لم تعد تلك اليمن التي عرفناها
كلما فتحت مواقع التواصل الاجتماعي، أشعر أنني أفتح النافذة الوحيدة التي ما تزال تطل بي على الوطن. أتنقل بين الصور والأخبار والوجوه والشوارع، أبحث، ربما دون أن أشعر، عن اليمن التي أعرفها، عن شيء يطمئنني إلى أن ذلك الوطن الذي تركناه خلفنا ما يزال هناك.
لكنني، سنة بعد أخرى، أجد أن اليمن التي في ذاكرتي تبتعد.
لم تعد تلك اليمن التي عرفناها.
أتحدث عن اليمن التي نشأ فيها جيلي، وجيل كامل من اليمنيين منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وما بعدها. لا أقول إنها كانت جنة، ولا أن الدولة كانت مثالية، ولا أن الفقر والظلم والفساد والمشكلات لم تكن موجودة. كانت هناك مشكلات كثيرة، وبعضها عميق ومزمن. لكننا، رغم كل ذلك، كنا نشعر أننا نعيش في بلد يحاول أن يمضي إلى الأمام.
كانت هناك دولة ندرس في مدارسها وجامعاتها، وطرقات تُشق، ومؤسسات تُبنى، وأحلام صغيرة تكبر معنا. كان الناس يتحدثون عن الدراسة والعمل والسفر والزواج وبناء البيت ومستقبل الأبناء. كانوا يختلفون سياسيًا ومناطقيًا واجتماعيًا، لكن الحياة نفسها كانت هي الأصل، وما عداها استثناء.
كنا نستمع إلى الكبار وهم يحكون لنا عن مراحل سابقة من تاريخ اليمن، وعن أنظمة مضت وصراعات حدثت، وكنا ننظر إلى تلك الحكايات باعتبارها جزءًا من ماضٍ تجاوزناه أو نحاول تجاوزه.
ولم يخطر ببالنا، حتى في أسوأ كوابيسنا، أن يأتي يوم ننظر فيه إلى اليمن التي عشنا فيها باعتبارها زمنًا جميلاً نفتقده.
ما الذي حدث لنا؟
ما القنبلة التي انفجرت داخل هذا الوطن، فلم تهدم البيوت والمؤسسات فقط، بل انفجرت داخل النفوس أيضًا؟
لقد تغيرت لغة المجتمع.
تسللت إلى حياتنا مفردات الموت والكراهية والثأر والانتقام والتخوين، حتى أصبحت مألوفة. وانتشرت العنصرية والمناطقية والسلالية والتشظي الاجتماعي، وصار الانتماء الأصغر في أحيان كثيرة أقوى من الانتماء إلى الوطن والإنسان.
والأخطر من الحرب نفسها أن الحرب بدأت تصنع ثقافتها الخاصة.
أصبح الموت يُمجَّد، والمواجهة تُقدَّم أحيانًا وكأنها فضيلة في ذاتها، والقسوة تُخلط بالقوة، وغلظة الكلام تُخلط بالشجاعة، وعبوس الوجه يُخلط بالرجولة.
وكأن الرجل لكي يكون رجلًا يجب أن يكون قاسيًا، غاضبًا، متحفزًا للمواجهة، قليل الابتسام، خشن العبارة.
أما من يتحدث عن السلام، وعن الموسيقى والغناء والفن والفرح والحب والحياة، فقد يبدو للبعض غريبًا عن المرحلة، وكأنه يتحدث بلغة جاءت من زمن آخر.
وهنا تكمن المأساة.
لأن الحرب لا تنتصر فقط عندما تقتل الناس، بل تحقق انتصارها الأكبر عندما تقنع الأحياء بأن الموت أكثر قيمة من الحياة.
وأنا أراقب صور اليمنيين المنشورة اليوم، تؤلمني الوجوه.
أرى وجوهًا أنهكها التعب. أجسادًا أضعفها شظف العيش. ملامح قاسية صنعتها الشمس والعمل والقلق وقلة الغذاء وطول الانتظار. أرى في كثير من الصور أناسًا لا يعيشون بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل يكافحون يومًا بعد يوم من أجل النجاة.
وهناك فرق هائل بين أن تعيش وأن تنجو.
الحياة أن تستيقظ وفي ذهنك مشروع للمستقبل.
أما النجاة فهي أن تستيقظ وأكبر أمنياتك أن ينتهي اليوم دون مصيبة.
الحياة أن تفكر أين ستدرس ابنتك، وما العمل الذي سيحصل عليه ابنك، وأين ستقضي العائلة إجازتها، وما الكتاب الذي ستقرأه، وما البيت الذي ستحاول شراءه بعد عشر سنوات.
أما النجاة فهي أن تفكر: كيف سأشتري طعام الغد؟ كيف سأدفع ثمن الدواء؟ هل سيعود ابني سالمًا؟ هل سيبقى راتبي؟ وهل سينتهي هذا الشهر دون كارثة جديدة؟
وهذا، في نظري، واحد من أكثر الأشياء إيلامًا فيما حدث لليمن.
لقد حُرم الإنسان اليمني حتى من ترف التفكير في الحياة، وأُجبر على استنزاف طاقته في محاولة النجاة منها.
ولهذا أريد أن أقول لأبناء وطني، وخصوصًا للأجيال الجديدة التي فتحت أعينها وسط هذه السنوات القاسية:
لا تسمحوا للحرب أن تعيد تعريف الحياة لكم.
لا تجعلوا الموت أمرًا عاديًا.
لا تجعلوا الكراهية طبيعية.
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الإنسان الذي يدعو إلى السلام ضعيف، أو أن الذي يحب الموسيقى والفن والضحك أقل رجولة من الذي يحمل السلاح ويتحدث عن الموت.
لا تجعلوا القسوة معيارًا للقوة.
فالإنسان القوي ليس من يستطيع أن يقتل، بل من يستطيع، حين يمتلك القوة، أن يمنع القتل.
ولا أقصد بهذا من يدافع عن بيته وأسرته وحياته عندما يفرض عليه الاعتداء ذلك. الدفاع عن النفس حق إنساني مفهوم. إنما أتحدث عن تحويل الموت إلى ثقافة، وعن دفع الناس إلى المعارك والصراعات وكأن حياتهم بلا قيمة، وعن إقناع الشاب بأن موته أسهل من أن يطالب بحقه في أن يعيش.
اسألوا دائمًا: لماذا نموت؟
ولأجل ماذا؟
ومن المستفيد من موتنا؟
ومن سيعيش بعد أن نموت نحن؟
لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة من أجل شعارات الآخرين ومصالحهم وصراعاتهم. لا تسمحوا لأحد أن يجعل أجسادكم وقودًا لمشروعه، بينما يحتفظ هو وأبناؤه بحقهم الكامل في الحياة.
طالبوا بحقكم في أن تعيشوا.
ومن حق اليمني أن يعيش.
من حقه أن يعمل ويحصل على راتب يكفيه.
من حقه أن يتعلم.
من حقه أن يسافر.
من حقه أن يحب ويتزوج ويبني بيتًا ويربي أبناءه دون خوف.
من حق الطفل اليمني أن يعرف الملعب أكثر مما يعرف صوت الرصاص، وأن يحفظ أسماء العلماء والرياضيين والفنانين أكثر مما يحفظ أسماء البنادق والجبهات.
ومن حق الشاب اليمني أن يحلم بوظيفة أو شركة أو جامعة أو اختراع، بدل أن يكون أكبر مشروع يُعرض عليه هو أن يصبح مقاتلًا في صراع لا يعرف متى بدأ ولا كيف سينتهي.
ومن حق الفتاة اليمنية أن تخطط لمستقبلها، لا أن تقضي عمرها خائفة من حرب أو فقر أو نزوح.
ومن حقنا جميعًا أن نفرح.
نعم، الفرح حق.
الموسيقى حق. الغناء حق. الأعراس حق. الحدائق حق. السفر حق. الضحك حق. الفن حق. كرة القدم حق. الجلوس مع الأصدقاء دون حديث عن الحرب حق.
هذه ليست تفاهات أمام القضايا الكبرى كما يعتقد البعض.
هذه هي الحياة نفسها.
ولا أطالب اليوم لليمنيين بالرفاهية، رغم أنهم يستحقونها مثل بقية شعوب الأرض. ولا أحلم لهم بالمدن الخارقة والقطارات السريعة وناطحات السحاب قبل أن تتحقق أبسط الأشياء.
أطلب شيئًا أقل من ذلك بكثير، وأكبر منه في الوقت نفسه:
دعوا اليمنيين يعيشون.
دعوا الإنسان اليمني يستعيد حياته العادية.
أن يستيقظ صباحًا ولا يخاف.
أن يذهب إلى عمله ويعود إلى أطفاله.
أن يجد طعامه ودواءه.
أن يختلف مع جاره دون أن يصبح عدوه.
أن ينتقد حاكمًا دون أن يصبح خائنًا.
أن يكون من منطقة مختلفة دون أن يصبح غريبًا.
أن يحمل اسمًا أو نسبًا مختلفًا دون أن يمنحه ذلك امتيازًا أو يحرمه من حق.
أن يكون اليمني إنسانًا أولًا.
لقد أخذت الحرب منا الكثير: أخذت أرواحًا، وبيوتًا، ومدارس، وطرقات، واقتصادًا، وأعمارًا كاملة. لكن أخطر ما يمكن أن تأخذه منا هو قدرتنا على تخيل حياة أخرى.
ولهذا يجب أن نقاوم، لا بالسلاح هذه المرة، بل بفكرة الحياة نفسها.
أن نقاوم تطبيع الموت.
أن نقاوم العنصرية.
أن نقاوم المناطقية والسلالية والكراهية.
أن نعيد الاعتبار للعلم والعمل والفن والموسيقى والجمال والرحمة والضحك.
وأن نقول لأطفالنا إن الرجولة ليست قسوة، وإن القوة ليست قتلًا، وإن الشجاعة ليست صراخًا، وإن الوطن لا يبنى بكثرة الموتى، بل بكثرة الأحياء القادرين على صناعة المستقبل.
لا أعرف متى ستعود اليمن التي عرفناها.
وربما لن تعود بالشكل نفسه، فالزمن لا يعود إلى الوراء.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
يمكن أن تولد يمن أفضل منها.
يمن لا يضطر أبناؤها إلى الهرب منها ثم قضاء أعمارهم يراقبونها من وراء شاشات هواتفهم.
يمن لا تكون مواقع التواصل الاجتماعي نافذتهم الوحيدة إليها.
يمن حين ننظر إلى صور أهلها لا نرى التعب وحده في وجوههم، بل نرى الحياة.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، يجب ألا نتوقف عن تذكير أنفسنا بشيء بسيط كدنا ننساه وسط كل هذا الضجيج:
نحن لم نولد لكي نموت من أجل صراعات الآخرين.
لقد ولدنا لكي نعيش.
واليمن أيضًا لم تُخلق لتكون مقبرة لأبنائها.
اليمن تستحق الحياة.
وأهلها يستحقون أن يعيشوا.



