اليمن غير السعيد في الذكرى التاسعة والأربعين لاغتيال الحمدي
في مثل هذا اليوم، الحادي عشر من أكتوبر ١٩٧٧، أقدمت قوى الردة على اغتيال الرجل الذي وحّد اليمنيين خلف قيادته ليبحر بهم إلى نظام تتطابق فيه «الجملة الثورية»! مع التنفيذ الواعي لمضمونها. لم يكن الحمدي منظّرًا ثوريًا، ولم يدّعِ الانتساب إلى ثورة سبتمبر وثوارها، ولم يطلب من مركز الدراسات احتسابه واحدًا من منفذيها، ولكنه كان الأكثر إيمانًا بمبادئها، والأكثر وعيًا بالفجوة الواسعة بين ما قامت ثورة سبتمبر لتحقيقه وبين الواقع الذي لم يتغير إلا سطحه، والتفات كثير من عناصر الثورة لمصالحها الفردية والأسرية أكثر من التزامها بتطبيق مبادئ الثورة التي تحولت إلى شعارات مناسباتية، عوضًا عن تحقيق المصالح العامة، ومنها العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية والمحاسبة والشفافية ومحاربة الفساد، وبناء دولة النظام والقانون، وحكم القانون على جميع المواطنين بدون تمييز.

اغتيل الحمدي بعد الفشل الذريع في اغتيال الثورة، في الرهان الرجعي الأخير على وأدها في حرب السبعين يومًا، فبراير ١٩٦٧ – يناير ١٩٦٨، التي وُظّفت لتنفيذها قوى محلية ومرتزقة من شتى الجنسيات.
الحمدي كان يريد عودة الروح إلى ثورة سبتمبر، ولكن حيل بينه وبين تحقيق حلمه وحلم الناس الذين ظلوا مغلوبين على أمرهم، تنهشهم قوى باطشة في السلطة وخارجها. لم أندهش عندما سمعت في منطقة الفازة القريبة من مدينة الخوخة عام ١٩٨٨، من رد مواطن من مواطني المنطقة البائسين جميعًا، بدون استثناء، بأن الثورة لم تصل إليهم، وهو نفس ما ذكرته الباحثة والكاتبة النمساوية القديرة ماريك برانت في كتابها المرجعي «القبائل والسياسة في اليمن: تاريخ الصراع مع الحوثيين»، حيث ذكرت أن من أسباب حروب صعدة، كما سمعتها من أهلها، أن الثورة توقفت عند حدود حرف سفيان ولم تصل إليهم.
كان الظلم والمظالم بعد الثورة أكثر تنوعًا مما كانت عليه قبلها، بشهادة شخصين قديرين كبيرين في السن، أقدّر موضوعيتهما ونزاهة رأيهما، وهما القاضي محمد الحمدي، شقيق الشهيد، الذي لم أستأذنه في الاقتباس منه، والشيخ محمد قاسم بحيبح، الذي انتقل إلى رحمة الله قبل أشهر قليلة.
منذ اغتيال الحمدي، لم ترَ اليمن خيرًا، وحتى بعد الوحدة أيضًا، التي كان تحقيقها من طموحات الحمدي الوطنية الفعلية، وليس المصلحية. عاش الحمدي حياة متواضعة، وكانت ملابسه الصيفية تصله من متجر عمر أفندي بالقاهرة، وليس من إيطاليا، وكان يشتريها له صديق الأسرة، السفير الراحل حسن السحولي، الذي توفي في يناير ٢٠٢٤، وهو يتحسر على الثورة التي أضاعها أصحابها، وعلى نضاله وسجنه لسبع سنوات في حجة، الذي وُلد فأرًا وليس جملًا.
قال السحولي إن غرفة نوم الحمدي المتواضعة اشتراها هو من حي دار السلام الشعبي بالقاهرة، الذي يُسمّى، لازدحامه، بالصين الشعبية. كان الحمدي، وبعد أن أصبح الرئيس، يسمّي السحولي «عم حسن»، ولم يتعالَ عليه. وطبقًا له، فإنه عندما تفاقم الخلاف بين الحمدي والسعودية، استعان الحمدي بالرئيس السادات للتوسط لحل الخلاف معها، ولكن السادات فشل؛ لأن السعوديين قالوا له إنه أكثر خطرًا من عبد الناصر عليهم، وكان رد السادات، كما سمعه السحولي منه، أنهم كالبدو لا ينسون أحقادهم.
قال لي السحولي أيضًا إنه نقل إلى الحمدي، وهو سفير بالقاهرة، استياء الناس من استقباله للأمير سلطان في المطار، وهو الرجل الثالث في سلّم السلطة، ومن المبالغة في الترحيب به وكأنه الملك، وأن رد الحمدي كان: «من أجل اليمن، أنا كنت مستعدًا لأن أحمله فوق ظهري».
الشعوب دائمًا وفية، وأفضل بكثير من نخبها، ومن وهب حياته لوطنه لم ينسه شعبه، كما هو حال جمال عبد الناصر في مصر. أثناء ثورة الشباب السلمية عام ٢٠١١، التي اغتالتها نفس القوى الداخلية والخارجية التي اغتالت الحمدي، أحيت الثورة ذكراه، ورفع الشباب صوره مع صور النعمان وعبد الفتاح إسماعيل وبطل حرب السبعين عبد الرقيب عبد الوهاب وجار الله عمر والسلال وعيسى محمد سيف وغيرهم، وعلّق الشباب في خيامهم وثيقة تحويل ملايين الدولارات باسمه، كان قادرًا، كما فعل غيره، أن يضعها في جيبه، ولكنه أرسلها إلى الهادي، أمين صندوق القوات المسلحة، ليوردها في الخزينة العامة.
ألهمتني محبة الشباب لزعيمهم، الذي افتقدوه وافتقدوا نموذجه من بعده، في كتابة مقال بعنوان «الحمدي نسيناه لثلاثة وثلاثين سنة ثم تذكرته الثورة»، نشره في جريدة الوسط رئيس تحريرها الشهيد جمال عامر.
من أين لنا حمدي آخر في الزمن الذي عدنا فيه إلى ما وراء الوراء، وتتسيد مشهده قوى وعناصر تفكر بملء جيوبها على حساب مصالح وطنها، ومنها من خان قناعاته ومبادئه، وأخرى أكثر سلفية من أسرة حميد الدين؟
اليمن الواحد اليوم في خطر أكثر مما كان عليه بعد ثورة سبتمبر وأثناء حرب السبعين يومًا. مشروع تمزيق اليمن قائم على قدم وساق، ولكن الصمت والتواطؤ يحولان دون مصارحة الناس بهذه الحقيقة المرة؛ لأن البعض باع. باع. عدو الثورتين بالأمس هو عدو الوحدة اليوم، ونلوذ بالصمت.
أختم بعبارة لصديق عزيز ستظل حقيقة إلى الوقت الذي نكون صادقين فيه مع أنفسنا، وهي أن «اليمن لا يمكن أن يكون سعيدًا وسعوديًا في نفس الوقت».



