بين الحمدي وأمين أبو راس وعبدالرزاق فرفور
شهادة إعلامي سوري عن الحركة التصحيحية في اليمن
شهادة يرويها الإعلامي السوري عبدالرزاق فرفور، رئيس تحرير مجلة «أضواء اليمن»، عن تجربته في اليمن، ولقائه بالرئيس إبراهيم الحمدي، ثم بالشيخ أمين أبو راس، كبير بكيل، في مرحلة كانت فيها معركة بناء الدولة اليمنية تتجاوز حدود الداخل، لتتصل باستقلال القرار الوطني وطبيعة العلاقة مع الجوار، وبفكرة التضامن العربي التي جمعت رجالًا من مشارب مختلفة.

أولًا: من سوريا إلى اليمن.. حين استدعى الحمدي الإعلام العربي
يروي الإعلامي السوري عبد الرزاق فرفور أن بداية تجربته في اليمن جاءت استجابةً لدعوة من الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي أراد الاستعانة بإعلاميين قوميين وعروبيين للمساهمة في العمل الإعلامي ومساندة التوجهات التي تبنّاها في تلك المرحلة. وكان فرفور والصحفي إبراهيم حافظ خير الله من بين الذين قدموا إلى اليمن في هذا السياق.
غير أن العمل الإعلامي لم يكن آنذاك بعيدًا عن التجاذبات السياسية، ولم يكن القادم من خارج اليمن بمنأى عن حساسيات الداخل، ولا سيما حين يرتبط عمله بمشروع سياسي يسعى إلى إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وتغيير أنماط النفوذ القائمة.
وفي رسالته التي نقل إليّ فيها جانبًا من تجربته، استعاد فرفور تفاصيل مرحلة واجه فيها انتقادات حادة من بعض الإعلاميين اليمنيين. وخصّ بالذكر ما كتبه جعفر محمد جعفر في صحيفة «الثورة»، وما نشره زيد الغابري في صحيفة «الجمهورية» بتعز، من انتقادات طالت شخصه ومجلة «أضواء اليمن».
وقد تزامنت تلك الكتابات، بحسب روايته، مع أجواء من التوتر السياسي والإعلامي، في ظل تباين المواقف من توجهات الرئيس الحمدي، وما رافقها من محاولات لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ التقليدية.
ولا يجزم فرفور بأن تلك المواقف كانت جميعها تعبيرًا عن اختلاف سياسي مباشر مع الحمدي؛ إذ بدا له أن بعض دوافعها قد يرتبط أيضًا بحساسيات مهنية وشخصية، وربما بالغيرة من استقدام إعلاميين عرب للعمل في اليمن. كما رأى أن بعض تلك التحركات تقاطعت، بدرجات متفاوتة، مع أجواء الضغط التي أحاطت بمشروع الحمدي، في وقت كانت فيه العلاقة مع الجوار الإقليمي أحد العوامل المؤثرة في المشهد اليمني.
ثانيًا: لقاء الحمدي.. شكوى إعلامي ومأزق مشروع وطني
أمام ما تعرض له من انتقادات، قرر عبدالرزاق فرفور أن يضع الأمر أمام الرئيس إبراهيم الحمدي مباشرة. فالتقاه في مقر القيادة العامة، وعرض عليه ما أصابه من ضيق، حتى إنه طلب منه السماح له بالعودة إلى البلد الذي قدم منه، وتسليم المجلة إلى شخص آخر.
يقول فرفور إن الحمدي تأثر بما سمعه، ولم يتعامل مع شكواه باعتبارها خلافًا صحفيًا عابرًا. فاتصل بمدير عام صحيفة «الثورة»، وطلب إعفاء جعفر محمد جعفر على خلفية ما اعتبره إساءة إلى فرفور، كما اتصل بشجاع الدين، مدير الإعلام في تعز، ووبّخ زيد الغابري، محاولًا جبر خاطر الصحفي السوري وإقناعه بالعدول عن قرار الرحيل.
لكن اللقاء لم يتوقف عند حدود الشكوى. فقد استطاع الحمدي، بدماثته وتواضعه، أن ينقل الحديث إلى جوهر ما كان يشغله: مشروع التصحيح، وبناء الدولة، والعلاقة بين السلطة والمشايخ، وحدود تأثير الخارج في القرار اليمني.
شرح الحمدي لفرفور أن موقفه ليس عداءً للمشايخ، وأن كثيرًا منهم رجال وطنيون يحترمون وطنهم ويحرصون عليه. غير أن المشكلة، كما عرضها في رواية فرفور، كانت في المساعدات المالية الشخصية التي يتلقاها بعض المشايخ من المملكة العربية السعودية، وما قد ينشأ عنها من تأثير في استقلال القرار الوطني.
وكانت الفكرة التي أراد الحمدي إيصالها واضحة: ليست القضية خصومة مع المشيخة بوصفها مكانة اجتماعية أو دورًا قبليًا، وإنما الانتقال من نفوذ الأفراد إلى سلطة الدولة، ومن المساعدات الشخصية إلى دعم مؤسسات الجمهورية.
فالدولة، في نظر هذا المشروع، لا تستقيم إذا ظلت بعض مراكز النفوذ مرتبطة ماليًا أو سياسيًا بقوى خارج حدودها، ولا إذا أصبح الولاء الوطني موزعًا بين مؤسسات الدولة ومصادر التأثير الخارجية.
وأكد الحمدي، بحسب ما رواه فرفور، أنه لا يعادي المشايخ، وأنه يريد أن يكون دعم الأشقاء لليمن دعمًا للدولة ومؤسساتها، لا للأفراد بما قد يضعف استقلالها.
ثم نصح ضيفه بأن يتعرف إلى أحد المشايخ الوطنيين، مؤكدًا أن لقاءه سيغيّر انطباعه عن اليمن ومشايخه.
سأله فرفور عن اسم ذلك الرجل، فأجابه الحمدي: «الشيخ أمين أبو راس.. اذهب إليه وبلغه سلامي».
ثالثًا: النفط الذي أثار السؤال.. حين تصبح الثروة قضية سيادة
في أثناء اللقاء، انتقل فرفور إلى موضوع آخر، مستحضرًا ما نشرته صحيفة «صوت عدن» عن توزيع ستين الف نسخة منها في السعودية، وكان عنوانها الرئيسي يتناول ظهور النفط في اليمن.
سأل فرفور الرئيس الحمدي: لماذا لا يحدثنا الرئيس بنفسه عن هذا الأمر؟
يروي فرفور أن الحمدي سكت قليلًا، وغرق في التفكير، حتى شعر ضيفه بأنه ربما أثقل عليه بالسؤال. ثم أمسك الحمدي بيده ووقف، وقال له ما معناه، وفقًا للرواية التي نقلها:
إن اليمن، في تقديره، يعوم على بحر من النفط، لكن استخراج هذه الثروة يواجه قرارًا سعوديًا يمنع ذلك.
ثم تحدث عن مدير شركة النفط الذي صرّح، بحسب روايته، بأن النفط موجود وأن العمل سيبدأ على استخراجه، وما أعقب ذلك من ضغوط انتهت بإدخال الرجل السجن.
وأضاف الحمدي، كما ينقل فرفور، أنه كان يزوره يوميًا في طريق عودته إلى منزله، ويقبّله معتذرًا إليه، ويقول له إنه وطني لا غبار عليه، لكنه اضطر إلى التعامل مع الأمر تحت ضغط ما أثاره الجيران.
وفي هذا السياق، ينسب فرفور إلى الحمدي عبارة مؤثرة في معناها، مفادها أن ذلك الرجل ضحّى من أجل أن يسلم الوطن.
كانت لحظةً ثقيلة في اللقاء، كما يصفها فرفور؛ فقد شعر بأن السؤال مسّ جرحًا عميقًا لدى الرئيس، وأن القضية لم تكن بالنسبة إليه مجرد خلاف على مورد اقتصادي، بل مسألة تتصل بحق اليمن في استثمار ثرواته، وبقدرة دولته على اتخاذ قرارها بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
ولأن هذه التفاصيل ترد في شهادة فرفور عن حديث خاص، فإنها تُنقل هنا بوصفها جزءًا من روايته للقاء، لا باعتبارها حكمًا تاريخيًا مستقلًا محسومًا على خلفيات الملف النفطي.
ويقول فرفور إن الحمدي، بعد أن تحركت فيه تلك الذكريات، طلب منه ألا يغادر، قائلًا له أن يجلس، بعدما أثار الحديث مواجعه. لكن فرفور استأذنه، واعدًا بلقاءات أخرى.
وقبل أن يغادر، أعاد الحمدي تذكيره بزيارة الشيخ أمين أبو راس.
خرج فرفور من اللقاء، وهو يستشعر حجم ما يواجهه الرئيس من ضغوط، وقال في نفسه، بحسب روايته: «كان الله في عون هذا الرجل العظيم والوطني الغيور، إنه يسير بين الأشواك. أرجو الله أن يحفظه».
رابعًا: إلى بيت أمين أبو راس.. من التحفظ إلى الثقة
بعد يومين، سأل فرفور مدير الصحافة سفيان البرطي عما إذا كان يعرف الشيخ أمين أبو راس. وحين أجابه بالإيجاب، طلب منه تحديد موعد لإجراء حوار معه حول «الحركة التصحيحية».
اتصل البرطي بالشيخ، وحدد لهما موعدًا بعد صلاة العصر في اليوم نفسه، فتوجها معًا إلى منزله.
وهنا تبدأ، في رواية فرفور، صفحة أخرى من تجربته اليمنية؛ صفحة انتقل فيها من الشعور بالاغتراب إلى الإحساس بأنه بين أهله.
يقول فرفور إنه وجد أمامه شخصية بسيطة ومتواضعة، جيدة الحديث، كريمة الضيافة، وعروبية الانتماء. جلسوا في شرفة البيت المتواضع، وبدأ سفيان البرطي يشرح للشيخ مقدار انزعاج فرفور مما تعرض له من بعض الإعلاميين الذين وصفوه بأنه أجنبي.
التفت الشيخ أمين إلى ضيفه وسأله: «من أين أنت يا عبد الرزاق؟»، فأجاب: «من سوريا».
عندها عدّل الشيخ جلسته، ورحّب به، وقال له، بحسب ما نقله فرفور: «أهلًا بك ومرحبًا، أنت في وطنك، ومن يضيق بك حتمًا ليس يمنيًا».
أخبره فرفور بأن الرئيس الحمدي قال له كلامًا قريبًا من ذلك، فرد الشيخ: «أنت التقيت الرئيس، وهذا يا بني قاضي وشريف، الله يحميه».
ثم مضى في حديثه، موجّهًا كلامه إلى ضيفه: «اسمع يا بني، هذا بيتك، وأنت من اليوم ولدي. أرجو أن تعتبر هذا البيت بيتك وأهلك. سوريا العربية جزء منا، وأنتم قمة في العروبة والأصالة العربية».
لم يكن الترحيب، في سياق هذه الشهادة، مجرد مجاملة لضيف عربي؛ بل كان تعبيرًا عن تصور للانتماء يتجاوز الحدود الجغرافية، ويجعل رابطة التضامن العربي أساسًا للعلاقة بين اليمنيين وإخوانهم العرب.
وكان الشيخ أمين حريصًا على أن يربط هذا الترحيب بذاكرة مشتركة من المواقف والتضحيات، مستحضرًا الدور الذي أداه الطيارون السوريون في الدفاع عن صنعاء خلال حصارها في أحداث حرب السبعين.
خامسًا: ذاكرة حرب السبعين.. حين تتقدم الأخوة العربية على الحدود
استعاد الشيخ أمين أبو راس، في حديثه مع فرفور، ما وصفه بالدور البطولي للطيارين السوريين الذين شاركوا في الدفاع عن صنعاء أثناء حصارها.
وقال، وفقًا لما رواه فرفور، إن الطيارين السوريين أسهموا في كسر الحصار، وإنهم أظهروا شجاعة في ظروف بالغة الخطورة، حتى إن بعضهم نزل من الطائرة وسار على أرض المطار في ظل القصف، بحثًا عن الطائرات التي سيستخدمونها في أداء مهمتهم.
وأضاف أن كل يمني شريف، في نظره، لا ينسى أولئك الطيارين الذين شاركوا في الدفاع عن الثورة والجمهورية.
ثم خاطب فرفور بقوله: «أنتم أولادنا، واليمن بلدكم. أنتم تؤمنون بوحدة الأمة، وأنا هنا أقاتل من أجل تحقيق الوحدة التي تنادون بها في سوريا».
تكشف هذه الكلمات عن البعد العربي الذي كان حاضرًا في رؤية الشيخ أمين، وعن نظرته إلى الدفاع عن صنعاء بوصفه جزءًا من معركة أوسع من حدود اليمن، تتصل بمصير الجمهورية وبالتضامن بين الشعوب العربية.
ومن المهم هنا أن تُقرأ هذه الشهادة في إطارها الصحيح: إنها ذاكرة رجل يستعيد موقفًا تاريخيًا ويعبّر عن امتنانه له، وتنقل إلينا كيف ظل ذلك الدور حاضرًا في وجدان بعض اليمنيين الذين عايشوا تلك المرحلة.
كما أنها تذكّر بأن العلاقات بين الشعوب لا تُختزل في مواقف الحكومات، وأن ما يتركه التضامن وقت الشدائد من أثر في الذاكرة العامة قد يبقى أعمق من تقلبات السياسة.
سادسًا: الحركة التصحيحية.. خلاف على النفوذ أم طريق إلى الدولة؟
لم يكتفِ عبدالرزاق فرفور بالحديث عن تجربته الشخصية، بل طرح على الشيخ أمين سؤالًا سياسيًا مباشرًا: ألا ترى أن الحمدي ذهب بعيدًا في حركته، حين أبعد المشايخ؟
جاء جواب الشيخ واضحًا في الرواية التي نقلها فرفور. فقد رأى أن المشكلة ليست في المشيخة ذاتها، بل في استلام بعض المشايخ الأموال باسم الشعب، وما يترتب على ذلك من إضعاف للدولة وإرباك لمسارها.
وأكد أن نجاح الحركة التصحيحية يتطلب، من وجهة نظره، الحد من نفوذ من يقفون عائقًا أمام قيام الدولة، لكنه لم يعتبر ذلك إعلان حرب على المشايخ جميعًا.
وقال إنه شيخ، وإنه يعرف أحوال المشايخ ومواقفهم، وإن كثيرين منهم وطنيون يحبون بلادهم. كما عبّر عن ثقته بأن الحمدي لن يجعل علاقته بهم علاقة خصومة دائمة، بل سيعيد جمعهم، بعد أن تستقر الأمور، في إطار وطني جامع، كمجلس شعب أو مجلس شورى، على أساس خدمة الوطن والمواطنين.
وفي هذا الحديث، يبرز الفرق بين استهداف المكانة الاجتماعية للمشيخ وبين إعادة تنظيم دوره داخل الدولة. فالحركة التصحيحية، كما فهمها الشيخ أمين وعبّر عنها في رواية فرفور، لم تكن تستهدف إلغاء المجتمع القبلي أو محو مكانة مشايخه، بل إخضاع النفوذ السياسي والمالي لقواعد الدولة، بحيث لا يصبح أي موقع اجتماعي أو قبلي بديلًا عن المؤسسات الجمهورية.
وكان الشيخ أمين حريصًا على توضيح هذه النقطة لضيفه، مستشهدًا بتجربته الشخصية وبما عرفه من أحوال اليمنيين في ظل الحكم الإمامي. فقد رأى أن ما عاناه الناس من الفقر والظلم في عهد الأئمة لا يمكن مقارنته بما يُفترض أن توفره الجمهورية من عدالة وكرامة ومواطنة.
وبذلك لم يكن دعمه للحركة التصحيحية، كما تنقله هذه الشهادة، موقفًا من شخص الحمدي وحده، بل انحيازًا إلى مشروع رأى فيه فرصة لتثبيت الجمهورية وبناء دولة أكثر قدرة على حماية مواطنيها واستقلال قرارها.
سابعًا: الحمدي وأمين أبو راس.. تقاطع الإرادة الوطنية
سأل فرفور الشيخ أمين عن نظرته إلى الحركة التصحيحية، فجاء جوابه محملًا بالثقة بالرئيس إبراهيم الحمدي وبالمشروع الذي يقوده.
قال إنه سعيد بهذه الحركة، وإنه يثق بقائدها، الذي وصفه بالأمين والصادق، مؤكدًا أن ما يجمعهما هو الإيمان بعروبة اليمن ووحدة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
وفي أثناء الحديث، أشار سفيان البرطي إلى أن فرفور مناضل ناصري وخريج جامعة الأزهر. فوجد الشيخ في ذلك مدخلًا لتأكيد ما يراه من تقارب في الرؤية بين أبناء التيار القومي العربي، على اختلاف بلدانهم وتجاربهم.
ثم استحضر تجربة الوحدة بين مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة، مشيرًا إلى أن الإمام محمد البدر، حين أراد البحث عن مخرج يحفظ له موقعه، اتجه نحو الانضمام إليها، وفق ما أورده فرفور عن كلام الشيخ. وكان المقصود من الاستشهاد، في سياق الحديث، تأكيد ما يراه الشيخ من رسوخ النزعة الوحدوية والعروبية لدى قطاع من اليمنيين، ومن حضور التجربة الناصرية في وجدانهم السياسي.
لقد جمع الحديث بين ثلاثة رجال ينتمون إلى مواقع وتجارب مختلفة: رئيس جمهورية يسعى إلى إعادة بناء الدولة، وشيخ قبلي كبير يعلن انحيازه إلى الحركة التصحيحية، وإعلامي عربي جاء إلى اليمن للعمل الصحفي، فإذا به يجد نفسه في قلب نقاش يتجاوز الصحافة إلى أسئلة السيادة والجمهورية والوحدة العربية.
ومن خلال هذه اللقاءات، كما يرويها فرفور، تتضح صورة من صور التلاقي بين مشروع الدولة الوطنية وفكرة التضامن العربي؛ تلاقٍ لم يكن خاليًا من التحديات والتناقضات، لكنه عبّر عن إرادة ترى أن استقلال اليمن لا يتعارض مع علاقاته العربية، بل ينبغي أن يكون الأساس الذي تُبنى عليه تلك العلاقات.
ثامنًا: الجوار بين الشراكة والوصاية
لعل أبرز ما تمنحه هذه الشهادة من دلالات هو أنها تفتح نافذة على التحدي الذي واجهته الدولة اليمنية في تلك المرحلة: كيف يمكن لدولة ناشئة أن تبني مؤسساتها، وتضبط علاقاتها الداخلية، وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها أمام تأثيرات الجوار؟
فالعلاقة بين الدول المتجاورة لا ينبغي أن تقوم على التدخل في شؤون بعضها، أو توظيف الانقسامات الداخلية، أو تحويل المساعدات إلى أدوات نفوذ. والأصل أن تكون علاقة تعاون واحترام متبادل، تقوم على دعم استقرار الدولة ومؤسساتها، لا على إضعافها أو تجاوزها.
ولا تعني هذه القراءة أن كل خلاف بين اليمن وجيرانه كان بالضرورة مؤامرة، أو أن كل موقف داخلي مخالف للحمدي كان يتحرك بتوجيه خارجي. فالمشهد اليمني كان أكثر تعقيدًا من ذلك، وكانت فيه مصالح ومواقف وحساسيات داخلية متباينة.
لكن رواية فرفور تكشف كيف كان بعض رجال تلك المرحلة ينظرون إلى العلاقة بين النفوذ الخارجي ومراكز القوة الداخلية، وكيف رأوا أن بناء الدولة يتطلب إنهاء التبعية المالية والسياسية للأفراد، وتوجيه الدعم الخارجي إلى مؤسسات الدولة ومشروعاتها الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي طرحه الحمدي، بحسب الشهادة، لا يزال يتجاوز زمانه: هل تكون العلاقة مع الجار علاقة شراكة بين دولتين مستقلتين، أم علاقة نفوذ تجعل قرار إحداهما رهينًا بحسابات الأخرى؟
إن الجوار قدر جغرافي، لكنه ليس تفويضًا بالوصاية. والروابط التاريخية والاجتماعية والدينية لا تبرر الانتقاص من سيادة الدول، بل ينبغي أن تكون أساسًا للتعاون، وحفظ المصالح المشتركة، وصيانة كرامة الشعوب.
تاسعًا: ذكرى تتجدد.. الحمدي وأبو راس في سجل الذاكرة الوطنية
تكتسب هذه الشهادة دلالة إضافية اليوم، 11 أكتوبر 2026، الذي تصادف فيه الذكرى التاسعة والأربعون لاستشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي؛ ذلك أن الرجل الذي استعاد الإعلامي السوري عبدالرزاق فرفور لقاءه به، وما دار بينهما من حديث عن الحركة التصحيحية واستقلال القرار اليمني وبناء الدولة، رحل قبل أن تكتمل تجربته السياسية، تاركًا أسئلة مفتوحة عن مشروع الدولة الذي سعى إلى ترسيخه والتحديات التي واجهته.
أما الشيخ أمين أبو راس، الذي وجّه الحمدي ضيفه السوري إلى لقائه، ورأى فيه نموذجًا للشيخ الوطني المؤمن بالجمهورية والتضامن العربي، فقد استشهد في 13 مايو 1978، بعد الحمدي بنحو سبعة أشهر.
وهكذا جمع الرجلين، إلى جانب تقاطع رؤيتيهما في تلك المرحلة، مصيرٌ متقارب في زمن مضطرب، وإن اختلف تاريخ استشهادهما وظروفه. فقد رحل الحمدي في 11 أكتوبر 1977، ولحق به أبو راس في 13 مايو 1978، لتظل شهادتهما السياسية، ومواقفهما كما نقلتها هذه الرواية، جزءًا من ذاكرة مرحلة مفصلية في تاريخ اليمن الجمهوري.
وبين ذكرى استشهاد الحمدي اليوم، والذكرى التاسعة والأربعين المقبلة لاستشهاد أبو راس في 13 مايو 2027، تستعيد هذه الشهادة معناها الأبعد: أن بناء الدولة واستقلال قرارها ليسا مجرد شعارين، بل مشروعان يتطلبان إرادة وطنية، ومؤسسات راسخة، وعلاقات متوازنة مع الجوار، وتضامنًا عربيًا يحترم سيادة الدول ولا ينتقص منها.
إن استعادة هذه الوقائع ليست استدعاءً للماضي من أجل اجتراره، بل محاولة لفهم أسئلته التي لم تفقد راهنيتها؛ فالأوطان لا تستعيد عافيتها بتمجيد الرجال وحده، وإنما باستلهام ما يستحق البقاء من تجاربهم، وترسيخ دولة المواطنة والمؤسسات، وصيانة استقلال القرار الوطني، حتى لا تظل الأجيال تدفع أثمان تعثر المشروع الذي ضحّى من أجله رجالها.
خاتمة: شهادة في زمن بناء الدولة
هذه الشهادة، كما نقلها إليّ الإعلامي السوري عبدالرزاق فرفور، ليست مجرد استعادة للقاءين جمعاه بالرئيس إبراهيم الحمدي والشيخ أمين أبو راس؛ إنها نافذة على مرحلة كان فيها اليمن يبحث عن معادلة صعبة: بناء دولة جمهورية مستقلة، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات ومراكز النفوذ، والحفاظ على الروابط العربية من دون أن تتحول إلى مدخل للتأثير في القرار الوطني.
وفي اللقاء الأول، ظهر الحمدي، في رواية فرفور، رئيسًا يحمل همّ مشروعه، ويواجه ضغوطًا لا تنحصر في خصوم الداخل، بل تمتد إلى ما كان يراه من تأثيرات الجوار في خيارات اليمن الاقتصادية والسياسية.
وفي اللقاء الثاني، ظهر الشيخ أمين أبو راس رجلًا قبليًا كبيرًا، لم يرَ في الحركة التصحيحية خصومة مع المشيخة من حيث هي مكانة اجتماعية، بل فرصة لإقامة دولة يشارك الجميع في بنائها، شريطة أن يكون الولاء للوطن ومؤسساته، لا للمصالح الخاصة ومصادر النفوذ الخارجي.
أما فرفور، فقد بدأ تجربته شاعرًا بالضيق من حملات إعلامية دفعته إلى التفكير في الرحيل، ثم وجد في الرجلين ما أعاد إليه الثقة بقدرته على مواصلة العمل، وبأن اليمن ليس صورة واحدة، ولا يجوز الحكم على شعبه من خلال مواقف بعض أفراده.
وتبقى قيمة هذه الشهادة في أنها تنقل إلينا، بأمانة الراوي، كيف فهم ثلاثة رجال من مواقع مختلفة معنى الوطن، وما الذي جمعهم من إيمان بالجمهورية، واستقلال القرار، والتضامن العربي.
وإذا كانت السنوات قد طوت تلك المرحلة بما حملته من آمال وإخفاقات، فإن سؤالها المركزي لا يزال قائمًا: كيف يستعيد اليمن دولته، ويحمي قراره، ويقيم مع جيرانه علاقات شراكة واحترام متبادل، من دون وصاية أو تبعية؟
ذلك هو الدرس الأبعد من هذه الذكريات؛ فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تستقر بإقصاء المجتمع، وإنما بمؤسسات قوية، ومواطنة متساوية، وقرار وطني مستقل، وعلاقات خارجية تحفظ لليمن مكانته وكرامته، وتتيح له أن يكون شريكًا لا تابعًا، وجارًا لا ساحةً لصراعات الآخرين.
...
تنويه توثيقي: أوردتُ هذه المادة نقلًا أمينًا عن رواية الإعلامي السوري عبدالرزاق فرفور، مع تحريرها لغويًا وأدبيًا وتنظيم محاورها. وما ورد فيها من أقوال ومواقف تاريخية منسوب إلى أصحابها كما رواها فرفور، ولا يُقصد بهذا النشر تقديم كل تفاصيلها بوصفها وقائع موثقة من مصادر مستقلة.



