقة بإمكان التسوية.
كان اعتراض موكب رئيس الوزراء حيدر أبو بكر العطاس عند مدخل صنعاء، قبل توقيع الوثيقة، من الوقائع الدالة على مدى تراجع سلطة المؤسسات أمام مراكز النفوذ. ومن هذه الزاوية، أقرأ التعطيل باعتباره تعبيرًا عن غياب إرادة الالتزام بالإصلاح لدى القوى التي رأت في استمرار الشراكة قيدًا على استئثارها بالسلطة.
مع اندلاع الحرب في مايو 1994، دخل المشروع الوحدوي أخطر امتحاناته، بعدما أخفقت محاولات معالجة الأزمة سياسيًا في حماية الشراكة ومنع المواجهة المسلحة.
جاء إعلان الانفصال في الحادي والعشرين من مايو 1994 نتيجةً للحرب وانسداد أفق التسوية السياسية، لا سببًا لاندلاعها. فقد سبقت الحربَ اغتيالاتٌ ومضايقاتٌ وانتهاكاتٌ طالت الحزب وكوادره، وفاقمت الأزمة، فيما سعت القيادة الجنوبية إلى معالجة الخلافات في إطار دولة الوحدة وتجنّب خيار الانفصال. ومع اندلاع الحرب واستمرارها، ضاقت خيارات القيادة، وتحوّلت المطالبة بإصلاح الشراكة في دولة الوحدة إلى مواجهة تتعلق ببقائها السياسي والعسكري، وتحت ضغطها دُفعت إلى إعلان الانفصال.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين توظيف تهمة الانفصال في التعبئة للحرب، وبين إعلان الانفصال الذي جاء بعد اندلاعها. واتخاذ الإعلان تفسيرًا للحرب منذ بدايتها يقلب ترتيب الوقائع، ويحجب مسؤولية الخيارات التي أغلقت طريق التسوية ودفعت الأزمة نحو الحسم العسكري.
ولا يمنع إدراك هذه الظروف من مساءلة القرار عن جدواه وعواقبه، وعن البدائل التي ربما كانت لا تزال متاحة، لكنه يجعل النقد منصبًّا على تقدير الخيارات تحت ضغط الحرب، دون افتراض رغبة سابقة في التخلي عن الوحدة. فالإعلان جاء أثناء حرب قائمة، ولا يصح تقديمه بوصفه سببًا لاندلاعها أو ذريعة لتبرير الإقصاء الذي أعقبها. كما أن قرار القيادة الجنوبية حينذاك لا يختزل مواقف الحزب وقواعده في عموم اليمن، فقد ظلّ التنظيم أوسع من ذلك الخيار، وظلّ إرثه الوحدوي جزءًا من هويته ومن مطالبته باستعادة الشراكة الوطنية.
انتهت الحرب في يوليو 1994 بهزيمة الطرف الجنوبي وخروج عدد من قياداته إلى المنفى، ورافق الانتصار العسكري نهب لمؤسسات وممتلكات، ثم اتسعت سياسات الإقصاء لتطال كوادر الدولة المدنية والعسكرية في الجنوب. وفي دلالة ذلك، لم تكن خسارة الحزب عسكرية وسياسية فحسب، فقد تضررت أيضًا شروط الشراكة التي كان يفترض أن تمنح الوحدة مضمونها الوطني5.
وتزداد مساءلة السلطة المنتصرة إلحاحًا بالنظر إلى تأكيد علي عبد الله صالح، بعد انتهاء الحرب، التزامه (بخطاب معلن) بوثيقة العهد والاتفاق أساسًا لبناء الدولة اليمنية الحديثة. وظل هذا التعهد دون ترجمة إلى تنفيذ مشروعها الإصلاحي، فيما اتجهت الممارسة إلى تكريس سلطة المنتصر وإضعاف ضمانات المشاركة. وبذلك تقع مسؤولية السلطة على الوفاء بالتزامات أعلنتها بعد حسم الحرب، حين باتت تمتلك القدرة على اتخاذ خطوات المصالحة وإصلاح الدولة6.
وكانت عدن من أبرز المواضع التي تجلت فيها نتائج هذا المسار، إذ تعرضت مؤسساتها وكوادرها للتهميش، وتعثر مشروعها بوصفها عاصمة اقتصادية وتجارية. وأضعفت السياسات والعقود المجحفة فرص تطوير المنطقة الحرة وميناء الحاويات، فيما جرى التصرف بمساحات من أراضي المدينة ومتنفساتها لمصلحة نافذين. وفي تقديري، مسّ ذلك قدرة عدن على أداء دورها مدينةً للعمل والإنتاج والتبادل، وأهدر جانبًا من إمكاناتها التي كان يمكن أن تسهم في تنمية اليمن كله.
ومن منظور روح أكتوبر، تصبح المساءلة مزدوجة: نقد الخيارات التي عجزت عن حماية المشروع الوحدوي، ونقد إخضاعه لمنطق الغلبة والتنصل من التزامات إصلاحه، على حساب الحقوق والمواطنة والتنمية7.
فتحت الحرب في تجربة الحزب الاشتراكي اليمني، طورًا من التقهقر والإقصاء، خسر فيه موقعه في السلطة، وتشتّت جانب من قياداته، وتعرّض لتضييق طال الأسس المادية والتنظيمية لنشاطه، إذ حُرم من موازنته، وصودرت مقراته وممتلكاته وأصوله المادية والعينية، وامتد الاستيلاء إلى منازل عدد من قياداته التي غادرت البلاد عقب الحرب. وفي ظل هذه الظروف، كان عليه أن يعيد بناء تنظيمه ويستعيد صلته بالناس، وأن يسعى إلى استعادة المبادرة من موقع المعارضة، بعدما فقد السلطة وجانبًا كبيرًا من الإمكانات التي يستند إليها حضوره السياسي.
وفي مواجهة هذا الواقع، واصل الحزب مراجعاته الفكرية والسياسية والتنظيمية، وعمّق مسارًا كانت بعض ملامحه قد بدأت قبل الحرب شمل: إعادة النظر في مرجعيته الأيديولوجية وقواعد حياته الداخلية وتعريفه لقاعدته الاجتماعية، وتوسيع تصوره الطليعي القائم على تمثيل العمال والفلاحين إلى تعريف نفسه حزبًا وطنيًا ديمقراطيًا اجتماعيًا، مفتوح الانتماء لأبناء الشعب المقتنعين ببرنامجه ونظامه الداخلي، مع احتفاظه بالتزام العدالة الاجتماعية والديمقراطية والمواطنة المتساوية. وبذلك أعلن توجهًا إلى استيعاب فئات اجتماعية أوسع يجمعها التطلع إلى التغيير وبناء دولة وطنية ديمقراطية8.
لكن إعادة البناء جرت في ظروف استمر فيها تغليب منطق تصفية الحساب مع الشريك المهزوم على مقتضيات المصالحة، فقد مضت السلطة في ملاحقة قيادات شريكها السابق، وصولًا إلى محاكمة ستة عشر من كبار القيادات السياسية والعسكرية غيابيًا، وصدور أحكام بالإعدام بحق خمسة منهم في مارس 1998.
عبّر هذا المسار عن التعامل مع حسم الحرب كأنه حسمٌ لمشكلات الوحدة، بينما كانت سياسات ما بعد الحرب تراكم أسباب أزمتها.
ولم يقتصر الإقصاء على القيادات السياسية، بل امتد إلى أعداد كبيرة من العسكريين والأمنيين وموظفي الجهاز الإداري في الجنوب، ممن أُبعدوا عن أعمالهم أو أُحيلوا قسرًا إلى التقاعد، فخسرت مؤسسات الدولة خبراتهم، وتراكم لدى هؤلاء شعور بالظلم وانتهاك الحقوق.
ومن صفوف المتقاعدين والمبعدين تشكّلت نواة أساسية للاحتجاجات التي برزت عام 2007، مطالبة بالعودة إلى العمل وتسوية المستحقات وإنهاء التمييز.
ومع اتساع المشاركة بالاحتجاجات، اتصلت هذه المطالب بسؤال الشراكة ومكانة الجنوب في دولة الوحدة، والتقت بالدعوات إلى تصحيح مسارها وإزالة آثار الحرب. غير أن تجاهل المظالم ومواجهة الاحتجاجات بالقمع أسهما في تعميق القطيعة وفقدان الثقة، واتساع التأييد لاحقًا لدعوات الانفصال واستعادة دولة الجنوب9.
وفي مواجهة هذا المسار، ساند الحزب الاشتراكي اليمني المطالب الحقوقية للمحتجين، وأدان قمع اعتصاماتهم وتظاهراتهم السلمية، ودعا إلى معالجة آثار الحرب واستعادة الحقوق وإصلاح الشراكة الوطنية، وهو ما عبّر عنه بيان لجنته المركزية في أغسطس 2007. وكان جوهر هذا الموقف أن الحفاظ على الجمهورية اليمنية المعلنة في الثاني والعشرين من مايو 1990 يقتضي إنصاف مواطنيها وصون مشاركتهم فيها. فاستمرار الوحدة يحتاج إلى عدالة تعيد الثقة بمعناها الوطني، وإلى دولة يتساوى أبناؤها في الحقوق والواجبات.
في هكذا ظروف، ينبغي قراءة محاولات الحزب إعادة بناء تنظيمه وتجديد دوره في المعارضة، مع إبقاء تجربته موضع مساءلة. فبقاء التنظيم وإعلان التحول في وثائقه لا يكفيان للحكم على نجاح المراجعة، إذ ينبغي البحث في أثرها في الممارسة: إلى أي مدى استطاع توسيع قاعدته الاجتماعية، وتجديد قياداته، وتكريس الديمقراطية واحترام الاختلاف داخل تنظيمه؟ وهل تجاوز بعض أساليب المرحلة السابقة وتناقضاتها، وحوّل دروس الحكم والهزيمة إلى قدرة على استعادة المبادرة والتأثير؟ عند هذه الأسئلة يبدأ طور جديد من تجربته، تُختبر فيه قدرته على بناء مشروع سياسي يستعيد ثقة الناس من خارج السلطة.
يتبع في الحلقة الثانية، وتُدرج في ختامها قائمة المصادر والمراجع المعتمدة في الحلقتين.



