الأحد 11 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم

تباينت ردود الفعل على البيان الأخير لجماعة نداء السلام، الصادر في 5 أكتوبر 2026م، تبايناَ شديداً، بين متحفظ على البيان وبين مرحب به. ولن أتحدث هنا عن المرحبين به، إذ أن موقفهم يتطابق مع موقف جماعة نداء السلام. بل سأقصر حديثي على موقف المتحفظين عليه، المؤيدين للحرب، وهو موقف قديم جديد.
فمنذ نشأت جماعة نداء السلام، في مطلع عام 2017م، أي قبل ما يقارب عقد من الزمان، وكان أوار الحرب حينها في أوج اشتعاله، منذ ذلك الحين وبياناتها ومواقفها موضع رفض واستنكار من البعض، وقبول وترحيب من البعض الآخر. وهذا أمر طبيعي، فرضى الناس جميعهم غاية لا تدرك. والأمر هنا لا يتعلق بجماعة من المتقاعدين، المدنيين والعسكريين، من ذوي التاريخ النضالي الطويل، الذين أنضجتهم التجارب وربتهم المحن والمعاناة الطويلة، بقدر ما يتعلق بمصير الوطن، الذي تستهدفه المخططات الخارجية وترسم ملامحه الحرب.
لقد تلقت جماعة نداء السلام عند إنشائها وإطلاقها دعوة السلام، تلقت سهام الأطراف المتصارعة جميعها. ولا سيما الطرف الذي ظن بأن دعوة السلام، إنما هي محاولة لقطع الطريق على الحسم العسكري الذي يوشك أن يحققه، مدعوماً بالتدخل العسكري الخارجي المباشر. وهكذا وجدت جماعة نداء السلام نفسها، في مرمى المتقاتلين. مع أن موقفها الوطني واضح لا لبس فيه: ضد التدخل الخارجي بمختلف أشكاله السياسية والعسكرية، وضد الاقتتال الداخلي بين اليمنيين، ومع إيقاف الحرب والشروع في حوار يمني _ يمني جاد ومسؤول، للتوافق على بناء دولة الشراكة الوطنية، الحامية لسيادة اليمن وسلامة أراضيه، الراعية لمصالح اليمنيين جميعهم.
ومرت الأعوام، وجماعة نداء السلام تواصل دعوتها وتصدر بياناتها ونداءاتها ومناشداتها وتجري اتصالاتها، ولا تجد آذاناً صاغية، لا سيما من الأحزاب السياسية المدنية، التي غابت عن مسرح الفعل السياسي المؤثر، غياباً غير مبرر، ولم تستجب لأي مناشدات، ولم ترد حتى على (مشروع الرؤية الأولية لبرنامج الحد الأدنى الممكن للتوافق الوطني المنشود)، الذي قُدم إليها قبل أكثر من عام ونصف، وتكرر تقديمه إليها بعد ذلك، ونُشر في مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تتلقى جماعة نداء السلام أي رد حتى الآن.
وعبر هذه المسيرة الطويلة، ما تزال بيانات الجماعة موضع جدل، بين مرحب ومتحفظ، بين مقدر لمواقفها وبين مستنكر لها. وقد تجلى هذا في اللحظة الراهنة، التي تدور فيها الحرب من جديد، والتي يرى فيها كل طرف من الأطراف اليمنية المتقاتلة، أنه يحقق مكاسب على الأرض، تتعارض معها دعوة السلام.
لقد صاغت جماعة نداء السلام رؤيتها في كل بياناتها، بما فيها بيانها الأخير، صاغتها بروح المسؤولية الوطنية، وبإدراك لحجم المؤامرات الخارجية الهادفة إلى تدمير اليمن وتجزئته وتفتيت شعبه، وانطلاقاً من يقينها بأن التدخل الخارجي السياسي والعسكري، لم يأت للانتصار لهذا الطرف اليمني أو ذاك، بل جاء محملاً بأجنداته الخاصة، المتعارضة مع الأجندة الوطنية اليمنية، التي يجب على كل اليمنيين التمسك بها والدفاع عنها.
ولم تتغير هذه الرؤية منذ اندلاع الحرب قبل عقد من الزمان وحتى الآن، لأن المؤامرة ما تزال قائمة، وأهدافها لم تتغير، وتجلياتها واضحة، في الميادين العسكرية والسياسية والاقتصادية. ولذا ليس هناك ما يبرر تساؤل بعض المتحفظين على البيان، عن السبب في الدعوة إلى إيقاف الحرب والجنوح إلى السلام في هذا التوقيت، الذي يعتقدون فيه، تحت تأثير الضخ الإعلامي الخارجي الهائل، أن القوى المسلحة التي تقاتل تحت عنوان (الشرعية) على وشك الانتصار في ميدان القتال، وأن الحسم العسكري الذي انتظروه طويلاً أصبح في متناول اليد.
فبناءً على هذا الاعتقاد، يبدو البيان الأخير في نظرهم أنه ما جاء إلا لإنقاذ الحوثيين الذين تسببوا في الحرب، من الهزيمة المحققة التي أوشكت أن تلحق بهم، على يد السعودية وحلفائها. ويتناسى هؤلاء المتحفظين على البيان، أن جماعة نداء السلام قد أصدرت بيانات تضمنت دائماً محتوى هذا البيان نفسه، سواءً كانت الحركة الحوثية تتقدم في ميدان القتال، أو كانت قوات (الشرعية) هي التي تتقدم. فهل سنستغرب، مثلاً، لو قال الطرف الآخر (الحركة الحوثية)، وفق هذا المعيار العجيب، إن البيان ما جاء في لحظة تراجع قوات الشرعية في كثير من مواقعها، في الساحل وفي مديريات محافظة تعز، إلا لإنقاذ هذه القوات من هزيمة محققة؟!!
وبمقابل هذا الطرف الذي يراهن على الحسم العسكري بدعم خارجي، تنبعث من أنصار الطرف الآخر، أي من أنصار الحركة الحوثية، إشارات بعدم الرضى عن البيان. لأنه يصور المعركة وكأنها بين اليمنيين، في حين أنها في حقيقتها معركة بين الحركة الحوثية والسعودية، التي زجت بالمجاميع المسلحة اليمنية لتقاتل في الميدان نيابة عنها، باسم الشرعية الوهمية، التي لم يعد لها وجود. فقد انتهت مدتها القانونية منذ سنوات طويلة، وتولت السعودية القضاء على ما تبقى منها. كما أن البيان لا يشير إلى العدوان السعودي، وما ارتكبه من عبث في اليمن، ومن جرائم وفظائع معروفة.
هكذا يعبر هؤلاء عن عدم رضاهم. وكأن البيان ليس موجهاً لليمنيين حصراً، ومكرساً لحثهم على أن يثوبوا إلى رشدهم ويصلحوا ذات بينهم ويتحرروا جميعهم من ارتباطاتهم الخارجية التي دمرت علاقاتهم بعضهم ببعض. وكأن مناشدة اليمنيين في البيان "وضع حد للتدخل الخارجي في الشأن اليمني، الذي حول اليمن إلى ساحة للتنافس والصراع الإقليمي والعالمي، وحول أبناءه إلى وقود للمطامع الخارجية"، كأن هذه المناشدة لا تشمل الدور السعودي، الذي هو في الحقيقة الدور الأبرز والأقدم والأطول عمراً واستمراراً في الساحة اليمنية. أما موقف الجماعة الرافض للعدوان الخارجي على اليمن، سواءً العدوان السعودي، أو أي عدوان خارجي آخر، فهو موقف واضح وثابت، تضمنته عشرات البيانات السابقة. من منطلق وطني مبدئي، لا يتغير.
لقد عبر المتحفظون على البيان من أنصار الطرفين المتصارعين، عبروا عن تحفظهم، بعضهم بأسلوب جاف منفعل، يفصح عن حجم المعاناة التي عاشها ويعيشها طوال سني الحرب العجاف، التي تجاوزت عقداً من الزمن. وبعضهم الآخر عبر عن تحفظه بأسلوب لطيف هادئ، لم يتجاوز حدود أدب الحوار. وفي الحالتين، جميعهم يطلقون أحكامهم وهم خارج ميادين الحرب وجحيمها، لا يعيشون داخلها، ولا يمرون بما يمر به المقاتلون من أهوال، تجعلهم يتمنون وقف الحرب وإحلال السلام، ليخرجوا من الجحيم الذي هم فيه، لا سيما الأسرى منهم، الذين يعيشون لحظة السقوط الأخلاقي المريع لأفراد من آسريهم، ممن أفقدتهم الحرب المناعة الأخلاقية، فلم يتورعوا عن تعذيب أسراهم ودهسهم أحياءً بالمدرعات.
وهنا لا بد من التوقف قليلاً، فالسقوط الأخلاقي، بالصورة التي شاهدناها على شاشات التلفزيون، حتى وإن كان سقوطاً أخلاقياً لأفراد قلائل، يقتضي التوقف. لأنه سقوط يستفز أي إنسان سوي، أياً كان اصطفافه في هذه الحرب المشؤومة. فللحرب، مهما كان عنفها، قواعد أخلاقية لا يجوز خرقها من قبل أي طرف من أطراف القتال. ومن لا يعرفها، عليه أن يعود إلى التقاليد والأعراف اليمنية الأصيلة، التي لا تجيز حتى إهانة الأسير، إهانة لفظية، بعد أن يستسلم ويسلم سلاحه. أو أن يعود إلى التعاليم والتوجيهات الإسلامية، التي تنص على حسن معاملة الأسرى والرفق بهم وإطعامهم، رغم أنهم كانوا حينها مشركين، وليسوا مسلمين كحال المتقاتلين اليمنيين اليوم: "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا"، صدق الله العظيم. و"استوصوا بالأسرى خيراً"، صدق رسول الله. و"لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا (أي لا تشوهوا جثث القتلى من الأعداء) ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة..."، إلى آخر التوجيه المعروف الذي زود به الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، جيش الفتح الأول بقيادة أسامة بن زيد. وهو توجيه واضح مفصل، شكل مع النص القرآني والحديث النبوي قانوناً للسلوك الإنساني في الحرب، ملزماً لكل المقاتلين المسلمين. قبل أن يعرف العالم القوانين الوضعية الحديثة، الخاصة بأخلاق الحرب.
وقد زادتنا هذه المشاهد، والمشاهد الشبيهة بها في بداية الحرب، التي سُحل فيها القتلى وجرى التمثيل بجثثهم، زادتنا تمسكا بالدعوة إلى إيقاف الحرب وإحلال السلام. لأننا رأينا في هذا السقوط الأخلاقي لنفر من المقاتلين، حتى وإن كانوا قليلين، ما تنذرنا به الحرب إذا طالت، وما ستصنعه في تفكيرنا وأخلاقنا وقيمنا وسلوكنا وعلاقاتنا من سوء، سيجعل الحياة غير جديرة بأن تعاش.
ولا أظن أنني بحاجة إلى إيراد ما كُتبَ من تعليقات على البيان، عبرت عن ردود الفعل المختلفة والمتباينة. فقد نُشر الكثير منها في وسائل التواصل الاجتماعي. وهي بمجموعها لا تختلف عما صدر من استنكار أو قبول لدعوة السلام عند إطلاقها. ولذا أكتفي هنا بالتعبير:
أولاً: عن القلق والخوف مما تختزنه ردود الفعل هذه من مشاعر الكراهية والأحقاد المتبادلة، بين المتصارعين اليمنيين ومعهم أنصارهم. وهي مشاعر قد يستمر تأثيرها في حياتنا زمناً طويلاً، بعد طي صفحة الحرب.
وثانياً: عن القلق والخوف مما ترسمه القوى الخارجية من مخططات للعبث بحاضر اليمن ومستقبله، ونقل صراعاتها إلى الساحة اليمنية، واستجابة الكثيرين من أبناء اليمن لها.
وثالثاً: عن الأمل في أن تبدي الأطراف المتصارعة استعداداً حقيقياً لإيقاف الحرب والجنوح إلى السلام والانخراط في حوار جدي يمني _ يمني، متحرر من التأثيرات والإملاءات الخارجية، وأن تقدم التنازلات المتبادلة الضرورية لصالح اليمن، وأن تحتكم إلى صندوق الانتخابات، الذي يختار الشعب عبره من يدير شؤونه العامة، لدورة انتخابية يحدد الدستور مدتها. لتنهي بذلك كل مظاهر التدخل الخارجي في الشأن الداخلي اليمني. فالتدخل الخارجي، ليس وراءَه إلا البلاء.
وفي هذا السياق لا بد من التأكيد على أن موقف الرفض للتدخل الخارجي ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو موقف مبدئي من الاستعانة بأي قوة خارجية في خضم الصراع الداخلي، مهما كانت تلك القوة وتحت أي عنوان أتت. لأن الاستعانة بقوة خارجية، كما يعلمنا التاريخ البشري، ستنتهي إلى إحدى حالتين: إما أن تنتصر أنت بمساعدتها، فتعتبر نفسها هي التي انتصرت، وتصبح أنت تحت رحمتها ورهينة لها، تفرض عليك تبعيتها وتتعامل معك بعنجهية المنتصر. وإما أن تُهزم، فتعتبرك أنت المسؤول عن هزيمتك، وتمتهنك وتدفَّعك ثمن الهزيمة، بالصورة التي تناسبها. فأنت في الحالتين مهزوم لا محالة.
فهل آن الأوان لأن نستيقظ نحن اليمنيين، ونلتفت إلى الأخطار المحدقة بنا، والمخططات الهادفة إلى تقسيم وطننا وتفتيت شعبنا، ونرص صفوفنا ونسوي خلافاتنا ونتصالح فيما بيننا، ونقف جميعنا في خندق واحد، ندافع عن استقلال وطننا وسلامة أراضيه واستعادة قراره السياسي، وبناء دولة الشراكة الوطنية المنشودة، الراعية لكل اليمنيين، ونسوي علاقاتنا مع جيراننا على أسس حسن الجوار والاحترام المتبادل وتنمية المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؟ سؤال لا يكفي أن نجيب عنه نحن في جماعة نداء السلام، أو أن يجيب عنه غيرنا من دعاة السلام. فالإجابة المناسبة المطلوبة، التي ستريحنا جميعاً، هي الإجابة الإيجابية التي ننتظرها من الأطراف اليمنية المسلحة المتصارعة. وأتمنى أن تأتي إجابتهم الآن، خير من أن تتأخر. إذ لا خيار أمام اليمنيين جميعهم إلا السلام والتصالح والتعايش والتعاون والمشاركة في إعادة بناء اليمن، الذي يتسع لكل اليمنيين.
وفي الختام، يلح عليَّ سؤال، طالما تردد في ذهني وأصرفه، وآن الأوان لطرحه: هل ثمة جدوى من استمرار (جماعة نداء السلام) في مهمتها الطوعية المتعبة، التي لم يتجاوب معها أي من المكونات السياسية المدنية والمسلحة، ومن بينها الحزبين المدنيين الكبيرين، اللذين راهنت عليهما طوال الوقت (الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري)، أليس الأولى ان تعفي نفسها من هذه المشقة، وقد تجاوز معظم أعضائها سن الثمانين عاماً من العمر، وتترك المهمة للأحزاب السياسية الشابة، لتستيقظ وتدفع بقياداتها وقواعدها وجماهيرها إلى حراك شعبي سلمي واسع، يعم اليمن كله. يجبر الأطراف اليمنية المتقاتلة على إيقاف الحرب، والتصالح فيما بينها، والتوافق على بناء الدولة اليمنية المنشودة. ويقطع دابر التدخل الخارجي في شؤون اليمن، ليذهب إلى غير رجعة، ويترك الشعب اليمني يعيش حياته في سلام؟ سؤال أطرحه على زملائي في جماعة نداء السلام، أولاً، وعلى كل من تعاطف وتفاعل معها، على مدى سنوات الحرب الكريهة. لقد بذلنا جهوداً طوعية مضنية، لا تتحملها شيخوختنا، واصطدمنا بجدران سميكة، أكثرها سمكاً جدرانٌ من صنع اليمنيين أنفسهم، وآن لنا أن نستريح.