في الحرب: متى يصمت الأدب ومتى يستيقظ؟
لعل العبارة المنسوبة إلى نجيب محفوظ ففي تصريح نشر عقب حرب أكتوبر في 15 نوفمبر 1973، (قال إن الأدب الحقيقي عن الحرب لا يُنتظر فورًا؛ لأن الحدث يحتاج إلى أن «يتغلغل في النفس»، وأن الأدب قد لا يكون عن المعركة نفسها، بل عن التحول الذي تُحدثه الحرب في نفس الإنسان. كما أن محفوظ قال في حوار آخر إن الكتابة عن الحرب «كحرب» ليست في إمكانه، مع أن الحرب وظلالها حضرت في أعماله بطرائق أخرى).

وفي معناها لا في حرفها، بأن المدافع حين تتكلم يضيق مجال الأدب أو يصمت الأدب ، تفتح مدخلًا مختلفًا لفهم علاقة الأدب بالحرب؛ فالأدب لا ينافس المدفع في سرعة الاستجابة، ولا يستطيع أن يكون نشرةً فورية للحدث، لأن مادته الحقيقية ليست الانفجار الذي يقع خارج الإنسان، وإنما الأثر الذي يستقر في داخله بعد أن تهدأ الضوضاء الأولى. وقد عبّر محفوظ، في حديثه عن أدب الحرب بعد أكتوبر، عن معنى قريب من ذلك حين رأى أن الحدث يحتاج إلى أن يتغلغل في النفس قبل أن يتحول إلى أدب، وأن الحرب قد تظهر في الأدب لا باعتبارها معركة وأسلحة، وإنما باعتبارها تحولًا عميقًا في الإنسان.

وهذا التأخر الظاهري ليس عجزًا عن المقاومة، بل هو في جوهره مقاومة لنزعة الاستجابة السريعة التي تجعل الإنسان أسير اللحظة، وتدفعه إلى إنتاج معنى قبل أن تتضح له حقيقة ما جرى. فالحرب، بمجرد وقوعها، تصنع ضجيجها الخاص، وتصنع معه روايتها، وتستدعي اللغة التي تبررها، وتمنح القتل أسماءً مختلفة بحسب الجهة التي تتكلم. أما الأدب والفكر فلا يستطيعان أن يكتفيا بما تقوله الجبهة عن نفسها؛ إنهما معنيان بما يقع خلف الجبهة، في النفس والمجتمع والذاكرة، وفي ذلك الجزء من الوعي الذي قد يستمر في إنتاج الحرب حتى بعد أن تتوقف المدافع.
لهذا ربما لا يكون السؤال عن تأخر الأدب عن الحرب، بقدر ما يكون عن تأخره عن فهم الإنسان الذي أنتج الحرب والذي بقي أسيرًا لآثارها.
مرض الفكرة
الحرب ليست دائمًا البداية، بل قد تكون النتيجة الظاهرة لمرض أقدم منها يسكن في بنية المجتمع وفي تصور الإنسان لذاته وللآخر. وحين تتضخم صورة الجماعة عن نفسها حتى ترى وجودها امتيازًا على غيرها، وحين تتحول الذاكرة إلى حجة ملكية، والتاريخ إلى سند استحقاق، والمقدس إلى أداة تمنح السلطة حصانة من النقد، يصبح العنف أكثر من ممارسة مادية؛ يصبح تعبيرًا عن تصور يرى الذات أعلى من أن تخضع للمساءلة، ويرى الآخرين أقل من أن يكون لهم الحق نفسه في الوجود والكرامة والمشاركة.
في هذه المنطقة تتجاوز الحرب معناها العسكري لتصبح عرضًا لمرض في الوعي الاجتماعي. فالفكرة التي كانت مرتبطة بظرف تاريخي محدد قد تستمر بعد زوال شروطها المادية، وتتحول من ظاهرة تاريخية إلى اعتقاد متعالٍ على التاريخ، ثم إلى طوطم سياسي يستمد مشروعيته من مجرد بقائه في الذاكرة. وهنا يستطيع الماضي، بعد أن فقد شروطه الواقعية، أن يستعيد حضوره في صورة وهم؛ لا لأنه ما زال قادرًا على تفسير الحاضر، وإنما لأن الجماعة تمنحه قوة الاعتقاد.
وهذا هو الوجه الأخطر في التصورات المتعالية للذات: أنها لا تكتفي بأن تقول «نحن مختلفون»، بل تنتهي إلى القول «نحن أحق»، ثم لا تلبث أن تجعل هذا الحق سابقًا على الإنسان نفسه، وكأن التاريخ قد منح بعض البشر تفويضًا دائمًا في الحاضر، وكأن المقدس يستطيع أن يحول الامتياز التاريخي إلى قانون أبدي.
وعندما تصل الفكرة إلى هذه الدرجة، لا يعود استئصال المرض ممكنًا بمجرد إسقاط حامله؛ لأن إسقاط حامل الفكرة لا يعني بالضرورة سقوط بنيتها. قد ينتقل المرض إلى الجهة المقابلة، وقد يعيد إنتاج نفسه تحت راية أخرى، ويصبح انتصار الضحية السابقة مجرد بداية لسلطة جديدة تحمل منطق خصمها وهي تظن أنها هزمته.
نقيض العنف
لهذا تبدو المسافة بين المقاومة والمماثلة هي المسألة الأخلاقية الأعمق في كل صراع. فمواجهة فعل بغيض بفعل مماثل قد تغير مواقع القوة، لكنها لا تغير المنطق الذي جعل الفعل ممكنًا؛ أما المقاومة التي تريد أن تؤسس نقيضًا حقيقيًا للعنف، فإنها لا تكتفي بإيقاف اليد التي تمارس القهر، بل تحاول أن تمنع إنتاج القهر في الوعي الذي سيأتي بعدها.
إذا كان المرض هو الاستعلاء، فلا يمكن أن يكون علاجه استعلاءً مضادًا. وإذا كانت المشكلة في احتكار الحقيقة، فلا يمكن أن تكون الخلاص في احتكار حقيقة أخرى. وإذا كان المقدس قد استُخدم لتأسيس امتياز فوق المجتمع، فإن مقاومته لا تكون بصناعة مقدس سياسي جديد يطالب بالامتياز نفسه، وإنما باستعادة الإنسان إلى مركز الشرعية، بحيث يصبح المقدس قيمة أخلاقية لا سلطةً مادية فوق البشر.
من هنا يصبح النقيض الخلاق للعنف أكثر صعوبة من العنف نفسه، لأنه لا يكتفي بالغلبة، وإنما يحمل منذ لحظة مقاومته صورة العالم الذي يريد أن ينشئه بعد الغلبة. فإذا كانت الوسيلة نسخةً من المرض، فلن يكون في النتيجة إلا امتداد له، ولو تغيرت الأسماء والرايات.
المقاومة التي تستحق معناها الإنساني هي التي تستطيع أن تقاوم دون أن تستعير البنية الأخلاقية لخصمها؛ أن تواجه الاستبداد دون أن تصبح استبدادًا، وأن ترفض احتكار الوطن دون أن تبحث عن احتكاره باسم جديد، وأن تدافع عن الإنسان دون أن تجعل الإنسان مادةً في مشروعها.
الإنسان والجذر
وليس معنى وضع الإنسان في مركز الشرعية أن يُقتلع من جذوره التاريخية، فليس الإنسان كائنًا بلا ذاكرة حتى يصبح التاريخ عبئًا ينبغي التخلص منه. الإنسان ممتد في اللغة والأرض والذاكرة والأسلاف والحكايات والمقابر والعمل والرموز، وفي ذلك كله تتكون علاقته بالمكان وبمعنى الانتماء.
لكن الجذر التاريخي شيء، وتحويل الجذر إلى امتياز سياسي أبدي شيء آخر.
فالإنسان لا يصبح مالكًا للتاريخ كله لأنه ينتمي إلى جماعة قديمة، كما لا يفقد حقه في المكان لأن جماعة أخرى تملك رواية تاريخية مختلفة. وحين يتحول التاريخ إلى سند لإلغاء الحاضر، يتحول الجذر من ذاكرة إلى طوطم، ومن الطوطم إلى سلطة، ومن السلطة إلى حق مزعوم في امتلاك الآخرين.
وهنا يلتقي التاريخ بالجغرافيا في مأزق واحد: فالإنسان قد يُختزل مرة إلى جذر، ومرة إلى موقع. في الحالة الأولى يصبح وجوده السياسي تابعًا لأسطورة الأصل، وفي الثانية يصبح وجوده تابعًا لقيمة الأرض في الحساب الجيوسياسي. وفي الحالتين يغيب الإنسان الحقيقي، ذلك الذي يعيش على الأرض لا بوصفها نقطة في خريطة، ولا بوصفها برهانًا على استحقاق أسطوري، وإنما بوصفها بيتًا وذاكرة ومستقبلًا.
الحق الجيوسياسي
الجغرافيا الحديثة لا تنظر إلى الأرض بالطريقة التي ينظر إليها ساكنها؛ فهي تراها ممرًا، وموقعًا، وحدودًا، وميناءً، وعمقًا استراتيجيًا، ومجال نفوذ، ونقطة اتصال بين مصالح متعارضة. وكل ذلك يدخل بصورة مشروعة في حساب الدول، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الإنسان نفسه تابعًا لهذه الحسابات، فيغدو مهمًا بقدر ما تقتضيه قيمة الموقع، أو يصبح الوطن قطعة في رقعة أكبر لا يملك سكانه حق تحريكها.
لهذا لا يكفي أن نقول إن للأرض حقًا جيوسياسيًا، كما لا يكفي أن نقول إن للإنسان حقًا تاريخيًا؛ فالحق الذي يتجاهل الإنسان يتحول إلى حساب للقوة، والحق التاريخي الذي يلغي الآخرين يتحول إلى أسطورة استحقاق. وبينهما ينبغي أن تستعاد السياسة إلى أصلها الإنساني، بحيث تكون الجغرافيا في خدمة المجتمع، لا المجتمع مادةً في خدمة الجغرافيا.
إن الإنسان أقدم من الخرائط الحديثة، لكن هذا لا يعني أن أحدًا يملك التاريخ كله، كما أن الدولة الحديثة أقدر على رسم الحدود من الإنسان الفرد، لكنها لا تملك الحق في اختزال حياته إلى خطوط على الخريطة.
الوطن والسيادة
من هنا تأتي حساسية التدخلات الخارجية في المشاريع الوطنية. فالعلاقة مع الخارج ليست شرًا في ذاتها، كما أن الاستعانة بالقوة الخارجية لا تفقد المشروع الوطني معناه بمجرد وجودها؛ فالدول والمجتمعات تتفاعل، وتتحالف، وتستعين، وتتبادل المصالح، ولا يمكن عزل التاريخ السياسي عن هذا التشابك.
لكن الفارق يبدأ عندما تنتقل المساعدة من حماية مشروع يعرّف نفسه من الداخل إلى إعادة تعريف المشروع نفسه من الخارج.
عندها لا يعود الخارج شريكًا في لحظة تاريخية، وإنما يصبح طرفًا في صياغة الغاية. وتصبح الجغرافيا الوطنية قابلة لإعادة التوزيع وفق مصالح لا تنشأ من المجتمع نفسه، ويتحول القرار الوطني تدريجيًا من تعبير عن إرادة المجتمع إلى وظيفة في منظومة مصالح أوسع منه.
والسيادة، في معناها الأعمق، ليست مجرد قدرة الدولة على رفع علمها على الحدود؛ إنها قدرة المجتمع على أن يبقى صاحب تعريف مصلحته، وصاحب الحق في صياغة مستقبله، وصاحب القرار في مقدار ما يقبله من التحالفات والتدخلات، دون أن يتحول إلى مادة في مشروع الآخرين.
قد يحتاج الوطن إلى العالم، لكنه لا ينبغي أن يفقد نفسه في العالم.
المقاومة والفسيفساء
وهنا تتعقد صورة الحرب أكثر، لأن القوى المتداخلة فيها لا تتحرك بالضرورة وفق منطق واحد. قد يقاوم مجتمع من أجل وجوده، بينما تتحرك قوى أخرى وفق حسابات المواقع والممرات والنفوذ والتوازنات الإقليمية. وقد تتقاطع المصالح مع المقاومة في مرحلة، ثم تنفصل عنها عندما تتغير قيمة الجغرافيا أو تتغير أولويات القوى الخارجية.
وعندها قد يصبح الوطن فسيفساء تتحرك قطعها من خارجها، بينما يبقى المجتمع هو الذي يدفع الثمن.
وهذه هي المفارقة التي تجعل بعض الصراعات عصية على القراءة الثنائية السهلة؛ فالمقاومة الحقيقية قد تتعرض للتنكيل والهزيمة، لا لأنها تفتقر إلى مشروعية مطلبها بالضرورة، وإنما لأن ميزان القوى الذي يحيط بها لا يتحرك كله وفق المعيار الذي تتحرك به. فالإنسان قد يقاتل دفاعًا عن بيته وكرامته، بينما ترى قوة أخرى في الأرض ممرًا أو موقعًا أو ورقة تفاوض، وقد يلتقي الطرفان مؤقتًا دون أن يكون لهما الهدف نفسه.
وحين تتقدم الجغرافيا على الإنسان، يصبح النصر العسكري نفسه قابلًا لأن يكون هزيمة في المعنى؛ لأن السيطرة على المكان لا تعني بالضرورة امتلاك الشرعية، كما أن خسارة المعركة لا تعني بالضرورة سقوط الحق الذي قامت من أجله.
الكلمة والضمير
لذلك يبدو الصمت في زمن الحرب أكثر تركيبًا مما يبدو عليه من الخارج. فالصمت قد يكون رفضًا للمشاركة في إنتاج الضجيج، وقد يكون محاولة لحماية الكلمة من أن تتحول إلى ذخيرة في معركة لا تعرف حدودها. لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى انسحاب من مسؤولية تسمية الأشياء، لأن الفراغ الذي يتركه العقل لا يبقى فارغًا؛ تملؤه الدعاية، والأسطورة، والخوف، والمصلحة، وكل أولئك الذين لا يترددون في تقديم رواية مكتملة قبل أن يكتمل الحدث نفسه.
ومن هنا لا أجد أن المطلوب هو الكلام لمجرد الكلام، ولا الصمت لمجرد الصمت، وإنما أن تظل الكلمة وفية للإنسان الذي من أجله تستحق أن تقال.
أن أرفض اختطاف الدولة لا يعني أن أهب براءتي لكل من يقاوم مختطفها. وأن أرفض التدخل الخارجي لا يعني أن أبرئ المشروع الذي يتذرع به. وأن أرفض الاستعلاء الديني أو التاريخي لا يعني أن أنكر جذور الإنسان في التاريخ. وأن أرفض تحويل الوطن إلى غنيمة جيوسياسية لا يعني أن أرفض حق المجتمع في الدفاع عن أرضه.
الموقف الأخلاقي الحقيقي هو القدرة على الاحتفاظ بهذه التمايزات كلها في زمن تحاول فيه الحرب إجبار الإنسان على الاختيار بين صورتين فقط.
بعد المدفع
ربما لهذا يتأخر الأدب.
إنه لا يريد أن يكون تابعًا لصوت المدفع، ولا أن يتحول إلى مكبر صوت لأحد طرفي المعركة. إنه ينتظر أن ينكشف الإنسان من تحت طبقات الشعارات، وأن يسقط شيء من الغبار الذي يجعل كل طرف يرى نفسه بريئًا والآخر مذنبًا على إطلاقه.
الأدب لا يملك المدفع، لكنه يملك شيئًا أكثر بطئًا وأبعد أثرًا: القدرة على أن يسأل الإنسان عن صورته بعد أن تنتهي الحرب، وأن يكشف له أن الانتصار الذي يعيد إنتاج المرض ليس شفاءً، وأن المقاومة التي تنتهي إلى استنساخ خصمها لم تتحرر تمامًا منه، وأن الوطن الذي يسترد أرضه ثم يفقد إنسانه لم يسترد كل شيء، وأن الإنسان الذي يحفظ جذوره دون أن يعترف بجذور الآخرين قد حوّل التاريخ إلى سلاح.
لهذا لا يكون نقيض الحرب مجرد توقف المدافع، وإنما انحسار الأفكار التي تجعل الحرب قابلة للتكرار.
وهنا تصبح الكلمة مقاومة من نوع آخر؛ لا لأنها تنافس الرصاصة، وإنما لأنها تمنع الرصاصة من أن تتحول إلى فلسفة، وتمنع القوة من أن تتحول إلى حق، والتاريخ من أن يتحول إلى ملكية، والمقدس من أن يتحول إلى سلطة، والجغرافيا من أن تتحول إلى قدر، والانتصار من أن يتحول إلى تفويض أبدي.
قد تتكلم المدافع قبل الأدب، لكن الأدب يأتي لاحقًا ليكشف ما لم تستطع المدافع أن تقوله.
إنه لا يكتب عن الحرب وحدها؛ إنه يحاول أن يعرف أي إنسانٍ كان ذلك الذي احتاج إلى الحرب، وأي إنسان يمكن أن يخرج منها دون أن يحملها في داخله.



