صرخة إنسانية من تعز: لإيقاف العبث ونزع فتيل الكارثة
تُجسد محافظة تعز الروح النابضة للحياة والثقافة في اليمن، فهي المدينة التي عُرفت عبر التاريخ بتنوعها الفكري، وحيويتها الاقتصادية، وكثافتها السكانية الهائلة التي تتوزع بين الحضر والريف.
غير أن هذا العمق البشري والحضاري بات اليوم عرضة لتهديد وجودي غير مسبوق؛ جراء الصراع الدائر الذي لم يستثنِ حجراً ولا بشراً.
ومن قلب المعاناة، يرتفع هذا النداء الوطني والإنساني الموجه إلى كافة أطراف الصراع، ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والتاريخية، وليدق ناقوس الخطر قبل أن تتحول المدينة وما حولها إلى رماد.
وتتميز محافظة تعز بارتفاع كثافتها السكانية مقارنة بالعديد من المحافظات اليمنية الأخرى، حيث تتداخل التجمعات الحضرية المكتظة بالسكان في مركز المدينة مع القرى والمديريات الريفية المترامية الأطراف. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري أو مواجهات مسلحة في هذه البيئة المكتظة لا يمثل مجرد معركة عسكرية تقليدية، بل هو كارثة إنسانية محققة تستهدف المدنيين في منازلهم وأسواقهم ومزارعهم. كما إن طبيعة تعز الجغرافية والديموغرافية تجعل من أية مواجهات واسعة النطاق مجزرة مفتوحة بحق المدنيين العزل الذين لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل، سوى تمسكهم بالحياة والبقاء على أرضهم.
وفي ظل الصراع القائم، تعيش مدينة تعز تحت وطأة حصار مطبق وتُفرض قيود صارمة على حركة الدخول والخروج، ويُمنع تدفق أبسط مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء ومستلزمات طبية، فضلاً عن تقييد حركة السفر والتنقل للمواطنين. وبالتأكيد فإن هذا الحصار قد يؤدي إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية والصحية، وتفشي الأمراض، وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة المواطن البسيط، مما يستدعي تحركاً عاجلاً لإنهاء هذه المأساة.
وحين يتمعن العقل المنصف في جذور هذا الصراع وأسبابه، يتكشف بوضوح تام أنه لا يوجد أي مبرر موضوعي أو مصلحة وطنية حقيقية لاستمرار سفك الدماء في تعز وسائر أرجاء اليمن، وإن ما يدور اليوم هو في جوهره حرب بالوكالة تدير رحاها قوى إقليمية ودولية لتحقيق مصالحها الخاصة، مستخدمة الأراضي اليمنية مسرحاً لصرعاتها وأجنداتها على حساب دماء الشعب اليمني ومعاناته اليومية.
إن الوضع الراهن يحتاج إلى صحوة الضمير لدى أطراف الصراع، فقد بات لزاماً على كافة الأطراف المحلية إدراك أنهم تحولوا إلى أدوات في مشروع تدميري لا يخدم سوى أعداء الوطن، وهو ما يتطلب شجاعة أدبية للتحرر من هذه التبعية ووقف هذا العبث فوراً. وتُظهر تجارب التاريخ المعاصر، وتجربة الصراع الحالي في اليمن تحديداً، أن خيار "الغلبة العسكرية" أو محاولة فرض الأمر الواقع بالقوة هو خيار واهم ومدمِر قطعا. وإن منطق السلاح والقوة لا يولد إلا مزيداً من الحقد والضغائن، ويقود تدريجياً إلى تمزيق النسيج الاجتماعي والروابط الوطنية المتينة التي جمعت أبناء المجتمع اليمني لقرونٍ طويلة. وأنه في حروب الأهل والوطن، لا يوجد غالب أو مغلوب، فالجميع خاسرون؛ والدم اليمني الذي يُسفك هو دم واحد، وكل جدار يتم هدمه هو جزء من جدار البيت اليمني الكبير.
وفي ضوء ما سبق، فإن تعز، التي طالما كانت منارة للعلم والسلام والتعايش، تطلق اليوم هذا النداء الإنساني من أجل:
- وقف طبول الحرب، من خلال الوقف الفوري والدائم لكافة العمليات العسكرية وتهدئة الجبهات.
- فتح المعابر والطرقات ورفع الحصار عن مدينة تعز، لتخفيف معاناة السكان وضمان حرية الحركة وتدفق الغذاء والدواء.
- الجنوح للحوار الشامل والعودة إلى طاولة الحوار السياسي اليمني - اليمني بروح المسؤولية الوطنية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية، لصياغة مستقبل عادل وآمن لجميع أبناء الوطن.
وإجمالًا، فإن السلام ليس ضعفاً، بل هو من شيم الأبطال وشجاعة الرجال، وإن حقن دماء الأبرياء ورفع المعاناة عن كاهل المدنيين هو الاختبار الحقيقي لكل الضمائر الحية في هذا الوطن.



