الإثنين 12 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • أنصـ..ار الله: جماعة اللاهوت السياسي في زمن الجمهورية

أنصـ..ار الله: جماعة اللاهوت السياسي في زمن الجمهورية

لماذا تقاوم تعز الحركة الحـ..وثية؟

قبل الدخول في صلب التحليل، لا بد من توضيح منهجي: هذا المقال يستخدم اسم "أنصار الله" ليس اعترافًا باستحقاق الجماعة له، بل لأن فكرة المقال نفسه «تحليل العلاقة بين التسمية واللاهوت السياسي» تقتضي الوقوف على الاسم الذي اختارته الجماعة لنفسها، وقراءته كنص عقائدي قبل أن يكون عنوانًا تنظيميًا، فالاسم هنا موضوع نقدي، لا وصف استحقاقي.

في هذا الصراع المسلح والمتصاعد، لا تقف الحركة الحوثية أمامنا كحركة سياسية بالمعنى المألوف، ولا هي حزب ينافس على السلطة في إطار دولة قائمة، بل شيء أعمق وأخطر: جماعة لاهوت سياسي أعادت إنتاج السؤال القديم -الجديد حول مصدر السلطة في اليمن، وقدمت إجابة تتناقض جذريًا مع كل ما قامت عليه الجمهورية اليمنية منذ ستينيات القرن الماضي.

ويكفي أن نبدأ من الاسم نفسه: "أنصار الله"، فالتسمية ليست عنوانًا تنظيميًا وسياسيًا، بل هي بيان عقائدي مكتمل، فكلمة "أنصار" تستدعي في الوعي الإسلامي فورًا فكرة "النصرة" لله ولأوليائه، وهي نصرة لا تُفهم كعمل سياسي تطوعي، بل كواجب إيماني مقدس. ومن ينتصر لله، بالضرورة، يقف في مواجهة من يعاديه. وهنا يبدأ التأسيس اللاهوتي لسلطة الحركة والولاء والطاعة تجاه زعيمها. فالاسم إذن ليس اسمًا، بل إعلان عقائدي مضاد: هوية تضع الجماعة في موقع "الحزب الإلهي" الذي يقف في مقابل كل من يُصنَّف خارج "نصرة الله"، حتى لو كان الشعب نفسه. وبهذا يتحول الصراع من تنافس على برنامج حكم إلى صراع بين "أنصار الله" و"حزب الشيطان"، وهو تصنيف لا يترك مجالًا للتفاوض أو التسوية على أساس القواسم المشتركة، لأن التسوية مع "أعداء الله" خيانة عقائدية.

هكذا يصبح الاسم نفسه أداة لتبرير الاستبداد وحتى التكفير؛ فمن ينصر الله لا يُسأل، ومن يعارضه لا يُسمع صوته، وإذا كان هذا الاسم يُلغي إمكانية وجود شعب سياسي، فإن تعز هي الشعب الذي رفض هذا الإلغاء.

حين قامت ثورة 26 سبتمبر 1962، لم تكن مجرد انقلاب عسكري على حاكم، بل كانت إعلانًا بقطيعة مع نظام حكم استند خلال قرون إلى شرعية دينية وسلالية، وحصر السلطة في فئة تعتقد أنها تملك حقًا وتفويضًا إلهيًا في الحكم، وعلى الناس أن يسمعوا ويطيعوا وإلا استحقوا غضب الله وعقابه.

لقد قامت الجمهورية على أنقاض ذلك المشروع الإمامي، وأعلنت أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، ثم جاءت الوحدة اليمنية وأضافت أن التداول السلمي للسلطة هو القاعدة الشرعية للحكم، وأن الديمقراطية هي طريق الوصول إلى السلطة، لكن هذه القطيعة، كما يبدو اليوم، لم تكن كاملة، فقد ظل المشروع الإمامي متحفزًا ينتظر لحظته المناسبة للانقضاض على الجمهورية، وجاءت تلك اللحظة مع تحول الحوثيين من حركة محلية مذهبية في صعدة إلى جماعة لاهوت سياسي تسيطر على العاصمة صنعاء ومعظم الشمال اليمني.

اللاهوت السياسي مفهوم راسخ في الفكر السياسي، ويعني ببساطة أن المفاهيم السياسية الأساسية -السيادة، السلطة، الطاعة، الولاء- مستمدة من اللاهوت وفي الوقت نفسه مبررة به، وعند الحوثيين، هذا يعني أن السلطة ليست حقًا للشعب اليمني يمنحها ويسحبها، بل هي تعيين إلهي مفوّض إلى من اصطفاهم الله، والإمام أو الزعيم ليس موظفاً لدى الشعب، بل هو قرين القرآن الكريم، ومن يعارضه لا يعارض سياسيًا، بل يعارض أولياء الله وأعلام الهدى.

هذا المنطق اللاهوتي لا يترك مجالًا للديمقراطية، لأن الديمقراطية تفترض سيادة الشعب، واللاهوت السياسي يفترض سيادة الله، ولا يترك مجالاً للمواطنة المتساوية، لأن المواطنة تفترض مساواة الجميع أمام القانون، واللاهوت السياسي يفترض تفاضلًا في الحقوق والواجبات، ولا يترك مجالاً للتداول السلمي للسلطة، لأن السلطة المفوّضة من الله لا تُسحب بالتصويت ولا تُمنح من قبل العباد؛ إنها سلطة تستمد مطلقها من خالق العباد.

وهنا تتكشف الإجابة على سؤال تعز. فتعز ليست مجرد مدينة ترفض مليشيا، بل هي التعبير الجغرافي عن كل ما ينفيه اللاهوت السياسي، هي المدينة التي أنجبت ثورة 26 سبتمبر، والتي قدمت لليمن الحديث السياسيين والمثقفين والمفكرين، وقدمت قضاة ومحامين وصحفيين ونقابيين، والتي بُنيت هويتها على المواطنة والكفاءة لا على النسب والسلالة. لذلك، حين يقول الحوثيون إن السلطة "أمانة إلهية في سلالة معينة"، فإنهم لا يخالفون تعز سياسيًا، بل ينفون وجودها ككيان. تعز لا تقاوم لأنها خصم سياسي، بل لأنها البرهان الحي على كذب اللاهوت السلالي: مدينة بلا "حق إلهي" لكنها أنتجت رجال دولة ومجتمعًا. من هنا، فإن استهداف تعز ليس عرضيًا، بل ضرورة عقائدية: لا يمكن لمشروع الإمامة الجديد أن يكتمل ما دامت تعز قائمة كدليل على أن اليمن يمكن أن يُحكم بغير "أعلام الهدى".

من هنا، يمكن القول إن التعارض بين الحوثيين والجمهورية اليمنية ليس خلافًا سياسيًا يمكن إدارته أو حله عبر الحوار، بل هو تعارض جذري وجودي. الجمهورية نظام يقوم على سيادة الشعب، وسلطة الحوثيين تستند على الحق الإلهي. الأول يرى السلطة أمانة من الشعب، والثاني يراها حقًا مطلقًا مفوضًا من السماء لفئة معينة. هذا التعارض يتجلى بوضوح في الممارسة العملية، وفي التنظير السياسي والفكري للحركة. فالحوثيون لا يكتفون بتجاهل الجمهورية، بل يعملون على محو رموزها. يختطفون من يحتفل بذكرى ثورة 26 سبتمبر، ويغيرون المناهج الدراسية لتخدم عقيدتهم التي تحولت إلى أيديولوجية لسلطتهم السياسية.

فالسلطة ليست مسألة سياسية كما يقول علماؤهم (مثل عبدالعظيم الحوثي)، بل أصل من أصول الدين، ومن لم يؤمن بأصل من أصول الدين فهو كافر. والنتيجة النهائية تقول: إن لم تؤمن بولاية وسلطة عبدالملك الحوثي ومن ذريته كذلك، فأنت كافر أو غير مكتمل الإيمان، وليس ذلك فحسب، بل عليك أن تعتقد أن عبدالملك الحوثي ووالده وأخاه، هم أعلام الهدى المنقذون لك من النار، لهذا يرفع الأتباع في كل مناسبة صورهم الثلاثة، في سابقة لم تحدث مع أي زعيم سياسي في اليمن؛ لم يحدث أن رئيسًا أو زعيمًا جعل أتباعه يرفعون صور والده وأخيه.

إذن، الخطر الأكبر لا يكمن في القمع المباشر للرأي، بل في الأدلجة اللاهوتية على مستوى الوعي والثقافة السياسية. الحوثيون لا يريدون فقط حكم اليمنيين، بل يريدون تغيير طريقة تفكيرهم في مسألة السياسة والسلطة والثروة. وتحويل ذلك إلى اعتقاد لاهوتي عبر دورات الملازم، والمعسكرات الصيفية للأطفال، والمناهج المعدلة، والصرخة اليومية، يعملون على إعادة تشكيل الهوية والعقيدة، بحيث يصبح الولاء لزعيم الجماعة جزءًا من الإيمان بالله، لا مجرد انتماء سياسي، والقتال في سبيل سلطته السياسية جهادًا في سبيل الله.

وبالمناسبة هنا نذكر أن تقرير خبراء الأمم المتحدة أشار إلى أن تجنيد الأطفال يهدف بشكل متعمد إلى تفكيك البنية الأسرية التقليدية، لضمان عدم وجود قوة موازنة فعالة، وهنا يظهر الاسم مرة أخرى كأداة أدلجة، فالأطفال الذين يُدرَّبون في المعسكرات الصيفية لا يُلقنون أنهم أعضاء في حزب، بل أنهم "أنصار الله"، أي جنود في مشروع إلهي.

هذا التلقين يجعل من الصعب عليهم لاحقًا تصور شرعية سياسية خارج الجماعة اللاهوتية، جيل يُبرمج ليكون أداة في مشروع سلطة مطلقة تستعبده، لا باني دولة ولا حتى مواطن صاحب حق سياسي واجتماعي في تقرير المستقبل والمصير في اليمن، لهذا نجد مقاتلي الحركة الحوثية عندما يقعون في الأسر يقولون: أتينا نقاتل الكفار والإسرائيليين.

على هذا الأساس كان استهداف تعز ثقافيًا قبل أن يكون عسكريًا. فالمعارك حولها لم تكن فقط للسيطرة على موقع استراتيجي، بل لأن تعز تمثل الذاكرة الجمهورية الحية: مدارسها، جامعاتها، نقاباتها، وأحزابها المدنية، كل هذا هو ضد المشروع اللاهوتي الذي يريد إعادة تشكيل الوعي من الصفر عبر الملازم والمعسكرات، ولهذا تتعرض تعز للحصار والحرب: ليس لأنها "معارضة"، بل لأنها مدينة تُثبت أن اليمن يمكن أن يكون جمهورية حقيقية، لا إمامة مقنّعة في زمن الجمهورية.

أخطر ما في جماعة اللاهوت السياسي أنها لا تصادر الحق السياسي للشعب بالخطأ أو الانحراف، بل بنيويًا. منطقها الداخلي يقوم على أن السلطة ليست حقًا للشعب أصلًا، بل أمانة إلهية في يد من اصطفاه الله جينياً. ومن هنا، فإن أية مطالبة بالحق السياسي تُقرأ كتمرد على الله، لا كمطلب ديمقراطي مشروع، هذا المنطق ينتج عنه ما يمكن تسميته الديكتاتورية المقدسة: سلطة لا تُحاسب، لأن من يمثل الله لا يُسأل. وفساد يُغطى بالخطأ في الاجتهاد، واستبداد يُبرر بالضرورة الشرعية، وعنف يُشرعن باسم الجهاد والولاية، ويُستدعى تحت مظلة الهوية الإيمانية.

كان بإمكان هذه الجماعة أن تختار مسارًا آخر: أن تكون حزبًا سياسيًا ينافس على السلطة ديمقراطيًا، يخوض الانتخابات، ويكسب مقاعد، ويؤثر سلميًا. لكنها رفضت اللعبة أصلًا، لأن قواعدها تأتي من خارج الديمقراطية، ومن عدم الاعتراف بمفهوم الشعب السياسي. واختيارها للقوة ليس تكتيكًا عابرًا، بل تعبير عن طبيعة المشروع اللاهوتي: مشروع لا يرى للشعب حقًا في السلطة، وعلى هذا الأساس لم يجد أمامه إلا القوة لفرض تصوره.

ما يحدث في اليمن اليوم ليس صراعًا على السلطة بين أطراف سياسية، بل صراع بين مشروعين وجوديين: مشروع جمهوري يقوم على حق الشعب في اختيار نظامه، ومشروع إمامي لاهوتي يرى أن الحكم حق إلهي لفئة معينة. الأول يريد يمنًا يتسع للجميع، والثاني يريد يمنًا خاضعًا لزعيم الجماعة. واسم "أنصار الله" ليس مجرد عنوان لهذا المشروع الثاني، بل هو مفتاحه اللاهوتي: هو الذي يحول السلطة من أمانة الشعب إلى تفويض إلهي، ويحول المعارضة من رأي سياسي إلى معصية دينية.

لهذا، فإن استمرار هذا النموذج يعني أن مستقبل اليمنيين، حتى بعد انتهاء الحرب العسكرية، سيبقى أسيرًا لحرب صراعية أخرى: حرب استعادة الوعي السياسي المدني، والهوية الوطنية، صراع ضد منطق يرى أن السلطة ليست حقًا للشعب، بل أمانة في يد من اصطفاه الله عليهم خلفًا بعد خلف، غير أن تعز عنوان يختصر هذا الصراع منذ 2015م.

في زمن الجمهورية، تقف جماعة اللاهوت السياسي كتحدٍّ وجودي ليس لليمن فقط، بل لكل تجارب الجمهورية في العالم العربي. فإما أن تنتصر فكرة أن الشعب هو مصدر السلطات، أو أن تعود الإمامة من باب آخر، باسم الدين، وبغطاء قرين القرآن مع هذه النسخة. والسؤال الذي تفرضه تعز نفسها: لماذا تقاوم وتقدم التضحيات الجسام؟ الجواب ليس لأنها "ضد الحوثي" فقط، بل لأنها تدرك أن وجودها كمدينة حرة مرهون بوجود الجمهورية كمحتوى، تعز لا تدافع عن نظام سياسي ديمقراطي فقط، بل عن حقها في أن تكون جزءاً من شعب سياسي، لا رعية لأسرة حاكمة. ولهذا فإن مقاومتها ليست رد فعل على قمع، بل تعبير عن وعي سياسي جمهوري يرفض منطق "أنصار الله" من جذوره. وإذا كان مستقبل اليمن مرهوناً بصراع الوعي، فإن تعز هي الجبهة الأولى في هذه الحرب، لأنها المدينة التي تختصر كل ما يعنيه أن تكون يمنيًا جمهوريًا ضد مشروع الإمامة.