7 أكتوبر حرب لم تُنهِ القضية
مع إحياء الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر، تستعاد تداعيات «طـ..وفان الأقصى» بوصفها محطة مفصلية في تاريخ الصراع الفلسـ..طيني الإسـ..رائيلي، تركت آثارًا عميقة تجاوزت حدود الميدان إلى السياسة والوعي والرأي العام العالمي. فمنذ ذلك اليوم، دخلت القضية الفلسـ..طينية مرحلة مختلفة أعادت ترتيب كثير من الحسابات، وأعادت حضورها إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها وإبقائها خارج أولويات السياسة العالمية.
كانت عملية «طوفان الأقصى» لحظة انفجار لصراع ظل يتراكم لعقود، لكنها فتحت في الوقت نفسه الباب أمام حرب واسعة دفعت غزة ثمنها الإنساني والعمراني الباهظ. وعلى امتداد سنوات الحرب، تراكمت الخسائر البشرية، واتسع نطاق الدمار، وتفاقمت أزمات النزوح والجوع والحصار، وتعرضت المساكن والمنشآت المدنية والبنية التحتية لخسائر هائلة، بينما تحولت الحياة اليومية للفلسطينيين إلى معركة متواصلة من أجل البقاء.
ولا يمكن قراءة السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب من زاوية عسكرية ضيقة؛ فالأحداث الكبرى تُقاس كذلك بما تتركه من تحولات في الوعي والسياسة وموازين القوة وصورة الصراع أمام العالم. ومن هذه الزاوية، أظهرت السنوات الماضية أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية.
فالقوة تستطيع إحداث دمار واسع وفرض وقائع ميدانية، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء قضية متجذرة في التاريخ والوعي، ولا صناعة شرعية سياسية دائمة. ورغم حجم العمليات العسكرية والدمار الذي أصاب قطاع غزة، بقيت القضية الفلسطينية حاضرة، بل استعادت مساحة واسعة في صدارة الاهتمام الدولي.
ومن أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب اتساع حضور القضية الفلسطينية في الوعي العالمي. فقد انتقلت من نطاق المفاوضات المغلقة والبيانات الرسمية إلى الجامعات والميادين والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وأصبح المشهد الإنساني في غزة حاضرًا بصورة يومية أمام الرأي العام في أنحاء مختلفة من العالم، بما أحدث تحولًا ملحوظًا في طبيعة النقاش حول الاحتلال وحقوق الفلسطينيين ومستقبل المنطقة.
وامتد هذا التحول إلى المجال القانوني الدولي. ففي 21 نوفمبر 2024 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وقالت المحكمة إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محددة، من بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين. وبغض النظر عن مآلات هذه الإجراءات، فإن انتقال جانب من الصراع إلى مسار قضائي دولي يمثل تطورًا مهمًا في آليات مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي، شهدت القضية الفلسطينية تحولات مهمة تمثلت في اتساع دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتصاعد الانتقادات الدولية لسياسات الاستيطان والاحتلال، وازدياد الدعوات إلى معالجة جذور الصراع بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه. وهذه التحولات لا تعني أن القضية وصلت إلى حل، لكنها تؤكد أن محاولة تجاوزها أو إبقاءها خارج جدول الأولويات الدولية لم تعد سهلة كما كانت.
ومع ذلك، فإن استعادة القضية الفلسطينية موقعها الدولي لا تعني أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام حل سريع، ولا أن موازين القوة تغيرت بصورة كاملة. فالاعتراف السياسي لا يصنع دولة بمفرده، والإجراءات القانونية لا تحقق العدالة تلقائيًا، والمواقف الدولية لا تتحول بالضرورة إلى سياسات فاعلة ما لم تساندها إرادة سياسية قادرة على تحويلها إلى خطوات عملية.
ويبقى الجانب الإنساني هو الأكثر قسوة في حصيلة الحرب. فخلف كل رقم قتيل إنسان وأسرة وحكاية، وخلف كل منزل مدمر حياة اقتُلعت من مكانها، وخلف كل مدرسة أو مستشفى خرج عن الخدمة مجتمع فقد جزءًا من قدرته على الاستمرار. ولذلك فإن اختزال الحرب في الخرائط العسكرية وحسابات القوة يجردها من حقيقتها الأهم: مأساة بشرية واسعة تركت آثارًا عميقة في حياة الفلسطينيين ومستقبل أجيال كاملة.
وفي المقابل، فإن ضخامة التضحيات تفرض مسؤولية فلسطينية كبيرة في إدارة المرحلة المقبلة. فالصمود يحتاج إلى إطار سياسي يحمي نتائجه، والتضحيات تحتاج إلى مشروع وطني يحولها إلى قوة سياسية وحقوقية، والقضية تحتاج إلى وحدة وطنية قادرة على منع تفتيتها وتحويلها إلى أوراق متفرقة في صراعات الإقليم.
الوحدة الوطنية الفلسطينية ليست مجرد قيمة معنوية، وإنما ضرورة سياسية. فكلما اتسع الانقسام تراجعت القدرة على صياغة موقف جامع، وكلما توحدت الرؤية ازدادت إمكانية تحويل الحضور الشعبي والدولي للقضية إلى تأثير سياسي حقيقي. ومن دون رؤية وطنية واضحة، يمكن أن تبقى التضحيات كبيرة، بينما تظل نتائجها السياسية محدودة ومهددة بالتبدد.
ومفهوم القوة يحتاج إلى قراءة أكثر شمولًا. فالقوة التي تحمي الشعوب وتدافع عن حقوقها لا تنحصر في السلاح، وإنما تشمل القدرة السياسية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية والشعبية، إلى جانب الصمود في مواجهة الضغوط. وحين تتكامل هذه العناصر، يصبح الانتقال من مجرد مواجهة الحرب إلى بناء شروط سياسية أكثر قدرة على إنتاج الحقوق أمرًا ممكنًا.
لقد غيّر السابع من أكتوبر الكثير من الحسابات، لكنه لم يضع نهاية للصراع. وأثبتت السنوات التي تلته أن الحرب، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع وحدها تقديم حل تاريخي لقضية فلسطينية ممتدة، وأن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى اختفائها، بل يراكم أسباب الانفجار ويجعل كلفة المستقبل أكبر.
بعد كل ما جرى، أصبحت حقيقة أساسية أكثر وضوحًا: القضية الفلسطينية لا يمكن دفنها تحت الركام، ولا إلغاءها بالقوة، ولا اختزالها في ترتيبات أمنية مؤقتة. فالاحتلال والحقوق الوطنية الفلسطينية ومستقبل الدولة الفلسطينية ستظل عناصر أساسية في أي تسوية جادة للصراع.
ومن هنا تتحدد أهمية المرحلة المقبلة في تحويل ما كشفته الحرب إلى مسار سياسي مختلف؛ مسار يقوم على حماية المدنيين، وإنهاء الاحتلال، وصون الحقوق الفلسطينية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ الحضور السياسي والقانوني للقضية، وصولًا إلى دولة فلسطينية ذات سيادة وحقوق كاملة.
السابع من أكتوبر غيّر المشهد، لكنه لم ينهِ القضية. وقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة وحدها لا تستطيع إغلاق ملف سياسي متجذر، وأن الصمود حين يتحول إلى مشروع سياسي، والتضحيات حين تتحول إلى قوة حقوقية ودبلوماسية، يمكن أن يصبحا جزءًا من طريق طويل نحو الحرية والكرامة وتقرير المصير.



