نسبية الزمان والمكان بين الواقع والشعور
نحن لا نعيش في الزمن الذي تقيسه الساعات وحده، ولا في المكان الذي ترسمه الخرائط وحده. ثمة زمن آخر يسكن داخلنا، يتمدد وينكمش بحسب حالتنا، وثمة مكان آخر لا تحدده الجدران والمسافات، بل تحدده الطمأنينة والخوف، الحرية والعجز، الألفة والاغتراب.
ولهذا يبدو غريبا أن تكون الدقيقة الواحدة قادرة على أن تمر كلمح البصر مرة، وأن تصبح ثقيلة كساعة مرة أخرى.
حين نكون سعداء، لا نشعر غالبا بالزمن. نجلس مع من نحب، ننشغل بحديث أو عمل أو رحلة، ثم ننظر إلى الساعة بدهشة: كيف مضى كل هذا الوقت؟
لكننا حين ننتظر نتيجة مصيرية، أو نجلس أمام غرفة عمليات، أو نترقب اتصالا نخشاه، تصبح الدقيقة ثقيلة. نراقب عقرب الساعة، ثم نعود إليه بعد قليل فنشعر أنه لم يتحرك.
الساعة لم تتغير.
الذي تغير هو نحن.
فالزمن الفيزيائي يسير بإيقاع لا يبالي بنا، أما الزمن الإنساني فيتشكل داخل وعينا. السعادة تجعلنا ننشغل بالحياة عن مراقبة مرورها، بينما يجعلنا الخوف والألم نراقب كل لحظة منها.
وربما لهذا السبب تحديدا يبدو العمر نفسه متناقضا.
فالطفولة، حين نعيشها، تبدو طويلة جدا. سنة واحدة بالنسبة لطفل مساحة هائلة من حياته. أما حين نتقدم في العمر، فتبدأ السنوات بالتسارع على نحو يثير الدهشة. نقول: كأن العام الماضي كان بالأمس. ثم نكتشف فجأة أن أحداثا نظنها قريبة حدثت قبل عشرين أو ثلاثين عاما.
لكن الذاكرة تمارس لعبة أخرى.
فهي لا تحفظ الزمن بالتساوي.
قد تمحو سنوات كاملة من حياتنا فلا يبقى منها إلا القليل، بينما تحتفظ بدقائق معدودة بكل تفاصيلها: وجه، كلمة، رائحة، شارع، أغنية، أو لحظة وداع.
كأن الإنسان لا يحمل ماضيه مرتبا بالسنوات، بل مرتبا بشدة ما شعر به.
ولهذا قد تكون دقيقة واحدة من الخوف أطول في ذاكرتنا من سنة كاملة من الأيام العادية، وقد يبقى لقاء استمر ساعة حاضرا في النفس بعد أن تختفي أعوام بأكملها.
وما يفعله الشعور بالزمن، يفعله بالمكان أيضا.
الحضن، مثلا، مكان بالغ الضيق إذا قسناه بالسنتمترات، لكنه قد يكون أوسع مكان في العالم بالنسبة لإنسان خائف. عندما يضم الطفل أمه بعد فزع، لا يحتاج إلى بيت أكبر ولا إلى مدينة أوسع؛ تكفيه المسافة الصغيرة بين ذراعيها لكي يشعر أن العالم عاد آمنا.
وفي المقابل قد تمتلك بلدا كاملا أمامك، ثم تشعر أنه يضيق عليك.
فالإنسان الذي يشعر بالظلم والعجز، أو يخاف أن يتكلم، أو لا يرى أمامه طريقا للمستقبل، قد ينظر إلى وطن يمتد آلاف الكيلومترات ولا يجد فيه مكانا يتسع لروحه.
وهنا تبلغ اللغة أحيانا من الدقة ما تعجز عنه المقاييس، كما في التعبير القرآني المدهش: «وضاقت عليهم الأرض بما رحبت».
كيف تضيق الأرض وهي رحبة؟
إنها لم تضق جغرافيا، وإنما ضاقت إنسانيا.
وهذا هو الفارق بين مساحة المكان ومعنى المكان.
فالغرفة الصغيرة قد تكون وطنا، والقصر قد يكون سجنا. والمدينة المزدحمة قد تكون موحشة، ومقعد صغير إلى جوار شخص نحبه قد يكون عالما كاملا.
بل إن المكان نفسه يتغير دون أن يتحرك فيه حجر واحد.
بيت الطفولة مثلا ليس مجرد جدران. حين نعود إليه بعد عقود قد نكتشف بدهشة أنه أصغر بكثير مما كنا نتصور. الممر الذي كان يبدو طويلا أصبح خطوات قليلة، والساحة التي كانت عالما واسعا أصبحت مساحة محدودة.
هل تقلص البيت؟
بالطبع لا.
نحن الذين كبرنا.
لكن شيئا آخر حدث أيضا: ذلك البيت كان في طفولتنا أكبر من مساحته الحقيقية لأنه كان يحمل عالمنا كله. لم تكن لدينا حينها مدن كثيرة نقارنها به، ولا قارات ولا مطارات ولا آلاف الصور. كان ذلك الحي هو الجغرافيا، وكان البيت مركز الكون.
ثم كبر العالم، فصغر البيت.
وهكذا تتغير أحجام الأشياء في وعينا كلما اتسعت تجاربنا.
ولعل المنفى من أكثر التجارب التي تكشف هذه العلاقة الغريبة بين الإنسان والمكان.
قد يعيش المرء في مدينة جميلة، منظمة وآمنة، تتوافر فيها الأشياء التي كان يفتقدها، ومع ذلك يشتاق إلى شارع قديم مليء بالغبار والفوضى.
ليس لأنه يفضل الغبار على النظافة، وإنما لأن المكان القديم يحمل طبقات من ذاته.
هناك مشى طفلا.
وهناك عرف أصدقاءه.
وهناك سمع أصواتا رحل أصحابها.
وهناك كانت أمه أو أبوه أو إخوته أو أحبته.
إننا حين نشتاق إلى الأماكن لا نشتاق دائما إلى حجارتها؛ كثيرا ما نشتاق إلى النسخة القديمة من أنفسنا التي تركناها هناك.
ولهذا لا يستطيع الإنسان العودة تماما إلى مكان غادره منذ زمن طويل.
يمكنه أن يعود جغرافيا، لكنه لا يستطيع العودة زمنيا.
قد يجد البيت نفسه والشارع نفسه والشجرة نفسها، لكنه لن يجد الطفل الذي كانه، ولا الأشخاص كما كانوا، ولا العالم الذي كان يحيط بهم.
وهنا يصبح الحنين حزنا من نوع غريب: اشتياقا إلى مكان موجود، داخل زمن لم يعد موجودا.
ولعل هذا هو السبب في أن بعض الصور القديمة تؤلمنا رغم أنها تصور لحظات سعيدة.
ننظر إليها فنبتسم أولا، ثم نشعر بشيء من الحزن.
لأن الصورة تقول لنا شيئين متناقضين في اللحظة نفسها:
هذا حدث بالفعل.
وهذا لن يحدث بالطريقة نفسها مرة أخرى.
فالذاكرة تمنحنا القدرة على العودة إلى الماضي، لكنها لا تمنحنا القدرة على تغييره أو البقاء فيه.
ومن هنا ربما يأتي خوف الإنسان العميق من مرور الزمن.
نحن لا نخاف الساعة في ذاتها، وإنما نخاف ما تأخذه معها.
الأطفال يكبرون.
الوجوه تتغير.
الآباء يشيخون.
الأصدقاء يتفرقون.
الأماكن تتبدل.
وأجسادنا نفسها تصبح سجلا صامتا لما مر بنا.
ولذلك فإن الموت ليس فقط نهاية متوقعة للحياة؛ إنه أيضا الظل الذي يمنح الزمن قيمته. لو كان لدينا عدد لا نهائي من الأيام، ربما لما كانت لهذا المساء أهميته، ولا لذلك اللقاء ضرورته، ولا لتلك المكالمة التي نؤجلها معناها.
إن محدودية الزمن هي التي تجعل بعض اللحظات ثمينة.
نحن نحب الأشياء، في جانب من حبنا لها، لأننا نعرف أنها لن تبقى إلى الأبد.
ولهذا فإن الإنسان، مهما امتلك من سنوات ومساحات، يبحث في النهاية عن شيء أبسط وأعمق: أن يجد زمنا لا يتمنى أن ينتهي، ومكانا لا يشعر بالحاجة إلى الهرب منه، وإنسانا يستطيع أن يكون إلى جواره كما هو دون خوف أو تصنع.
ربما تكون هذه إحدى أبسط تعريفات السعادة.
أن يتصالح الإنسان، ولو للحظات، مع الزمن والمكان معا.
أن يكون في المكان الذي يريد، مع الأشخاص الذين يريد، دون أن ينظر إلى الساعة.
تلك اللحظات تحديدا هي التي تمر بسرعة مذهلة، ثم تبقى في الذاكرة طويلا.
ويا لها من مفارقة:
أقصر اللحظات أثناء عيشها قد تصبح أطولها بعد انتهائها.
أما الألم فيفعل العكس؛ يطيل الحاضر حتى نظنه بلا نهاية، ثم يأتي الزمن فيجعله ذكرى بعيدة.
ولعل في ذلك شيئا من رحمة الحياة.
فلو بقيت الأحزان في داخلنا بالحجم نفسه الذي كانت عليه لحظة وقوعها، لما استطاع كثير منا الاستمرار. الزمن لا يمحو كل شيء كما يقال، لكنه يعيد ترتيب الأشياء في النفس؛ يخفض أصواتا كانت تصرخ داخلنا، ويحول جروحا مفتوحة إلى ندوب، ويجعل ما اعتقدنا يوما أننا لن نتجاوزه جزءا من قصة نقول عنها بعد سنوات: لقد حدث ذلك، ومع ذلك واصلت السير.
وفي النهاية نكتشف أن حياتنا لم تكن مجرد رحلة بين تاريخ ميلاد وتاريخ موت، ولا انتقالا بين مجموعة من المدن والبيوت.
لقد كانت رحلة بين أزمنة داخلية وأمكنة داخلية أيضا.
كانت هناك دقيقة اتسعت حتى بدت دهرا، وسنوات انكمشت حتى صارت ذكرى.
وكان هناك بيت صغير اتسع لعالم كامل، ووطن واسع ضاق على بعض أبنائه.
وكان هناك طريق طويل اختصره الشوق، ومسافة قصيرة أطالها الفراق.
وكان هناك حضن لم تتجاوز مساحته ذراعين، لكنه اتسع في لحظة ما لكل مخاوفنا.
لهذا ربما لا ينبغي أن نسأل الإنسان فقط:
كم عشت؟
وأين عشت؟
بل أن نسأله:
أي الأزمنة بقيت فيك بعد أن مضت؟
وأي الأماكن بقيت تسكنك بعد أن غادرتها؟
فالساعة تستطيع أن تخبرنا كم مضى من الزمن، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا كم كان ثقيلا أو جميلا.
والخريطة تستطيع أن تخبرنا كم تبلغ مساحة الوطن، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا إن كان يتسع لروح إنسان.
وبين زمن الساعة وزمن القلب، وبين جغرافيا الأرض وجغرافيا الروح، تقع الحكاية الحقيقية لحياتنا.



