السبت 17 أكتوبر 2026

الحديدة ستحاكم العليمي وطارق…

في 10 سبتمبر 2026، سلّم طارق المخا والساحل الشمالي للحـ..وثيين، ثم غادر إلى الرياض عبر الصومال، حسب الأخبار، مبررًا ما حدث بعبارة أعادت إلى الأذهان ذاكرة الانسحابات السابقة: «إعادة التموضع»!

طارق عفاش ـ منصات
طارق عفاش ـ منصات
لكن الفاجعة لم يكن لها مسؤول واحد؛ فتسليم المخا والساحل الشمالي لم يكن نتاج قرار منفرد، بل نتيجة منظومة كاملة شارك فيها صانع القرار السياسي، كما شارك فيها قائد الميدان.
فرشاد العليمي، بصفته رئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعلى سلطة سياسية في الدولة، لا يستطيع الوقوف خارج دائرة المساءلة؛ لأنه لا يملك رفاهية التظاهر بالغضب أو حتى الحياد. فبصفته المسؤول الأول عن المشهد السياسي والعسكري، كان يعلم أن الساحل الغربي يُدار خارج مفهوم الدولة، وأن القرار الحقيقي محتكر في يد قوى نفوذ خارجية، لا مؤسسات وطنية. فقد ترك الوضع لسنوات طويلة يُدار بمنطق النفوذ المنفرد، بينما غابت القيادة العسكرية الوطنية الموحدة القادرة على إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة، ومع ذلك استمر هذا الواقع حتى انفجر في وجه الجميع.
إن ما جرى لم يكن مجرد فشل عسكري، بل كان نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية سمح بها رأس السلطة، كما سمح بها قائد الميدان.
رشاد محمد العليمي
رشاد محمد العليمي
الخلاف لم يعد يومها بين أطراف التحالف فقط، بل بين الأدوات اليمنية المستخدمة نفسها، التي تخدم الأجندات الخارجية.
لكن المفاجأت جاءت في الخامس من أكتوبر 2026، حين أُعلن عن استعادة المخا ضمن عملية «فجر اليمن». وحتى لو سلّمنا جدلًا بصحة رواية التحرير كما قُدِّمت للرأي العام، فإن ذلك لا يبرئ أحدًا مما سبقها، بل يفتح بابًا أكبر للتساؤلات. لم تسقط المدينة بسبب قوة حوثية لا تُقهر، ولم تكن خسارتها قدرًا عسكريًا مفروضًا… ما حدث كان خللًا في القرار والقيادة والإدارة.
طارق سلّم وانسحب، والعليمي لم يتحرك لمنع الكارثة، بل تعامل معها كأنها فرصة للتخلص من منافس أصبح عبئًا سياسيًا ينتظر سقوطه. طارق تعامل مع الجبهة باعتبارها ملكية نفوذ خاصة، يفرض سيطرته ويسلمها متى شاء، والعليمي تعامل معها كملف سياسي مؤجل.
لقد أثبتت رواية الهجوم المضاد أن الأرض لم تكن مستحيلة الدفاع، وأن الحوثيين لم يكونوا قوة لا يمكن كسرها… ما كان مفقودًا هو الإرادة والقرار والقيادة الحقيقية لتحرير اليمن.
عبدالملك الحوثي
عبدالملك الحوثي
ومن هنا، فإن ما قُدِّم بوصفه استعادةً للمخا والساحل الغربي ليس مجرد انتصار عسكري، بل لائحة اتهام كاملة!
إدانة لكل من كان سببًا في سقوطها، وإدانة لكل من حاول تحميل الوقائع ما لا تحتمل من أعذار وشعارات ومبررات سُوِّقت. ولهذا سيبقى ما حدث وصمة سياسية وعسكرية تلاحق طارق صالح ورشاد العليمي معًا… شاهدًا على مرحلة ضاعت فيها الفرص، وتقدمت فيها مصالح النفوذ على مصالح الجمهورية.
أما الحديدة، فما زالت تنتظر الإجابة التي عجزت عنها سنوات البيانات والخطب والتبريرات. لم تنسَ أنها تُركت رهينة لاتفاق ستوكهولم، ولم تنسَ كيف توقفت المعركة على أبوابها، وكيف تحولت قضية تحريرها إلى ملف مؤجل تتقاذفه الحسابات السياسية والتوازنات الإقليمية.
فمنذ ذلك اليوم، وهي تدفع ثمن القرارات التي اتخذها الآخرون باسمها. ولهذا ستبقى الحديدة هي القاضي الحقيقي لهذه المرحلة؛ ستحاكم من فرّط بها حين كانت على أبواب التحرير، وستحاكم من صمت على تجميد معركتها، وستحاكم من سلّم ومن تخلّى، ومن جعل الجمهورية رهينة لمشاريع النفوذ والصراعات الداخلية.
وسيظل السؤال قائمًا يطارد الجميع:
إذا كانت المخا قد عادت، حسب ما يتم تداوله، بعد خمسة وعشرين يومًا فقط، فلماذا سُلّمت من الأصل؟
وإذا كانت استعادة الأرض ممكنة، فلماذا تُركت الحديدة لسنوات أسيرة الاتفاقات والمساومات؟

*يمنية مقيمة في إنجلترا