السبت 17 أكتوبر 2026

الحرب النفسية

في الحروب الكبرى، لا تبدأ المعركة دائمًا من الجبهة، ولا تنتهي عند حدود السلاح. فهناك معركة أخرى تدور في العقول والنفوس، تستهدف الوعي قبل الميدان، والإرادة قبل القدرة، والثقة قبل الموقف. إنها الحرب النفسية؛ ذلك الوجه غير المرئي للصراع، الذي قد يكون أثره أعمق من وقع القذائف، لأنه يتسلل إلى الإنسان من بوابة الخوف والشك والقلق والارتباك.

ومع احتدام الصراع، واتساع رقعة المواجهات، وانفتاح الجبهات، تتحول المعلومات إلى ساحة قتال قائمة بذاتها. تنتشر الشائعات والأراجيف والأكاذيب، وتختلط الحقائق بالتفسيرات، وتتداخل الأخبار مع الدعاية، ويجد المواطن نفسه أمام سيل متواصل من الرسائل التي تتنافس على تشكيل موقفه ومزاجه ونظرته إلى ما يجري.

الحرب النفسية لا تستهدف الجسد وحده، بل تضرب المعنويات، وتسعى إلى دفع الإنسان نحو الخوف، وزعزعة ثقته، وإرباك قراره، وإضعاف قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم. ولهذا تصبح الكلمة في زمن الحرب أداة تأثير بالغة الخطورة؛ فقد تهدئ مجتمعًا، أو تدفعه إلى الهلع، أو ترفع المعنويات، أو تزرع اليأس.

وتكمن خطورة الشائعة في أنها لا تحتاج إلى جيش كي تنتشر. يكفي أن تجد بيئة قلقة، ومجتمعًا متوترًا، ومعلومات ناقصة، ووسائل اتصال سريعة، حتى تتحول المعلومة غير الموثوقة إلى حقيقة متداولة في أذهان الناس. وكلما تكررت الرواية، ازداد احتمال تصديقها، حتى من دون أن تستند إلى دليل.

وفي العصر الرقمي، أصبحت سرعة انتشار المعلومات جزءًا أساسيًا من طبيعة الصراع. رسالة قصيرة، أو صورة مجتزأة، أو مقطع قديم يُعاد نشره خارج سياقه، أو عنوان مضلل، يمكن أن يصنع موجة واسعة من الخوف والارتباك خلال وقت قصير. وهنا لا يكمن الخطر في الكذب وحده، بل في سرعة انتقاله وقدرته على الوصول إلى أعداد كبيرة قبل أن تصل الحقيقة.

وتزداد خطورة الحرب النفسية عندما تتجه إلى المجتمع نفسه، فتعمل على تفكيك الثقة بين أفراده، وإثارة الشكوك، وتضخيم الخلافات، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والخصومة إلى عداء، والعداء إلى انقسام يصعب احتواؤه. عندها يصبح المجتمع جزءًا من ساحة المعركة، حتى من دون أن يحمل أفراده سلاحًا.

ومن أدوات هذا النوع من الصراع بث أخبار الانتصارات الوهمية أو الهزائم المبالغ فيها، وتضخيم الخسائر، ونشر روايات متناقضة، واستخدام لغة التهديد والتخويف. فالهدف لا يكون دائمًا إقناع الناس برواية محددة؛ فقد يكون المقصود إغراقهم في سيل من الروايات المتضاربة، حتى يفقدوا القدرة على معرفة الحقيقة.

ومن أخطر النتائج أن يفقد الناس ثقتهم بالمعلومة نفسها. وعندما يصبح كل خبر موضع شك، وكل صورة قابلة للتلاعب، وكل رواية قابلة للتكذيب، ينشأ فراغ معلوماتي خطير، تملؤه الشائعات والتخمينات والانفعالات. عندها تنتقل الحرب النفسية من التأثير في المواقف إلى التأثير في بنية الوعي العام، وتصبح الفوضى المعلوماتية وسيلة لإرباك المجتمع وإضعاف قدرته على اتخاذ موقف واعٍ.

وفي المجتمعات التي أنهكتها الحروب والصراعات، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية؛ فطول أمد الحرب، وتعدد مصادر المعلومات، وتضارب الروايات، وتراجع الثقة بالمصادر، كلها عوامل تجعل المواطن أكثر عرضة للتأثر بالرسائل التي تخاطب خوفه وغضبه وحاجته إلى معرفة ما يجري. ولذلك فإن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان.

لكن المجتمع لا يكون أعزل أمام هذه الحرب. فالوعي هو خط الدفاع الأول، والتحقق من المعلومات مسؤولية فردية وجماعية. لا ينبغي التعامل مع كل ما يصل عبر وسائل التواصل باعتباره خبرًا، ولا مع كل صورة باعتبارها دليلًا، ولا مع كل رواية متداولة باعتبارها حقيقة. التريث، والتحقق من المصدر، ومقارنة المعلومات، والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية، أصبحت ضرورات في زمن تتسع فيه ساحات الصراع الإعلامي.

وتتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مضاعفة في هذا المجال. فالإعلام المهني لا يكون صدى للشائعة، ولا يشارك في صناعة الهلع، ولا يحول المنصة الإعلامية إلى ساحة لترويج الأكاذيب. مهمته أن يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من المعلومات، ويضع الأحداث في سياقها، ويمنح الجمهور معرفة تساعده على الفهم بدل أن تدفعه إلى الانفعال.

كما أن الخطاب السياسي في زمن الحرب يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية. فالكلمات التي تصدر عن السياسيين والقادة والشخصيات العامة لا تُقرأ بوصفها كلمات عابرة، بل قد تتحول إلى رسائل تؤثر في الرأي العام وتعيد تشكيل المواقف. ولذلك تقتضي المسؤولية أن تكون الرسالة واضحة، وأن تبتعد عن التضليل والتهويل، وأن تراعي الحالة النفسية لمجتمع أنهكته الحرب والصراع.

ولا تقل مسؤولية المواطن عن مسؤولية الإعلام والسياسة؛ فإعادة نشر خبر كاذب قد تمنح الشائعة عمرًا جديدًا، وتداول صورة خارج سياقها قد يضاعف أثر التضليل، ونقل رواية مجهولة المصدر قد يحول الوهم إلى حقيقة متداولة. ومن هنا يصبح الامتناع عن المشاركة في نشر المعلومة غير الموثوقة فعلًا من أفعال المسؤولية العامة.

الحرب النفسية في جوهرها معركة على الإنسان: على وعيه، وثقته، ومخاوفه، وقدرته على اتخاذ القرار. ولهذا فإن مواجهتها لا تكون بالصمت، ولا بمواجهة الشائعة بشائعة أخرى، ولا بإغراق المجتمع في مزيد من المعلومات المضللة، وإنما ببناء وعي قادر على التمييز، وإعلام يحترم الحقيقة، وخطاب عام يضع مصلحة المجتمع فوق الحسابات الضيقة.

وفي الصراعات الطويلة، قد تتغير الجبهات والأسلحة والمواقف، لكن آثار الحرب النفسية قد تبقى ممتدة داخل المجتمع. ولذلك فإن حماية الوعي لا تقل أهمية عن حماية الأرض، ومواجهة التضليل لا تقل أهمية عن مواجهة السلاح؛ لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز يصبح أكثر قابلية للانقياد والخوف والانقسام.

قد تبدأ الحرب بالسلاح، لكنها كثيرًا ما تبحث عن حسمها في العقل. ومن يملك القدرة على حماية وعيه، والتحقق من معلوماته، ورفض الانجرار وراء الشائعة، يمتلك واحدة من أهم أدوات الصمود في زمن الصراع. فكلما أصبح الوعي أقوى من الخوف، والحقيقة أقوى من الشائعة، والوعي العام أكثر صلابة أمام حملات التضليل، ضاقت مساحة الحرب النفسية، مهما اتسعت ساحات المعارك.