السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • اليمن بين استنزاف الجبهات وإعادة ترتيب القوة: هل يتكرر سيناريو الساحل في تعز؟

اليمن بين استنزاف الجبهات وإعادة ترتيب القوة: هل يتكرر سيناريو الساحل في تعز؟

يدخل اليمن مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع إعادة ترتيب واسعة لموازين القوة داخل المعسكر المناهض لجماعة الحـ..وثي. فالحرب التي بدأت بوصفها صراعًا على الدولة ومؤسساتها تحولت، خلال أكثر من عقد، إلى شبكة معقدة من القوى والتشكيلات والمشاريع السياسية والعسكرية، لكل منها تاريخها وقيادتها ومصادر دعمها وحساباتها الخاصة.

وفي الوقت نفسه، تجري عملية واسعة لإعادة هيكلة القوات التابعة للحكومة، بدعم سياسي وعملياتي سعودي وبالتعاون مع الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي. وشملت العملية إعادة ترتيب القيادات، وتغيير هياكل القوات، وتنظيم بيانات الأفراد والرواتب، ومحاولات دمج تشكيلات عملت لسنوات بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن مؤسسات الدولة. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن هذا المسار بدأ بصورة أكثر وضوحًا منذ مطلع 2026، مع إنشاء اللجنة العسكرية العليا وإعادة تنظيم عدد من القوات والقيادات.

لكن إعادة الترتيب تجري في توقيت عسكري شديد الحساسية. فالجبهات التي ظلت خلال السنوات الماضية أقرب إلى الجمود النسبي بدأت تشهد عودة للقتال وضغوطًا ميدانية متزايدة. وفي تعز تصاعدت المواجهات بصورة واضحة، بينما ظلت مأرب والساحل الغربي ضمن أبرز ساحات الضغط العسكري.

ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الهيكلة ذاتها: هل يمكن أن يؤدي تزامن إعادة ترتيب القوة مع تصاعد القتال إلى استنزاف بعض الجبهات، أو إلى إضعاف قدرتها على الصمود، ولو بصورة غير مقصودة؟

لا توجد أدلة علنية تثبت وجود قرار متعمد بإضعاف تعز أو مأرب أو قوة بعينها. لكن تزامن الأحداث يفتح بابًا لتحليل آخر: هل يمكن أن تتحول الضغوط العسكرية التي يفرضها الحوثيون إلى عامل ضغط سياسي وعسكري على القوى التي تتحفظ على ترتيبات الهيكلة؟

خريطة عسكرية تشكلت خلال الحرب

لم تتشكل القوى المناهضة للحوثيين وفق خطة عسكرية واحدة. ففي مأرب وتعز، حافظ الجيش والمقاومة على حضور رئيسي في خطوط المواجهة، بينما ظهرت في الساحل الغربي بنية عسكرية مختلفة ضمت قوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة والمقاومة التهامية، وتطورت بدعم إقليمي وقيادات مستقلة نسبيًا عن البنية التقليدية للجيش.

وفي الجنوب ظهرت تشكيلات أخرى، بينها قوات الحزام الأمني والنخب المحلية، ثم قوات درع الوطن التي أصبحت لاحقًا جزءًا مهمًا من الترتيبات العسكرية والأمنية المدعومة من السعودية.

هذا التعدد كان نتاجًا لسنوات الحرب وتراجع قدرة الدولة المركزية على إدارة مختلف الجبهات، ولم يكن مجرد خلاف تنظيمي. فقد راكمت هذه القوى مواقع وموارد وشبكات دعم وقيادات ومصالح مختلفة، ولذلك فإن توحيدها اليوم ليس عملية إدارية بسيطة، بل إعادة ترتيب لموازين قوة تشكلت خلال أكثر من عقد.

الاستنزاف.. سؤال لا اتهام

لا يعني الحديث عن الاستنزاف وجود خطة مؤكدة لاستنزاف جبهة معينة. فالاستنزاف قد ينتج عن استمرار القتال، ونقص الإمدادات، وتفاوت الدعم، والإرهاق البشري، وطول خطوط المواجهة، وتأخر التعزيزات. لكن السؤال يصبح أكثر حساسية عندما تتزامن هذه العوامل مع عملية إعادة ترتيب واسعة للقوات.

فهل يمكن أن تُستغل الضغوط التي يفرضها الحوثيون على الجبهات للضغط على بعض مراكز القوة داخل المعسكر الحكومي ودفعها إلى قبول ترتيبات عسكرية جديدة؟ وهل يمكن أن تجد بعض القوى نفسها أمام معادلة صعبة: القبول بإعادة توزيع القيادة والاندماج في الهيكل الجديد، أو مواجهة استنزاف متزايد في جبهة تخوض قتالًا مستمرًا؟

هذا طرح تحليلي متداول، وليس حقيقة مثبتة. ولا توجد أدلة علنية كافية للقول إن السعودية أو قيادة الدولة تعمدتا استخدام هجمات الحوثيين لتحقيق هذا الهدف.

لكن طرح السؤال يكتسب أهمية أكبر بالنظر إلى تجربة الساحل الغربي، حيث تزامن التغير السريع في الوضع الميداني مع مرحلة انتقال في ترتيبات القوة داخل المعسكر الحكومي.

تعز.. الجبهة تحت الاختبار

تقدم تعز الحالة الأبرز الآن. فقد عادت المحافظة إلى واجهة التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي، وشهدت خلال الأيام الأخيرة مواجهات وضغوطًا عسكرية متزايدة.

وفي 2 أكتوبر، أعلنت الحكومة اليمنية تنفيذ 20 غارة جوية على أهداف حوثية في المحافظة خلال فترة قصيرة، فيما أشارت رويترز إلى إغلاق نحو 19 طريقًا مؤديًا إلى تعز وتحويلها إلى مناطق عسكرية. ويعكس ذلك ارتفاع مستوى المواجهة في المحافظة.

ولا تتوقف أهمية تعز عند كونها جبهة عسكرية. فموقعها يجعل أي تغير كبير في خطوط المواجهة مؤثرًا في حركة السكان والإمداد والمناطق المتصلة بالساحل والجنوب.

والأخطر أن المعارك المتكررة قد تنتج استنزافًا تدريجيًا حتى من دون انهيار سريع. فصد الهجمات المتتابعة يحتاج إلى موارد ووقت وتعزيزات، ومع استمرار الضغط قد تتحول القدرة على الدفاع من نجاح تكتيكي إلى كلفة استراتيجية متراكمة.

وهنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: هل تحصل تعز على ما يكفي من الدعم للحفاظ على قدرتها القتالية، بينما يعاد في الوقت نفسه ترتيب القوات والقيادات على مستوى أوسع؟

الساحل الغربي.. تجربة تثير الأسئلة

ما حدث في الساحل الغربي خلال سبتمبر يجعل هذه المخاوف أكثر حضورًا. فقد شهدت الجبهة انهيارًا سريعًا في خطوط حكومية وتقدمًا حوثيًا واسعًا على الساحل، شمل مناطق استراتيجية، في تطور وصفه مركز صنعاء بأنه تقدم سريع وصادم، شمل المخا وذباب وجزيرة ميون.

وجاء ذلك بينما كانت القوات التابعة للحكومة تمر أصلًا بعملية إعادة ترتيب واسعة. وكانت هناك أيضًا أسئلة حول مستقبل بعض القوات التي كانت مرتبطة سابقًا بالإمارات، وفي مقدمتها قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، في ظل انتقال مركز الثقل في عملية إعادة التنظيم إلى السعودية.

ومن هنا ظهرت قراءات تربط بين تراجع الساحل والخلافات حول مستقبل بعض التشكيلات، فيما يرى آخرون أن ضعف الإسناد أو إعادة الانتشار ربما أسهما في سرعة التراجع.. لكن هذه تبقى تفسيرات تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن تحويلها إلى حقيقة قطعية.

والدرس الأهم بالنسبة إلى تعز ليس إثبات أن السيناريو نفسه سيتكرر، وإنما أن الجبهة التي تتعرض لضغط متواصل تصبح أكثر هشاشة إذا تزامن ذلك مع تغيرات في القيادة والانتشار والدعم.

هل يمكن أن يتكرر السيناريو؟

تعز ليست الساحل الغربي، ومأرب ليست تعز، ولكل جبهة ظروفها وتركيبتها. لذلك لا يمكن القول إن السيناريو سيتكرر بالضرورة، وما يستحق الانتباه هو تزامن ثلاثة مسارات: تصعيد حوثي متزايد، وإعادة ترتيب داخل القوات الحكومية، وصراع محتمل على مستقبل بعض مراكز القوة.

إذا سارت هذه المسارات بالتوازي من دون تنسيق كافٍ، فقد يتحول الضغط العسكري إلى عامل يفرض واقعًا جديدًا على بعض القوى، حتى من دون وجود خطة مسبقة لذلك.

أما إذا كان هناك بالفعل استخدام متعمد للضغط العسكري من أجل فرض ترتيبات سياسية أو عسكرية، فإن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة تتجاوز مجرد التزامن الزمني بين الأحداث.

مأرب.. جبهة أخرى لا تحتمل الاستنزاف

ولا يمكن فصل تعز عن مأرب. فالمحافظة تمثل أحد أهم مراكز الثقل العسكري والسياسي والسكاني في مناطق الحكومة، وأي تراجع واسع فيها ستكون له آثار تتجاوز الخريطة العسكرية.

كما أن التصعيد في أكثر من جبهة في وقت متقارب يطرح سؤالًا حول قدرة المعسكر الحكومي على إدارة جبهات متعددة، خصوصًا أثناء إعادة توزيع القوات والقيادات.

ولهذا فإن الخطر ليس فقط في سقوط جبهة واحدة، وإنما في تراكم الاستنزاف على أكثر من جبهة إلى الحد الذي تصبح فيه عملية إعادة ترتيب القوة نفسها أكثر صعوبة.

البعد الإنساني.. حين تتحول الجبهة إلى أزمة للسكان

لا يمكن قراءة أي تغير واسع في خطوط المواجهة باعتباره تحولًا عسكريًا فقط. ففي بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب، يمكن أن يتحول اتساع القتال سريعًا إلى أزمة جديدة للسكان، تبدأ بالنزوح وتعطل الطرق والأسواق، وتمتد إلى الغذاء والصحة والخدمات الأساسية.

ووفق خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص في اليمن إلى المساعدة والحماية، فيما يقدّر عدد النازحين داخليًا بنحو 5.2 مليون شخص. كما يواجه 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، ولا تعمل بصورة كاملة سوى 59.3% من المرافق الصحية.

ومع عودة التصعيد، بدأت آثاره تظهر بصورة أسرع، فمع سقوط الساحل الغربي بيد الحوثيين نزح ما يقارب من 100 ألف شخص من أبناء الساحل الغربي إلى عدن ولحج وتعز.

وفي هذا السياق، لا يعني تغير خطوط المواجهة في تعز أو مأرب مجرد انتقال السيطرة على موقع عسكري من طرف إلى آخر. فقد يعني إغلاق طريق، أو توقف سوق، أو صعوبة الوصول إلى مستشفى، أو انقطاع المساعدات، أو اضطرار أسر جديدة إلى مغادرة مناطقها بحثًا عن الأمان.

ولهذا فإن سؤال استنزاف الجبهات لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المواقع التي يمكن أن تسقط أو تتغير السيطرة عليها، بل أيضًا بالكلفة التي تنتقل إلى السكان.

الهيكلة ضرورة.. لكن ليس على حساب الجبهات

لا خلاف على حاجة المؤسسة العسكرية اليمنية إلى إصلاح عميق بعد سنوات من الانقسام والحرب. وتوحيد القيادة، وتنظيم كشوفات القوات، وربط المرتبات بالقوة الفعلية، وإخضاع الوحدات لسلسلة قيادة واضحة، كلها أهداف مرتبطة ببناء مؤسسة دولة.

لكن نجاح الهيكلة لا يقاس فقط بتغيير القيادات أو دمج الوحدات، وإنما بقدرتها على إنتاج قوة أكثر تماسكًا وقدرة على حماية الجبهات، ولهذا يجب أن تسير عمليتا إعادة بناء المؤسسة وحماية الجبهة في وقت واحد.

فالجبهات لا يمكن أن تنتظر اكتمال الهيكلة، والحرب لا تتوقف حتى تنتهي ترتيبات القيادة. وإذا أدى الانتقال من بنية عسكرية إلى أخرى إلى إضعاف الوحدات الموجودة على خطوط المواجهة، فقد تتحول الهيكلة، بدل أن تكون أداة لتعزيز القوة، إلى عامل إضافي في استنزافها.

في النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بمن يتقدم في تعز أو مأرب، ولا بمن ينجح في إعادة ترتيب القوات، وإنما بقدرة المعسكر المناهض للحوثيين على إدارة المهمتين معًا: حماية الجبهات القائمة، وبناء مؤسسة عسكرية أكثر توحيدًا.

فالهيكلة قد تكون ضرورية، لكن نجاحها الحقيقي لن يقاس بما يحدث داخل غرف القيادة، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الميدان من دون أن تدفع الجبهات ثمنها.