السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حين تصبح الحرب نفسها صفقة.. من يملك قرار اليمن؟

حين تصبح الحرب نفسها صفقة.. من يملك قرار اليمن؟

لم تعد الأسئلة في اليمن تتعلق فقط بمن ينتصر ومن يخسر، ولا حتى بمن يسيطر على مدينة أو جبهة. السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: من يقرر شكل الحرب ومتى تشتعل ومتى تهدأ ومتى تُسلَّم المواقع من دون قتال؟ ففي تعز، حيث عاشت المدينة وريفها سنوات طويلة تحت نار الحرب وهدنة بين الحوثيين ومناهضيهم، ظهرت خلال سبتمبر وأكتوبر تطورات ميدانية متناقضة، منها تقارير تتحدث عن معارك واستعادة مواقع، وأخرى تتحدث عن انسحابات وتسليم مواقع دون قتال، بل وعن تفاهمات محلية وقبلية لتسليم مناطق بصورة سلمية. وهذه الروايات لا يمكن التعامل معها كلها باعتبارها حقائق مكتملة، خصوصًا أن بعض ما نُشر جاء من مصادر طرفية، ولم تؤكده مصادر مستقلة.

لكن مجرد ظهور هذه الصورة المتناقضة يستحق التوقف، ليس للانضمام إلى ماكينة الأخبار التي تصنع لكل طرف روايته، وإنما لطرح سؤال أكبر: هل ما يجري في اليمن حرب مفتوحة بلا قرار، أم أن للحرب نفسها أصحاب قرار ومصالح ومساحات تفاوض؟
منذ سنوات، تعودنا على أن نرى الحوثيين والقوى المناهضة لهم باعتبارهم طرفين متحاربين، وأن كل جبهة لا تتحرك تعني عجزًا عسكريًا أو هدنة مؤقتة. لكن التجربة اليمنية تقول إن المشهد أكثر تعقيدًا من ذلك. فقد عرفت البلاد سنوات من الهدوء النسبي لم تتحول إلى سلام، وبقيت خلالها خطوط السيطرة والنفوذ قائمة، فيما انتقل جزء من الصراع إلى الاقتصاد والموانئ والطرق والإيرادات والأسواق.
ولهذا فإن الحديث عن تسليم موقع هنا أو انسحاب هناك لا ينبغي أن يتحول فورًا إلى اتهام بالخيانة أو إلى انتصار إعلامي لطرف على آخر. الموقع العسكري قد يكون له ثمن سياسي واقتصادي أكبر من قيمته العسكرية، والطريق قد يكون أهم من الجبل، والممر التجاري قد يصبح أهم من المدينة نفسها. وفي تعز تحديدًا، ترتبط بعض الجبهات الغربية بالممرات المؤدية إلى الساحل والمخا وباب المندب، ولذلك فإن السيطرة على الأرض لا تنفصل عن خطوط الحركة والتجارة والنفوذ البحري.
هنا تظهر الفكرة التي يجب ألا نخاف من طرحها: ماذا لو كانت بعض أشكال القتال والهدوء والانسحاب والتصعيد جزءًا من إعادة ترتيب المصالح بين أطراف يفترض أنها أعداء؟ لا أقول إن هذا حدث في موقع محدد، ولا توجد لدينا أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بأن تسليم أي موقع في تعز كان نتيجة صفقة. لكن استمرار تضارب الروايات حول مواقع قيل إنها سُلّمت دون قتال، بالتزامن مع تقارير أخرى عن معارك واستعادة مواقع، يجعل من حق اليمنيين أن يسألوا عن الحقيقة كاملة، لا عن الرواية التي يريد كل طرف أن يسمعها جمهوره.
المشكلة أن اليمنيين ظلوا ينتظرون منذ سنوات نهاية واضحة لهذه الحرب. كنا ننتظر أن ينتصر طرف إذا كان الانتصار سيُنهي الحرب، أو أن يصل الجميع إلى سلام دائم إذا كان السلام هو الطريق إلى إنقاذ البلد. لم يعد المواطن معنيًا كثيرًا باسم المنتصر بقدر ما يعنيه أن تتوقف الحرب، وأن يعود القرار اليمني إلى الدولة والمجتمع، وأن يتوقف تحويل الناس إلى وقود لمعارك لا يعرفون أين تبدأ مصالحها وأين تنتهي.
لكن الأخطر أن تتحول الحرب نفسها إلى مصدر مصالح. عندها يصبح استمرار الصراع مفيدًا لبعض شبكات النفوذ، وتصبح الهدنة أيضًا مساحة لإعادة توزيع النفوذ والمكاسب، ويصبح السوق جزءاً من المعركة كما تصبح الجبهة جزءًا من السوق. السلاح يحتاج إلى تمويل، والتمويل يحتاج إلى موارد، والموارد تحتاج إلى طرق ومنافذ وأسواق، والأسواق تحتاج إلى سلطة تحميها. وهكذا لا تعود الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين مشروعين سياسيين، وإنما شبكة مصالح متداخلة قد يجد فيها بعض "الإخوة الأعداء" أسبابًا للاستمرار أكثر مما يجدون أسبابًا للحسم.
وهذا لا يعني وضع الحوثيين والقوى المناهضة لهم في كفة واحدة سياسيًا أو عسكريًا، ولا يعني تبرئة أحد من مسؤوليته عن الحرب. المعنى أبسط وأخطر: اليمن لم يدخل هذه الحرب بقرار واحد، ولذلك لن يخرج منها بقرار عسكري واحد إذا ظلت قرارات الحرب والسلام موزعة بين قوى محلية وإقليمية وشبكات مصالح اقتصادية وعسكرية.
لقد جعل الجميع اليمن يعيش في حالة صراع مستمرة، بدرجات مختلفة، وكل طرف يمتلك روايته عن سبب الحرب وضرورتها وشرعيته. لكن المواطن اليمني لا يعيش داخل البيانات العسكرية. هو يعيش في السوق، أمام سعر الخبز والوقود، وفي الطريق، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي بيت فقد أحد أبنائه. لذلك فإن استمرار الحرب بالنسبة إليه ليس معركة خرائط، بل استنزاف لعمر كامل.
ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس تصديق الأخبار التي تقول إن هذا الطرف انهار أو إن ذاك الطرف انتصر، ولا الاحتفال بسقوط موقع أو استعادته قبل معرفة ما الذي يجري خلف الخريطة. المطلوب هو استعادة السؤال اليمني الحقيقي: من يملك قرار الحرب، ومن يملك قرار السلام، ومن يدفع ثمن الاثنين؟
فإذا كانت المواقع تسقط بالقتال، فلنعرف لماذا. وإذا كانت تُسلّم دون قتال، فلنعرف لماذا أيضًا. وإذا كانت هناك تفاهمات محلية أو قبلية، فليكن الحديث عنها علنًا وبشفافية. وإذا كانت هناك مصالح اقتصادية تتقاطع فوق الجبهات، فليُكشف عنها بدلًا من دفنها تحت الشعارات.
اليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يكتشف أن الحرب لها صُنّاع، ولا يحتاج إلى هدنة جديدة كي يكتشف أن الهدنة يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى مساحة لتثبيت المصالح. ما يحتاجه هو انتقال حقيقي من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، ومن سلطة الجبهة إلى سلطة الدولة، ومن قرارات الخارج والوسطاء وأمراء الحرب إلى قرار يمني يعيد تعريف مصلحة البلاد قبل مصلحة القوى المتصارعة.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن يستمر الطرفان في إدارة حرب لا يريد اليمنيون استمرارها، بينما تُعاد في الخلفية هندسة المصالح وتقسيم النفوذ، ويُترك المواطن مرة أخرى أمام الحقيقة الوحيدة التي لم تتغير منذ سنوات الجميع يتحدث باسم اليمن، بينما اليمن نفسه لا يزال ينتظر من يتحدث باسمه فعليًا.