الحمدي كما رآه معاصروه.: قراءة في شهادات بعض الأصدقاء والخصوم في ذكرى ١١ أكتوبر ١٩٧٧م
في مثل هذا اليوم ١١ أكتوبر ١٩٧٧م، لم يُغتل رئيس فحسب، بل اغتيل مشروع دولة. تسعٌ وأربعون عاماً مرت على تلك اللحظة القذرة التي أُطفئت فيها شعلة إبراهيم الحمدي، ولا يزال السؤال عن الرجل ومشروعه وخصومه يتجدد. ولعل أقرب طريق لفهم الحمدي ليس ما كُتب عنه بعد رحيله، بل ما كتبه عنه رفاقه وخصومه الذين عايشوه. وهذا ما فعله البروفيسور سيد مصطفى سالم حين وثّق في كتابه "إطلالة على حياتي" نصوصاً دالة من مذكرات نخبة من رجالات عهد الحمدي، نستعيد أهم شهاداتها باقتضاب في هذه الذكرى.

١- يحيى المتوكل: كاريزما أجمع عليها الشارع:
يصف الشهيد يحيى المتوكل وزير الداخلية آنذاك الحمدي بأنه صاحب كاريزما خاصة، استطاع منذ لحظته الأولى في الحكم أن يشد رجل الشارع إليه بخطاباته القوية والمؤثرة. كان التفاف الناس حوله عابراً للمناطق والتوجهات. ويلفت المتوكل إلى نقطة جوهرية: الحمدي لم يكن حزبياً بالمعنى التنظيمي، رغم صلاته الوثيقة بالناصريين وغيرهم، بل كان رجل دولة يراهن على الشارع لا على الحزب.

٢- محسن العيني: خلاف حول بنية الحكم:
أما رئيس الوزراء وزير الخارجية في تلك المرحلة محسن العيني فيكشف عن أول شرخ مبكر بينه وبين الحمدي، وكان سببه تعيين المقدم أحمد حسين الغشمي رئيساً للأركان. فقد رأى العيني أن هذا المنصب الحساس يجب أن يشغله الأكثر ثقافة عسكرية أو صاحب بطولات خارقة في حماية الثورة، ولم يكن يميل إلى الغشمي ولا إلى ترقياته السريعة. ولعل في تقييمه للغشمي شيء من المنطق بعيداً عن الأحكام التاريخية، وذلك بالنظر إلى الموقع القيادي العسكري الذي تبوأه الرجل ثم المنصب الرفيع الذي شغله في مضمار العمل السياسي بعد ذلك، وبالنظر إلى علاقته بالحمدي وقربه منه.

وكان الخلاف الثاني أعمق وأخطر، ويتعلق بطبيعة الحكم، فقد كان العيني بطبيعة شخصيته الإدارية المدنية المتمرسة يريد فصل صلاحيات الحكومة عن تدخلات مجلس القيادة العسكري، بينما كان الحمدي يصر على خضوع الحكومة لقرارات مجلس القيادة، كاستجابة على مايبدو لخصوصية اللحظة ومقتضيات الواقع القائم، أكثر من كونها دكتاتورية عسكرية، مع عدم استبعاد النظر إلى المسألة من زاوية التجسيد المبكر لصراع المدني والعسكري داخل حركة ١٣ يونيو التصحيحية.
٣- أحمد جابر عفيف: موقف المدني من العسكري:
يقدم أحمد جابر عفيف، وزير التربية في عهد القاضي الإرياني، وجهة نظر الحكم المدني. فيرى أن حركة ١٤ يونيو علقت الدستور وسرحت المجلس الجمهوري وحصرت الحكم في يد مجموعة من الضباط - وتلك هي طبيعة الانقلابات وإلا ماذا كان المتوقع غير ذلك ؟! - مشيداً بتجربة الحكم المدني للإرياني. ورغم عدم ميله للحكم العسكري للحمدي، إلا أنه وصف اغتياله بعبارة بليغة وصادمة: "تم بطريقة قذرة"، في إدانة أخلاقية للجريمة بغض النظر عن الموقف السياسي.

٤- حسين الحبيشي: احتراق الشمعة قبل أن تضيء:
يعد المستشار القانوني للرئاسة يومذاك حسين الحبيشي من أكثر من حلل شخصية الحمدي بعمق. إذ يقول إن الحمدي جمع في تكوينه بين التربية القضائية والصرامة العسكرية، وحاول التوفيق بينهما، لكن الظروف المحلية والعربية والدولية حالت دون ذلك.

ويصفه بالشاب الحماسي الذي أكسبته خطواته الشعبية وفي مقدمتها رئاسته لحركة التعاونيات شخصية كاريزمية محببة ومهابة في آن. لكنه يستدرك بحس سياسي ثاقب: إن هذه الشعبية الجارفة ذاتها أدت إلى "احتراق شمعته قبل أن تضيء".
ويضيف الحبيشي أن انقلاب الحمدي على الرجال الذين ساعدوه في الوصول إلى الحكم - في إشارة واضحة إلى المشايخ - ساعد على إزالته من المسرح السياسي، إلى جانب أن الظروف الدولية آنذاك كانت تخدم بعض الحكام العرب المتوجسين من مشروعه. ويذكر أن الحمدي كان متحرراً من العقد التقليدية، ومؤهلاً للحكم منذ كان مديراً لمكتب الفريق العمري وتدرجه في المناصب، وأنه سعى بجدية للتقارب مع النظام في عدن من أجل الوحدة، وتبنى مشروع مؤتمر دول البحر الأحمر كإطار لاستقلال القرار اليمني.
وعن الغشمي، يقول الحبيشي إنه كان رئيساً منتخباً وإن قصرت مدته، واصفاً إياه بأنه "شجاع، بطاش، بسام، سريع الغضب، نشأ نشأة قبلية عسكرية، لا يطيق المعارضة الصريحة، لكنه كريم اليد والطباع"، ليختم بقوله: "وبقية الأحداث معروفة الظواهر، أما البواطن فهي متروكة للتاريخ والمؤرخين. مؤامرة تنتهي بمؤامرة ولم يبق إلا الأسى والمواساة".
٥- الشيخ عبدالله الأحمر: صِدام الدولة المركزية ومراكز القوى:
أما شهادة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر فتبدو الأكثر كشفاً لجوهر الصراع. يقول إنه تم الاتفاق قبل حركة ١٣ يونيو بينه وبين الحمدي وسنان أبو لحوم والضباط على أن تكون الإجراءات مؤقتة لستة أشهر فقط، يُجمد فيها مجلس الشورى ويعطل الدستور وتعلن الأحكام العرفية، ثم يعود الحكم المدني.
لكن - والكلام للأحمر - إن الخطوات التي أقدم عليها الحمدي لم تكن متفقاً عليها، ولم يجرِ أي حوار حولها، حيث استند الحمدي إلى استقالة الإرياني من المجلس الجمهوري والأحمر من مجلس الشورى ليعلن حالة الطوارئ بحجة أن البلاد في فترة انتقالية.

ويقر الأحمر أن علاقته بالحمدي كانت جيدة في البداية، ثم انقلبت إلى توتر ليس بينهما فقط، بل بين الحمدي ومشايخ القبائل جميعاً، بعد أن قرر الحمدي إقصاءهم باعتبارهم مراكز قوى تعيق بناء الدولة المركزية الحديثة، دولة النظام والقانون. ويربط الأحمر بين فترتي الحمدي والغشمي باعتبارهما نتاج حركة واحدة، مشيراً إلى أن الغشمي تبنى هو الآخر نهج إقصاء المشايخ، وأنه لم يكن بينه وبين الغشمي أي تفاهم، وأن مقتل الحمدي كان مفاجئاً له واستقبله باستياء شديد، واصفاً إياه بالجريمة التي ما كان ينبغي أن تصل الأمور إليها.
ختاماً:
ما تكشفه هذه الشهادات المتقاطعة، من صديق وخصم، أن اغتيال الحمدي في ١١ أكتوبر ١٩٧٧م لم يكن مجرد تصفية جسدية لرئيس، بل كان تصفية لمشروعين: مشروع دولة مركزية حديثة تتجاوز منطق القبيلة والحزب، ومشروع وطني مستقل ينفتح على الجنوب ويستعيد قرار البحر الأحمر.
لقد اجتمعت على ذلك المشروع - كما تلمح مذكرات "إطلالة على حياتي" - ثلاث قوى: الداخل المتضرر من إقصاء مراكز القوى، والإقليم المتوجس من التجربة التعاونية الوحدوية، والدولي الباحث عن يمن ضعيف على ضفاف أهم ممر مائي في العالم. ولذلك، فإن إحياء ذكرى الحمدي اليوم ليس بكاءً على الماضي، بل هو تذكير بأن أسئلة الدولة والنظام والقانون التي طرحها قبل نصف قرن، لا تزال هي نفسها الأسئلة المعلقة التي لم نجب عليها حتى الآن.



