السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • معركة تعز: بين المكاسب العسكرية والخسائر الاستراتيجية

معركة تعز: بين المكاسب العسكرية والخسائر الاستراتيجية

عند بداية التصعيد، طرحت صنعاء معادلة «الحصار مقابل الحصار». كانت معادلة معقولة، قابلة للتنفيذ وجني ثمارها في وقت معقول، كما أنها تُبقي الباب مواربًا للتفاوض وإيجاد الحلول بأقل الأثمان، دون إضافة تعقيدات جديدة إلى المشهد اليمني المعقد أصلًا.

معارك تعز
معارك تعز
لكن التصعيد انزلق مبكرًا نحو إعادة إشعال الصراع الداخلي، وهو ما لا شك أن الرياض كانت ستسعى إليه في جميع الأحوال، إلا أن اقتصار صنعاء على الدفاع كان سيحدّ من عواقبه الحالية والمستقبلية.
اليوم، نحن أمام واقع جديد لم تتضح معالمه بالكامل بعد، لكن مؤشراته الأولية تشير إلى أننا دخلنا مرحلة حرب طويلة سيخرج منها الجميع منهكين، وستكون آثارها المستقبلية كارثية بكل المقاييس على اليمن عمومًا، وعلى السعودية كذلك.
لقد كان فتح معركة الجنوب والغرب، وتحديدًا تعز، خطأً فادحًا ارتكبه أنصارالله. فحتى إن بدت صنعاء وكأنها تحقق انتصارات سريعة، فإن تعز، بجغرافيتها وكثافتها السكانية وأهميتها الاستراتيجية، قد تتحول إلى عبء سياسي واجتماعي واقتصادي إذا سيطرت عليها صنعاء، وإلى عبء عسكري واستنزاف مفتوح إذا تعذّر حسم المعركة فيها.
وفي الحالتين، ستتحول الجبهة الداخلية إلى أولوية تستنزف قدرات صنعاء، وتصرف جزءًا من تركيزها عن المواجهة مع الرياض وفق معادلة «الحصار مقابل الحصار» واستثمارها لتحقيق نتائج سريعة.
وهذا يعني مزيدًا من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الشعب اليمني، ولمدة أطول، فضلًا عن منح الرياض وحلفائها مساحة أوسع لالتقاط الأنفاس وإدارة مواجهة طويلة الأمد. أما الآثار المستقبلية، فستتجاوز الخسائر المباشرة إلى تهديد النسيج الاجتماعي وتقويض فرص الاستقرار السياسي لسنوات مقبلة.
ليس واضحًا ما إذا كانت معركة تعز فخًا نُصب لصنعاء عمدًا، أم أنها انزلقت إليه من تلقاء نفسها. لكن الواضح، دون أدنى شك، أن عدم تصعيد «الشرعية»، ومن خلفها الرياض، في الجبهات الشرقية والشمالية بالمستوى نفسه الذي يجري في الجبهة الجنوبية الغربية، ليس أمرًا عفويًا، بل يبدو قرارًا مقصودًا ومدروسًا ومنظمًا.
الخلاصة:
على صنعاء أن تعيد حساباتها في المواجهة الداخلية، وأن تعود إلى الهدنة والدفاع، وألا تسمح باستدراجها إلى حرب شاملة متعددة الجبهات، بل أن تحصر التصعيد في معادلة «الحصار مقابل الحصار» مع الرياض، ضمن حسابات منضبطة ومدروسة، بعيدًا عن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف أو ضوابط.
فأقصر الطرق إلى تحقيق النتائج هو الخط المستقيم نحو الهدف: بدفع الرياض إلى رفع الحصار والعودة إلى تنفيذ الاتفاقات، بسقوف زمنية واضحة وضمانات ملزمة، لا الانعطاف إلى الطرق الداخلية الوعرة والمتعرجة في تعز وغيرها من المناطق اليمنية.
أما الاندفاع نحو الجبهات الداخلية، فقد يمنح انطباعًا بانتصارات سريعة، لكنه قد ينتهي باستنزاف الجميع وتدمير ماتبقى من الدولة وإضاعة الهدف الذي بدأ التصعيد من أجله.