السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • جبل صبر.. حين عاد السلاح ليطارد صُنّاعه

جبل صبر.. حين عاد السلاح ليطارد صُنّاعه

أحسن الأستاذ سامي غالب في مقاله المنشور أمس في "النداء" بعنوان"جبل صبر.. الجدار الأخير!" ، إذ لم يكتفِ بوصف التحولات العسكرية المتسارعة على الأرض، بل وضع إصبعه على موضع الخلل الحقيقي الذي ظل غائبًا خلف الضجيج الإعلامي والعناوين الرنانة. فالمقال لا يتحدث فقط عن تراجع الجبهات أو سقوط المواقع، بل يثير سؤالًا أعمق يتعلق بالمسؤولية عن المسار الذي أوصل اليمن إلى هذه المرحلة الخطيرة.لكن إذا كان "جبل صبر" يمثل اليوم الجدار الأخير في معركة تعز، فهل المشكلة الحقيقية هي سقوط المواقع أم سقوط الحسابات السياسية التي سمحت أصلًا بتراكم السلاح والنفوذ بيد الحوثيين حتى تحولوا من مليشيا محاصرة إلى قوة تمتلك القدرة على تهديد اليمن وجواره معًا؟

يضعنا مقال سامي غالب أمام سؤال لا تستطيع الشرعية ولا التحالف الهروب منه إذا كانت الحسابات تدور حول الأشخاص والتحالفات المؤقتة، هل فكر أحد بمصير السلاح إذا انتهى في يد الحوثيين؟ وهل كان الهدف احتواء الأزمة أم إدارة الأزمة بما يضمن استمرارها؟ أمّا الأسئلة الحقيقية اليوم وتعز تنتحب موجّهة إلى المملكة العربية السعودية بالدرجة الأولى، لأن الشرعية لم تعد في نظر اليمنيين سوى أداة مدفوعة الأجر تنفذ ما يُطلب منها أكثر مما تقرر ما يجب فعله.
ماذا استفادت السعودية من سياسة الاحتواء تجاه الحوثيين سوى أنها منحتهم مزيدًا من الوقت والمساحة لإعادة ترتيب صفوفهم وفرض أنفسهم كأمر واقع بدلًا من إنهائهم كخطر قائم؟ وماذا استفادت من الرهان على التفاهمات المباشرة معهم وهي تعلم أن قرارهم لا يُصنع في صنعاء بل مرتبط بإيران ؟ وماذا استفادت من إضعاف اليمن وتفكيك مراكز قوته الوطنية سوى صناعة فراغ سياسي وعسكري لم يملأه إلا الحوثيون؟ وماذا استفادت من سنوات طويلة قضتها في إدارة "التهديد"بدل معالجة جذور "الأزمة" .
الواقع يقول إن سياسة الاحتواء لم تحتوِ أحدًا، والتفاهمات لم تُنتج سلامًا، وإضعاف اليمن لم يحقق أمنًا لأحد. بل على العكس تمامًا، منحت هذه السياسات مليشيا الحوثي فرصة تاريخية لالتقاط الأنفاس وتكديس السلاح وتوسيع النفوذ وتعزيز حضورهم العسكري والسياسي، حتى أصبحوا اليوم أكثر قدرة على فرض شروطهم وأكثر جرأة على تهديد خصومهم مما كانوا عليه في أي وقت مضى.ويبدو أن جبل صبر قد قلب السحر على الساحر؛ فالسلاح الذي تُرك ليتراكم في يد الحوثيين لم يعد يُوجَّه إلى اليمنيين وحدهم، بل بات يتجه أيضًا نحو المملكة نفسها، ليؤكد مرة أخرى أن النار التي تُشعل لإحراق الخصوم لا تلبث أن تمتد إلى من أشعلها.