الإثنين 12 أكتوبر 2026

سنوات الحمدي وذاكرة اليمنيين

وصل إبراهيم الحمدي إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1974، أوقف العمل بدستور 1970 وحل مجلس الشورى، ثم أدار البلاد مع مجلس عسكري. أراد إبعاد المشايخ ومراكز النفوذ عن الجيش والإدارة. فانكمش القرار بعد ذلك حول الرئيس نفسه، ولم يجد الناس طريقاً واسعاً إلى السياسة.

الحمدي خلال الاحتفال بيوم المعلم 1976 (عبدالرحمن الغابري)
الحمدي
أخرج منافسين ومشايخ من مواقعهم، فقاومته قيادات قبلية وعسكرية خسرت امتيازات اعتادت عليها. لم تنشأ حوله حركة شعبية لها جذور مستقلة، وبقي التأييد في دوائر قريبة من الحكم. كان إبعاد الخصم أسهل من تحديد موقعه بعد الإبعاد، ولم يقدم الحكم جواباً عملياً عن ذلك.
ارتبطت الحركة التصحيحية ومبادرات التنمية المحلية برغبته في تغيير إدارة البلاد. وانطلقت الأعمال بقرار من الرئيس، واستندت إلى مساندة الجيش. لم تنشأ هيئة مستقلة تتولى متابعة المشروعات أو حمايتها حين تتبدل القيادة. وحين غاب الرجل، لم يكن في أجهزة الدولة ما يضمن استمرارها.
طالب الحمدي بأن يخضع أصحاب النفوذ للقانون. لكنه لم يضع للرئاسة حدوداً واضحة، ولم ينشئ جهة تراجع قراراته. سهّل تركيز القرار التدخل في أجهزة الدولة ومواجهة شبكات المصالح، ووصلت الأوامر سريعاً. بقي استمرار العمل مرتبطاً بقرب أصحابه من الرئيس، ولم تستقر طريقة للحكم تواصل السير بعده.
حكم وسط قيادات قبلية وعسكرية راكمت مواقعها على مدى سنوات، وارتبطت بها مصالح محلية وحسابات إقليمية. عطلت هذه القوى بعض قراراته وضيّقت هامش حركته. يفسر ذلك جانباً من الصدام، ولا يختصره. اختار الحمدي أيضاً إبقاء المجال السياسي ضيقاً. وبقي الوصول إلى القرار محصوراً في دائرة قريبة منه.
في 11 أكتوبر 1977 اغتيل الحمدي قبل أن يتضح المسار الذي كان حكمه سيسلكه. وتناقلت الأجيال روايات لم تنه الأسئلة المحيطة به. اكتسبت الحادثة حياة أطول من كثير من الوقائع التي سبقتها.
يعود اسم ابراهيم الحمدي إلى الأحاديث اليومية، ويستعيده الناس مع صورة إدارة أكثر انضباطاً، ومشروعات تنمية، ومحاولات لكبح نفوذ أصحاب القوة. جاءت عهود لاحقة بأداء أضعف، فكبرت في الذاكرة قيمة سنواته القليلة. لا تمحو هذه المقارنة اختلاف ظروف المرحلتين.
اتخذ الحمدي خطوات في الإدارة والتنمية، ولم يترك وراءه مؤسسات سياسية تتابع عمله أو توسع المشاركة في القرار. ولا نعرف كيف كان سيتصرف لو طال حكمه، أو إن كانت إدارته ستتغير مع الوقت. انتهت سنواته قبل أن يتضح ذلك.
بعد عقود، ما زالت دوائر الدولة تتبدل مع تغير الحكام وموازين القوى. تعطل كثير مما بدأه الحمدي بعد رحيله، وبقيت صورته تكبر في أحاديث الناس كلما ساءت أحوال البلاد. لا تكشف تلك الصورة ما كان سيفعله لو امتد حكمه، لكنها تقول شيئاً عن خيبة الناس ممن جاؤوا بعده.