سوريا... الشاهد على فشل "الردع المتكامل" و"النفير"!
في السياسة، لا تُقاس الحروب بعدد البيانات العسكرية ولا بحجم المؤتمرات الصحفية، بل بالنتائج. والنتيجة الأوضح بعد أكثر من أحد عشر عاماً على عاصفة الحزم هي أن مليشـ..يا الحوثي ما زالت موجوده، وما زالت تقاتل، وما زالت تفرض نفسها رقماً أساسياً في أي معادلة تخص اليمن والمنطقة.
عندما بدأت عاصفة الحزم، كان الشعار المعلن استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب وإزالة الخطر الحوثي لكن ما الذي حدث فعلياً؟
الدولة لم تُستعد ،واليمن لم يخرج موحداً بل شهد سنوات من الانقسامات والتجاذبات والصراعات بين القوى المحسوبة على المعسكر نفسه،وتحولت المعركة تدريجياً من مشروع استعادة دولة إلى ساحة مفتوحة للأجندات المتضاربة والنفوذ المتعدد والمراكز المتنافسة.
لقد أُنفقت مليارات الدولارات، وسالت دماء لا تُحصى، ودُمرت مدن وقرى واقتصاد كامل، لكن الحصيلة النهائية بقيت صادمه ان الحوثي ما زال قائماً، بل أكثر حضوراً في المعادلة مما كان عليه يوم انطلاق الحرب.
أما الشرعيه فتجلت في الخطاب السياسي الذي ظلت تبيع للناس أوهام الحسم كلما ابتعد الحسم أكثر، ففي 12 أغسطس 2026 خرج رشاد العليمي من فندقه في الرياض متحدثاً عن "الردع المتكامل"، مؤكداً أن الحوثيين لن يكونوا قادرين على مواصلة التصعيد دون ثمن باهظ،لكن "الردع المتكامل" لم يعش سياسياً سوى أسابيع قليلة حتى انتقل الخطاب فجأة بعدها إلى "التعبئة العامة" و"النفير الوطني"!
ثم جاءت الصدمة الأكبر.
ففي أكتوبر 2026 بدأت التقارير تتحدث عن نقاشات تتعلق بدعم أو مشاركة سورية في مواجهة مليشيا الحوثي، بما في ذلك خيارات دعم عسكري أو دفاعي للمملكة.
وهنا يتحول المشهد من مأساة سياسية إلى مفارقة تاريخية.
فبعد أكثر من عقد من الحرب وبعد تحالف يضم دولاً وإمكانات عسكرية واقتصادية هائلة وبعد آلاف الضربات والعمليات والتصريحات،
تصل الأمور إلى مرحلة الحديث عن الحاجة إلى سوريا ! دولة خرجت للتو من واحدة من أكثر الحروب تدميراً في العصر الحديث.
أي اعتراف بالفشل أوضح من ذلك؟
فالطرف المنتصر لا يبحث كل عام عن وصفة جديدة للانتصار و لا ينتقل من "الردع المتكامل" إلى "النفير العام" ثم إلى البحث عن منقذ من الخارج!
هذا ليس سلوك قوة واثقة من مشروعها، بل سلوك قيادة ما زالت تبحث عن مخرج من مأزق لم تستطع حله طوال سنوات.
إن فكرة إدخال سوريا في الحرب، بحد ذاتها كارثيه فسوريا التي تحاول إعادة بناء دولتها واقتصادها ومؤسساتها بعد سنوات من الدمار يجري طرحها اليوم كرافعة لحرب عجزت قوى أكبر وأغنى وأقوى عن حسمها طوال أحد عشر عاماً.
والأخطر من ذلك أن دخول دمشق في هذا المستنقع لن يعني إنهاء الحرب، بل توسيعها،لن يعني تقليص الأزمة، بل إضافة طبقة جديدة من التعقيد فوق تعقيد قائم أصلاً.



