صباح النصر يا إخواني
كلما قلنا إن الفرج اقترب، وإن النصر بدأ يلوح في الأفق، جاءت بعض المواقف الصغيرة لتذكرنا بأن الطريق إلى النصر لا يزال يحتاج إلى كثير من الوعي، لأن بعض الجراح القديمة لم تلتئم بعد.
نحن اليوم أمام معركة وطنية، وقلنا بوضوح: لنضع خلافاتنا جانبا، ولنترك السفسطة والمماحكات الصغيرة، ولنحاول أن نتجاوز المناطقية والعنصرية وكل ما زرعته سنوات الصراع في نفوسنا.
لقد عانى اليمنيون جميعا من أنظمة الصراع والاستبداد، ودفعوا أثمانا باهظة، وليس من الإنصاف أن يتحول ما أصابنا بالأمس إلى مبرر لاستمرار الكراهية اليوم.
المؤسف أن يأتي البعض، في منتصف المعركة، ليعيد بث السموم نفسها، فيرفع فئة إلى السماء، ثم يترك الآخرين للتصنيف والإدانة كما يشاء. يقول للجنوبيين: أنتم الأبطال، أنتم الشوامخ، أنتم وحدكم... ثم يضع بقية اليمنيين في خانات يصنعها مزاجه السياسي وميراثه من الخصومة.
نعم، لكل إنسان جراحه، ولكل جماعة ذاكرتها، ولكل منطقة مظالمها. لكن الفرق بين من يريد بناء المستقبل ومن يريد البقاء أسيرا للماضي هو القدرة على تجاوز الألم دون إنكار ما حدث.
يا إخواني، إذا كنا قد اتفقنا على خوض معركة وطنية، فاتركوا الوطن ينتصر أولا.
ليس هذا وقت استفزاز الناس، ولا وقت استدعاء الأحقاد، ولا وقت تحويل المعركة من مواجهة مشروع يهدم الدولة إلى صراع بين أبناء الوطن الواحد.
لكل من لديه قضية أو مظلمة: احتفظ بحقه، وعبر عنها في وقتها، وبالوسائل السياسية والقانونية والمدنية. أما في لحظة تتطلب توحيد الصف، فلا تجعل من جراحك القديمة سلاحا في وجه من يقف معك في الخندق نفسه.
والأخطر من ذلك أن استمرار خطاب المناطقية والكراهية قد يخدم، بقصد أو من دون قصد، القوى التي لا تريد لليمن أن يستعيد دولته ومؤسساته. فحين ينشغل اليمنيون بالصراع على منطقة، أو قرية، أو أرض، أو علم، أو نشيد، أو كلمة، تضيع القضية الكبرى من بين أيديهم.
يريدوننا أن نبقى في القاع: منهكين، متخاصمين، نستهلك أعمارنا في معارك صغيرة، بينما تتراجع الدولة وتتآكل مؤسساتها ويضيع مستقبل أبنائنا.
نحن بحاجة إلى أن نكبر بحجم الوطن، لا أن نصغر بحجم الجراح.
النصر ليس فقط أن تتقدم الجبهات؛ النصر الحقيقي أن نتقدم في وعينا أيضا، وأن نخرج من الحرب أكثر قدرة على التعايش، وأكثر تمسكا بالمواطنة، وأكثر إيمانا بأن اليمن يتسع للجميع.
صباح النصر... وصباح العقل الذي يعرف متى يتحدث عن جراح الأمس، ومتى يضع يده في يد أخيه ويقول: دعونا ننقذ الوطن أولا.



