الثلاثاء 6 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • الثورة من الخارج والهزيمة من الداخل..

الثورة من الخارج والهزيمة من الداخل..

ليس أصعب على اليمني اليوم من أن يحاول فهم ما الذي حدث لبلاده خلال أكثر من عقد من الحرب.

كل طرف يملك روايته الجاهزة. الحوثيون يقولون إنهم واجهوا عدوانا خارجيا ومؤامرة على اليمن، وإنهم وحدهم حملوا راية الاستقلال ومواجهة الخارج. والشرعية تقول إنها الدولة التي سقطت بانقلاب، وإنها تقاتل لاستعادة الجمهورية وإنقاذ اليمن من مشروع طائفي مدعوم من إيران.

وبين الروايتين ضاع السؤال الأهم:

أين اليمن؟

يمكن اختصار المأساة اليمنية خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية في جملة واحدة:

ثورة من الخارج وهزيمة من الداخل..

الثورة من الخارج ليست لأن اليمنيين لم يثوروا، ولا لأن سقوط صنعاء لم يكن حدثا يمنيا داخليا، وإنما لأن مشروع استعادة الدولة تحول تدريجيا إلى مشروع يعتمد على الخارج في الحرب والسياسة والمال والقرار.

أما الهزيمة من الداخل، فهي هزيمة الحوثيين أيضا، حين اختاروا تحويل جماعة مسلحة إلى سلطة، والسلطة إلى عقيدة، والعقيدة إلى نظام مغلق لا يرى اليمن إلا من خلال الجماعة.

وهنا تكمن المفارقة اليمنية الكبرى:

الشرعية امتلكت الاعتراف الدولي ولم تستطع أن تصنع دولة، والحوثيون امتلكوا السيطرة على الأرض ولم يستطيعوا أن يصنعوا وطنا.

شرعية بحاجة إلى من يشرعنها

عندما تدخل التحالف العربي في مارس 2015 كان الهدف المعلن إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء. لكن عشر سنوات من الحرب أثبتت أن امتلاك الاعتراف الدولي لا يعني امتلاك الدولة.

توزع المعسكر المناهض للحوثيين بين قوى ومراكز نفوذ مختلفة، لكل منها حساباتها وعلاقاتها الخارجية ومصالحها العسكرية والسياسية. السعودية دعمت قوى، والإمارات دعمت قوى أخرى، والحكومة حاولت أن تجمع الجميع تحت مظلة واحدة، لكن المظلة نفسها كانت مثقوبة.

وقد وثقت مراكز بحثية دولية هذا التناقض، مشيرة إلى اختلاف الأجندات السعودية والإماراتية، وإلى أن دعم قوى جنوبية مسلحة خلق تناقضا مع هدف بناء سلطة حكومية يمنية موحدة.

وهنا لا يصبح السؤال: لماذا لم تنتصر الشرعية؟

بل: أي شرعية نتحدث عنها؟

شرعية بلا جيش وطني موحد، وبلا قرار اقتصادي مستقل، وبلا مشروع سياسي واضح، وداخلها قوى تتصارع على النفوذ والمستقبل.

حتى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي لم يلغ المشكلة، بل جمع خصوم الحوثيين في مؤسسة واحدة دون أن ينهي اختلاف مشاريعهم.

عندما يصبح الوطن وظيفة

المشكلة الأخطر في تجربة الشرعية ليست فقط اعتمادها على الخارج، وإنما أنها لم تقدم طوال سنوات الحرب نموذجا مقنعا للدولة التي يفترض أن تقاتل باسمها.

الدولة ليست علما في الأمم المتحدة، ولا مقعدا سياسيا، ولا راتبا أو منصبا.

الدولة مدرسة تعمل، ومستشفى، وقضاء، وكهرباء، وطريق، وعملة تحفظ ما تبقى من دخل الناس، وأمن لا يخاف فيه المواطن من الجندي أكثر مما يخاف من المسلح.

البنك الدولي أكد أن الاقتصاد اليمني انقسم إلى منطقتين اقتصاديتين بمؤسسات نقدية وأسعار صرف مختلفة، وأن نصيب الفرد من الناتج الحقيقي انخفض بنحو 58% منذ 2015.

ولا يمكن تحميل الحوثيين وحدهم مسؤولية هذا الانهيار، فالحرب والانقسام وتوقف صادرات النفط عوامل أساسية، لكن النخب السياسية والعسكرية تتحمل أيضا مسؤولية العجز عن بناء مؤسسات وطنية قادرة على الصمود.

وهنا تظهر قضية اقتصاد الحرب.

فالحرب الطويلة خلقت مصالح مرتبطة باستمرارها، وأصبح بعض الفاعلين أكثر استفادة من الأزمة من استفادتهم من انتهائها.

وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة.

أن يصبح السلام تهديدا لمصالح من يعيشون على الحرب.

لكن ماذا عن الحوثيين؟

هنا يجب أن يكون الكلام واضحا.

إذا كانت الشرعية أخفقت في بناء الدولة، فإن الحوثيين أخفقوا في فهم معنى الدولة نفسها.

كان بإمكان الحوثيين، بعد سيطرتهم على صنعاء، أن يتحولوا إلى قوة سياسية يمنية، وأن يدخلوا في تسوية وطنية، وأن يثبتوا أن مشروعهم يتجاوز الجماعة والسلاح والانتماء الطائفي.

لكنهم اختاروا السيطرة.

ثم أعادوا تعريف الدولة بما يتناسب مع الجماعة.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت القوة بديلا عن السياسة، والقمع بديلا عن التوافق.

تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وثقت الاعتقالات التعسفية وتجنيد الأطفال والتضييق على المجتمع المدني والعاملين الإنسانيين. كما وثقت تقارير دولية الدعم العسكري والتقني الذي تلقاه الحوثيون من إيران وحلفائها.

المشكلة هنا ليست فقط في وجود دعم خارجي، فمعظم أطراف الصراع اليمني أقامت علاقات مع الخارج.

المشكلة أن الحوثيين حولوا السلاح والعلاقة الخارجية إلى جزء من بنية السلطة نفسها.

لقد استطاعوا الصمود عسكريا، لكن الصمود العسكري ليس دولة.

يمكنك أن تسيطر على صنعاء، وأن تمنع خصومك من التظاهر، وأن تسجن الصحفي، وأن تجند آلاف المقاتلين، لكنك لا تستطيع أن تجبر شعبا كاملا على أن يحب مشروعك.

القوة التي لا تنتج شرعية سياسية تتحول مع الوقت إلى عبء على صاحبها.

عشر سنوات أثبتت فشل الطرفين

السعودية والإمارات وحلفاؤهما امتلكوا الطيران والمال والسلاح والغطاء السياسي، لكنهم لم يستطيعوا إنتاج انتصار سياسي ينهي الحرب.

والحوثيون امتلكوا الأرض والسلاح والقدرة على التعبئة والدعم الإيراني، لكنهم لم يستطيعوا بناء دولة يتفق عليها اليمنيون.

الخارج لم يستطع أن يصنع دولة من فوق.

والداخل لم يستطع أن يصنع دولة من تحت.

والضحية في الحالتين هي اليمن.

حتى مراكز الأبحاث الدولية حذرت من أن أي تفاهم سعودي حوثي لا يمكن أن يكون بديلا عن تسوية يمنية شاملة، لأن القوى المناهضة للحوثيين نفسها متعددة ومتناقضة.

وهنا يكمن جوهر المأساة.

اليمن لا يحتاج إلى انتصار سعودي على الحوثي، ولا إلى انتصار إيراني على السعودية، ولا إلى انتصار الشرعية على المجلس الانتقالي، ولا إلى انتصار الحوثي على الجمهورية.

اليمن يحتاج إلى انتصار اليمن على كل هذه المشاريع..

الحوثي ليس بريئا من خراب اليمن.

والشرعية ليست بريئة منه أيضا.

والتحالف ليس خارج الحساب، وإيران ليست خارج الحساب، والنخب السياسية والعسكرية والقبلية ليست خارج الحساب.

لقد تحول اليمن إلى ساحة لصراعات أكبر منه، بينما ظل المواطن يدفع الثمن.

والأخطر أن اليمنيين بدأوا يتعاملون مع الحرب وكأنها قدر أبدي.

لكن الحرب ليست قدرا.

المشكلة أن الجميع يريد أن ينتصر، ولا أحد يريد أن يعترف بأن اليمن نفسه يجب أن ينتصر أولا.

اليمن لا يحتاج إلى جماعة دينية مسلحة تفرض تصورها على المجتمع، ولا إلى سلطة سياسية تعيش على الدعم الخارجي وخارج البلد ، ولا إلى نخب تجعل من الحرب وطنا مؤقتا.

يحتاج إلى دولة واحدة، وجيش وطني واحد، واقتصاد واحد، وقضاء واحد، وقرار سياسي يخرج من صنعاء وعدن وتعز ومأرب وكل مدينة وقرية يمنية، لا من العواصم الخارجية.

لا يعني ذلك قطع العلاقة مع العالم، وإنما يعني أن تكون علاقة اليمن بالعالم من موقع الدولة، لا من موقع الوكيل.

لقد جربنا الشرعية المدعومة من الخارج، وجربنا الجماعة المسلحة المدعومة من الخارج.

والنتيجة واحدة:

اليمن خسر.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الحوثي وحده، وليست مع الشرعية وحدها.

إنها مع الفكرة التي أوصلتنا إلى هنا:

أن يستطيع أي طرف أن يختصر اليمن في نفسه.

اليمن أكبر من الحوثي.

وأكبر من الشرعية.

وأكبر من التحالف.

وأكبر من إيران.

وأكبر من كل النخب التي جعلت من الحرب وطنا مؤقتا.

وربما آن الأوان لأن تبدأ الثورة الحقيقية من مكان آخر:

من الداخل.. من اليمن نفسه.