نافي بيلاي ونوبل للسلام: حين تنتصر العدالة

لجنة جائزة نوبل تمنح الجائزة للقاضية بيلاي الجنوب إفريقية، وتشيد بدورها في ترسيخ القانون الدولي ومكافحة الإفلات من العقاب، مؤكدة أن العدالة ركيزة أساسية لتحقيق السلام.
لم يكن اختيار الحقوقية والقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي لنيل جائزة نوبل للسلام تتويجًا لموقف سياسي عابر لها، بل كان تتويجًا لمسيرة نضال امتدت عقودًا في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية. فقد عُرفت منذ عهد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بدفاعها عن ضحايا التمييز، ثم شغلت مناصب قضائية وحقوقية رفيعة، من بينها قاضية في المحاكم الدولية، ومفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وأسهمت في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية في رواندا ويوغوسلافيا السابقة.
وفي السنوات الأخيرة ترأست لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد خلصت في تقريرها إلى أن هناك أدلة على ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في غزة، داعية إلى المساءلة الدولية وعدم إفلات المسؤولين من العقاب.
أثار منح الجائزة لنافي بيلاي موجة غضب من جهتين مختلفتين، لكن بدوافع متباينة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يخفِ حنقه العام الماضي عندما تجاوزته جائزة نوبل للسلام ومُنحت للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، وهو الشعور ذاته الذي عاد هذا العام، ولكن بحدة وغضب أكبر، بعد أن ذهبت الجائزة إلى الحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي.
وبينما اكتفى العام الماضي بإبداء امتعاضه من تجاهل اسمه، جاءت ردود فعله هذا العام أكثر حدة، إذ هاجم لجنة نوبل والفائزة نفسها، مكررًا قناعته بأنه الأجدر بالجائزة، واعتبر أن لجنة نوبل تجاهلت، من وجهة نظره، ما حققه من إنجازات دبلوماسية عظيمة، على حد قوله، وهاجم اللجنة واصفًا قرارها بأنه "وصمة عار" في تاريخ النرويج، وشكّك في اختيار بيلاي، وقلّل من مكانتها.
أما إسرائيل، فلم يكن اعتراضها نابعًا من منافسة على الجائزة، بل من شخصية الفائزة نفسها. فالحكومة الإسرائيلية ترفض بصورة قاطعة نتائج لجنة التحقيق التي ترأستها بيلاي بشأن غزة، وتتهمها بالتحيز ومعاداة إسرائيل، بل يذهب بعض المسؤولين وأنصارهم إلى وصف مواقفها بأنها معاداة للسامية. بينما تؤكد بيلاي وأنصارها أن ما توصلت إليه يستند إلى تحقيقات وأدلة قانونية، وأن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو توثيق الانتهاكات المزعومة لا يساوي معاداة اليهود أو معاداة السامية، وإنما يندرج ضمن تطبيق مبادئ القانون الدولي على جميع الأطراف دون استثناء.
هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على لجنة نوبل للسلام لم يكن مجرد اعتراض على نتيجة لم تعجبه، بل كشف مرة أخرى عن طبيعة العلاقة المعقدة بين السياسيين والجوائز الدولية. فقد اعتبر ترامب أن حرمانه من جائزة نوبل للسلام يمثل "وصمة عار" في تاريخ النرويج، واتهم اللجنة بتسييس الجائزة وفقدانها المصداقية، مستعرضًا ما يراه إنجازاته في منع النزاعات الدولية وإيقاف سبع حروب، على حد قوله، والتوسط بين الخصوم وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، وهذا بحد ذاته يعتبره إنجازًا عظيمًا.
في المقابل، مضت لجنة نوبل في قرارها دون اكتراث بالضغوط أو ردود الفعل، مؤكدة عمليًا استقلاليتها في اختيار من تراه جديرًا بالجائزة. فجائزة نوبل للسلام، مثل أية جائزة دولية، ليست بمنأى عن الجدل، إلا أن استقلالية لجنة الاختيار تظل أحد أهم عناصر قوة الجائزة؛ إذ لا يفترض أن تخضع لرغبات الدول الكبرى أو لضغوط الشخصيات النافذة، وإلا فقدت قيمتها، وإنما تُمنح وفق معايير تضعها اللجنة، سواء اتفق معها العالم أم اختلف.
يمثل منح جائزة نوبل للسلام لنافي بيلاي انتصارًا معنويًا للرواية الحقوقية الفلسطينية، لأن اسمها ارتبط على مدى السنوات الأخيرة بالدفاع عن مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، وبمواقفها الداعية إلى التحقيق في الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في غزة ومحاسبة المسؤولين عنها. وتُعد الجائزة دعمًا لمسار العدالة الدولية، كما تعزز مكانة المؤسسات والآليات القانونية الدولية التي تسعى إلى التحقيق في جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وهو ما يمنح الجهود القانونية المتعلقة بالقضية الفلسطينية زخمًا سياسيًا وأخلاقيًا أكبر، حتى وإن كانت الجائزة لا تغيّر بمفردها موازين القوى على الأرض.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لأي قائد أو زعيم أو شخصية لا تحددها ميدالية أو شهادة تقدير، بل ما يتركه من أثر في حياة الشعوب، ومدى إسهامه الفعلي في خفض النزاعات وبناء سلام مستدام. أما الجوائز، فتبقى مجرد اعتراف رمزي، لا تصنع التاريخ؛ بقدر ما يحكم التاريخ على مستحقيها.



