اليمن والسعودية.. الجغرافيا والإنسان
ليست المشكلة بين اليمن والسعودية أن بينهما حدودًا، بل أن هناك من يريد تحويل هذه الحدود إلى خنادق دائمة، ومن يريد للتاريخ أن يبدأ من لحظة خلاف سياسي وينتهي عند تغريدة غاضبة، كأن آلاف السنين من الجغرافيا والقرابة والتجارة والهجرة والمصالح المشتركة يمكن اختصارها في خصومة عابرة بين مسؤولين، أو في شتيمة يكتبها شخص لا يعرف من السياسة سوى المبلغ الذي يتقاضاه مقابل ما يكتب.
اليمن والسعودية ليستا دولتين التقتا مصادفة على خريطة حديثة. إنهما امتدادان جغرافيان وإنسانيان لتاريخ طويل من التداخل والتأثير المتبادل. صحيح أن لكل دولة سيادتها وحدودها ومصالحها الوطنية، لكن الصحيح أيضًا أن الجغرافيا لا تستقيل حين تختلف الحكومات، وأن الشعوب لا تستطيع الانتقال إلى خرائط أخرى كلما فشلت السياسة.
وإذا كان ثمة درس ينبغي أن يستوعبه الطرفان من سنوات الحرب والانقسام، فهو أن القوة تستطيع تغيير موازين المعارك، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة السلام، وأن المال قد يشتري الولاءات والمواقف، لكنه لا يشتري استقرارًا دائمًا، وأن الدول لا تحمي أمنها بإضعاف جيرانها إلى ما لا نهاية، كما أن الشعوب لا تستعيد كرامتها بتحويل جيرانها إلى أعداء أبديين.
لقد شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية وتنموية ومؤسسية كبيرة، وعززت حضورها الإقليمي والدولي، وأصبحت تتطلع إلى مستقبل يقوم على الاستثمار والتحديث والاستقرار. وفي المقابل، يقف اليمن على حافة كارثة تاريخية، منهكًا بتراكمات طويلة من الفساد والاستبداد والصراعات السياسية والحروب والتدخلات، حتى أصبح المواطن اليمني يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، وقرارات لم يشارك في اتخاذها.
لكن هذه المفارقة لا ينبغي أن تتحول إلى شعور بالتفوق لدى طرف، أو إلى إحساس بالمهانة لدى الطرف الآخر. فازدهار السعودية ليس هزيمة لليمن، وانهيار اليمن ليس انتصارًا للسعودية، بل إن استقرار أحدهما يمثل، في جوهره، ضمانة لاستقرار الآخر.
والحقيقة التي ينبغي قولها دون خوف أو مجاملة هي أن السعودية أخطأت في تقديرات وسياسات تخص اليمن، كما أخطأت القوى اليمنية، بمختلف اتجاهاتها، حين جعلت من البلاد ساحة مفتوحة للمغامرات والحسابات الخارجية. ولا يمكن اختزال مسؤولية الكارثة في طرف واحد، كما لا يجوز توزيع المسؤولية بالتساوي لمجرد إرضاء الجميع. فلكل طرف أفعاله وقراراته وحجم مسؤوليته السياسية والأخلاقية والقانونية.
لقد كان من الممكن أن تتحول العلاقة بين البلدين إلى نموذج للتكامل الاقتصادي والإنساني، بدلًا من أن تصبح ملفًا أمنيًا مفتوحًا على الخوف والشكوك. وكان من الممكن أن تكون الحدود معابر للعمل والتجارة والتنمية، لا أن تظل في الوعي السياسي خطوطًا تستدعي القلق والتوتر.
والسؤال الذي لا بد من طرحه هنا: من المستفيد من استمرار هذا الوضع؟
من المستفيد من بقاء اليمن ضعيفًا، ممزقًا، عاجزًا عن إدارة موارده ومؤسساته؟ ومن المستفيد من تصوير السعودية عدوًا تاريخيًا لليمنيين؟ ومن المستفيد، في المقابل، من تصوير اليمن كله باعتباره تهديدًا دائمًا لأمن السعودية؟
هناك قوى داخلية وخارجية تستثمر في استمرار الصراع، وشبكات مصالح تنمو كلما تراجعت الدولة، ونخب سياسية وإعلامية تخشى السلام؛ لأنه سيجردها من مبررات وجودها ونفوذها. لكن الحديث عن هذه المصالح لا ينبغي أن يتحول إلى نظرية مؤامرة تعفي أصحاب القرار من مسؤولياتهم. فالحروب لا تستمر بالأجندات الخفية وحدها، بل تستمر أيضًا بالأخطاء المعلنة، وبغياب الشجاعة السياسية، وبعجز النخب عن الاعتراف بأن الطريق الذي سلكته لم يعد صالحًا للمستقبل.
ومن أخطر ما أصاب العلاقة بين البلدين أن جزءًا من النقاش السياسي انتقل من المؤسسات ومراكز القرار إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تختلط المواقف الوطنية بالحسابات الشخصية، والصحافة بالدعاية، والاختلاف بالتحريض.
ليس كل من يرفع صوته مدافعًا عن وطنه، وليس كل من يكتب باسم السيادة مؤمنًا بها. وهناك فرق شاسع بين صحفي يبحث عن الحقيقة، ومغرد يبحث عن مكافأة، وسياسي يتحمل مسؤولية قراره، وشخص يحول الكراهية إلى مهنة.
كان الأجدر بالطرفين ألا يسمحا لضجيج المنصات بأن يصبح بديلًا عن الدبلوماسية. فالتغريدة ليست وثيقة سياسية، والشتيمة ليست موقفًا وطنيًا، والتحريض على الشعوب لا يصنع انتصارًا للدول. ومن حق الجميع التعبير والنقد والاختلاف، لكن ليس من حق أحد أن يحول حرية التعبير إلى دعوة للعنف، أو إلى سوق لبيع العداوات.
ولعل أخطر الأوهام التي صنعتها هذه الحرب هو الاعتقاد بأن اليمنيين كتلة سياسية واحدة، أو أن الموقف من جماعة الحوثي هو بالضرورة موقف من الشعب اليمني، أو أن نقد السياسات السعودية يعني العداء للسعودية وشعبها.
الحوثيون ليسوا اليمن كله، والشرعية ليست اليمن كله، والأحزاب ليست اليمن كله، مثلما أن أي مسؤول سعودي أو موقف إعلامي لا يختزل المملكة وشعبها.
واليمنيون ليسوا مطالبين بالتخلي عن حقهم في نقد السياسات السعودية، كما أن السعوديين ليسوا مطالبين بالتنازل عن حقهم في الأمن وحماية حدودهم. لكن الحقوق لا تكتمل إلا حين تقترن بالمسؤولية، وحين يصبح أمن السعودية متوافقًا مع سيادة اليمن، لا بديلًا عنها.
والتصعيد الأخير يعيد تأكيد هذه الحقيقة. فقد حذر المبعوث الأممي إلى اليمن، في إحاطته لمجلس الأمن يوم التاسع من أكتوبر 2026، من اتساع الحرب وتجدد الهجمات العابرة للحدود وتفاقم معاناة المدنيين. وهذا ليس دليلًا على استحالة السلام، بل على أن تأجيله يضاعف كلفته على الجميع.
إن للسعودية فضلًا على اليمن في محطات كثيرة، من فرص العمل التي احتضنت أجيالًا من اليمنيين إلى المساعدات والمشروعات الإنسانية والتنموية. ولليمنيين كذلك إسهام تاريخي وإنساني واقتصادي في المجتمع السعودي، عبر أجيال من العمال والتجار وأصحاب المهن والخبرات الذين شاركوا في البناء والإنتاج.
وهذه ليست حسابات للمن أو المطالبة برد الجميل، بل ذاكرة مشتركة ينبغي ألا تمحوها الخلافات.
والسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: من يستطيع هزيمة الآخر؟ بل: من يمتلك الشجاعة لإيقاف هذه الدائرة؟
إن التسوية السياسية ليست مستحيلة. يمكن أن تبدأ بحوار مباشر، ووقف شامل للتصعيد، وضمانات متبادلة للأمن والسيادة، ثم بمسار يمني جامع يعيد بناء الدولة ومؤسساتها. ويمكن أن تتغير القيادات والتحالفات والأحزاب، وأن تظهر قوى سياسية جديدة أكثر قدرة على تمثيل المجتمع. فليس من المعقول أن يبقى مستقبل ملايين البشر رهينة لأسماء أثبتت التجربة عجزها عن إدارة الحاضر.
لكن أي تسوية لا تعيد الاعتبار للقانون ستظل مجرد هدنة مؤقتة.
نحن بحاجة إلى دولة يمنية لا تسأل المواطن عن مذهبه قبل حقوقه، ولا عن حزبه قبل كفاءته، ولا عن ولائه قبل مواطنته. دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، وتكون فيها حرية الفكر والاعتقاد والتعبير مكفولة، ولا تستخدم السلطة القانون لتصفية الحسابات، ولا تستخدم الجماعات الحرية لتبرير السلاح خارج الدولة.
من حق الإنسان أن يكون جمهوريًا أو ملكيًا في قناعاته، يساريًا أو يمينيًا، محافظًا أو ليبراليًا، متدينًا أو مختلفًا في رؤيته الفكرية. لكن ليس من حق أي جماعة أن تصادر الدولة باسم معتقدها، أو أن تفرض أيديولوجيتها بالقوة.
والقانون الذي نريده ليس عصًا في يد الحاكم، بل سقف يحمي الحاكم والمحكوم والمعارض على السواء.
إن مستقبل اليمن والسعودية لا ينبغي أن تكتبه غرف التحريض، ولا أن تحدده مصالح أمراء الحرب، ولا أن يبقى أسيرًا لمخاوف الماضي.
فالحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والقيادات ترحل، والأحزاب تصعد وتسقط، لكن الجغرافيا تبقى، والشعوب تبقى، والمصالح الحقيقية تبقى.
وقد يأتي يوم يجلس فيه الذين يتبادلون التهديد اليوم إلى طاولة واحدة، ويوقعون اتفاقًا كان يمكن توقيعه قبل سنوات، ويكتشف الجميع أن آلاف الضحايا والبيوت المهدمة والسنوات الضائعة لم تكن ثمنًا ضروريًا للسلام، بل نتيجة مأساوية لتأخر العقل عن الوصول إليه.
ليس المطلوب من اليمن أن يحب السعودية على حساب سيادته، ولا من السعودية أن تحب اليمن على حساب أمنها. المطلوب أن يفهم الطرفان أن السيادة والأمن لا يتناقضان، وأن الجار المستقر خير من الجار المنهار، وأن السلام العادل ليس تنازلًا يمنحه القوي للضعيف، بل مصلحة استراتيجية للطرفين.
لقد حان الوقت كي يتوقف السياسيون عن صناعة الأعداء، ويبدأوا في صناعة المستقبل.
فاليمن لن يختفي من جنوب السعودية، والسعودية لن ترحل من شمال اليمن. ولن تستطيع أي قوة، مهما امتلكت من المال والسلاح والنفوذ، أن تلغي هذه الحقيقة.
وإذا كانت السياسة قد نجحت في تحويل الجوار إلى أزمة، فإن السياسة العاقلة تستطيع تحويله إلى فرصة تاريخية.
وحدهم المستفيدون من الحرب يخشون هذه الفرصة.
أما الشعوب، فقد تعبت من دفع فاتورة لا تعرف لماذا صدرت، ولا متى تتوقف، ولا لماذا يصر الذين كتبوا بنودها على أنها قدر لا يمكن تغييره.
إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه السعودية ليس أن ترى اليمن ضعيفًا، وأعظم انتصار يمكن أن يحققه اليمن ليس أن يرى السعودية قلقة، بل أن يصل البلدان إلى اليوم الذي لا يحتاج فيه أحدهما إلى الخوف من الآخر.
عندها فقط سنكتشف أن السلام لم يكن حلمًا مستحيلًا، وأن ما كان ينقصنا لم يكن القوة ولا المال ولا التاريخ، بل الإرادة السياسية والشجاعة الأخلاقية للاعتراف بالأخطاء.
فلا اليمن عدو السعودية، ولا السعودية قدر اليمن المؤلم. العدو الحقيقي هو كل سياسة تجعل من الجغرافيا لعنة، ومن الجوار خصومة، ومن مستقبل الأجيال وقودًا لمعارك الماضي.



