الخميس 1 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • «رددي أيتها الدنيا نشيدي» قصيدة الوطن التي صاغت معنى الهُوية والسيادة

«رددي أيتها الدنيا نشيدي» قصيدة الوطن التي صاغت معنى الهُوية والسيادة

لا تُختزل قيمة الأغنية الوطنية في كلمات تُغنّى، ولا قيمة اللحن في أنغام تُسمع؛ فبعض الأعمال الفنية يتجاوز حدود الأغنية ليصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية والوجدان الجمعي، وأحد الرموز الوطنية التي تختزن في كلماتها وألحانها معاني الوطن والهُوية والانتماء والسيادة. ومن أبرز هذه الأعمال في اليمن «رددي أيتها الدنيا نشيدي»، النشيد الوطني للجمهورية اليمنية، من كلمات الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان «الفضول»، ولحن وأداء الفنان أيوب طارش عبسي.

الفضول وأيوب طارش
الفضول وأيوب طارش

والنص الرسمي المتداول للنشيد هو مقطع مختصر من قصيدة وطنية أطول للفضول، اختيرت منه أبيات ومقاطع تؤدي وظيفة النشيد الوطني، بما تحمله من كثافة شعرية ورموز وطنية ودلالات تتسع لتخاطب الإنسان والوطن والأمة في آن واحد.

كما يحمل النشيد تاريخًا وطنيًا يتجاوز قيام الجمهورية اليمنية بصورتها الموحدة؛ فقد ارتبط بالحياة الوطنية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أثناء حكم الحزب الاشتراكي اليمني، ثم اعتمد في 22 مايو 1990 نشيدًا وطنيًا للجمهورية اليمنية. وبذلك انتقل النص من فضاء مرحلة تاريخية سابقة إلى فضاء الدولة اليمنية الموحدة، من دون أن يفقد دلالاته الوطنية، بل اكتسب بذلك حضورًا أوسع في الذاكرة اليمنية.

غير أن قيمة هذا النص لا تقف عند تاريخه أو مكانته الرسمية، فقراءته من الداخل تكشف نصًا شعريًا كثيفًا يجمع الوطن والشهيد والوحدة والراية والأمة والهُوية والسيادة، ويصوغها في لغة شعرية سهلة ممتنعة، قادرة على الوصول إلى الوجدان، وقابلة للحفظ والترديد الجماعي.

«رددي».. البداية بالفعل والصوت

يبدأ الشاعر بالفعل:

«رددي أيتها الدنيا نشيدي

ردديه وأعيدي وأعيدي»

اختيار «رددي» في مطلع النص ليس اختيارًا عابرًا. إنه فعل أمر يضع الصوت والحركة في مقدمة المشهد، ويجعل الدنيا كلها مخاطَبًا.

فالشاعر لا يطلب من الدنيا أن تسمع نشيده فقط، بل يطلب منها أن تردده. وفي هذا الطلب معنى يتجاوز مجرد الترديد؛ إذ يحمل نبرة من الكبرياء والسمو والشموخ، فالشاعر يضع نشيده في مقام يستحق أن يتردد صداه في الدنيا كلها، وكأن الوطن يعلن حضوره بثقة، ويرفع صوته عاليًا ليُسمع في فضاء العالم.

ثم يعقب ذلك بتكرار الفعل: «ردديه وأعيدي وأعيدي»، فتغدو اللغة نفسها محاكاة لفعل الترديد.

والتكرار هنا ليس حشوًا لفظيًا، وإنما وسيلة لإيقاظ الإيقاع وترسيخ العبارة في الذاكرة، وتحويل النص من كلام يُقرأ إلى نشيد يمكن أن تشترك الجماعة في أدائه.

ومن هنا تبدأ خصوصية النص: الوطن لا يغني لنفسه، وإنما يجعل العالم شاهدًا على صوته.

الشهيد حاضر في قلب الفرح

ثم يقول:

«واذكري في فرحتي كل شهيد

وامنحيه حللًا من ضوء عيدي»

هنا تتجلى إحدى أجمل مفارقات النص: الفرح لا يلغي الذاكرة، والاحتفال لا ينسى التضحية.

فالشهيد حاضر في لحظة الفرح الوطني، لا بوصفه ذكرى حزينة فحسب، وإنما بوصفه جزءًا من المعنى الذي منح للعيد وللوطن قيمتهما. فالتضحية من أجل الوطن ومن أجل أن يحيا الشعب في عزة وكرامة وحرية لا تُطوى بمجرد حلول الفرح، بل تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية.

أما الصورة في «حللًا من ضوء عيدي» فهي من أكثر الصور الشعرية جمالًا في النص؛ فالضوء يتحول إلى ثوب، والعيد يتحول إلى مصدر تكريم، وكأن الشاعر يمنح الشهيد من نور المناسبة ما يليق بمقام التضحية.

وهكذا يجمع النص بين الذاكرة والفرح، والتضحية والحياة، في صورة واحدة.

«وحدتي» و«رايتي» و«أمتي».. مفردات تختصر وطنًا

ينتقل الشاعر إلى:

«وحدتي.. وحدتي

يا نشيدًا رائعًا يملأ نفسي

أنت عهد عالق في كل ذمة»

لم يجعل الشاعر الوحدة مجرد مفهوم سياسي أو جغرافي، بل جعلها نشيدًا يسكن النفس وعهدًا يستقر في الذمم.

واللافت أن كلمة «وحدتي» جاءت مكررة، وهو تكرار يرسخ المعنى ويمنحه قوة وجدانية، قبل أن تنتقل العبارة إلى «عهد» التي تضيف إلى الوحدة بُعدًا أخلاقيًا ومسؤولية معنوية.

فالوحدة هنا ليست مجرد اجتماع، وإنما قيمة ينبغي أن تستقر في الوعي والضمير.

ثم يقول:

«رايتي.. رايتي

يا نسيجًا حكته من كل شمس

أخلدي خافقةً في كل قمة»

الراية في النص ليست مجرد رمز بصري، بل صورة للوطن والهُوية والسيادة.

والشاعر لا يقدمها بصورة جامدة، وإنما يمنحها حياة وحركة: «خافقة» و«في كل قمة». أما قوله «نسيجًا حكته من كل شمس» فهو من أكثر الصور اتساعًا في النص؛ فالراية تتحول إلى نسيج، والشمس تتحول إلى مادة لصناعة هذا النسيج، وتعدد الشموس يفتح الصورة على فضاء واسع من النور والحياة.

ثم تأتي «القمة» لتكمل الصورة بالحركة الصاعدة: راية تخفق في الأعلى، ورمز وطني حاضر في موقع العلو والظهور.

ومن هنا يصل النص إلى:

«أمتي.. أمتي

امنحيني البأس يا مصدر بأسي

واذخريني لك يا أكرم أمة»

اختيار «أمتي» يحمل دلالة أوسع من مجرد استخدام كلمة «شعبي». فالأمة في السياق الشعري تستدعي التاريخ والهُوية والوجدان والمصير المشترك.

كما أن النداء المكرر «أمتي.. أمتي» يجعل الأمة مخاطَبًا حيًا، ويقيم علاقة متبادلة بينها وبين الفرد: هي مصدر البأس، وهو يعلن استعداده لأن يُدَّخر لها.

وهنا يتحول الانتماء من شعور داخلي إلى علاقة ومسؤولية وبذل.

«أمميًا.. عربيًا.. يمنيًا».. هُوية تتسع ولا تلغي جذورها

ثم يصل النص إلى مقطعه الأكثر كثافة من حيث بناء الهُوية:

«عشت إيماني وحبي أمميًا

ومسيري فوق دربي عربيًا

وسيبقى نبض قلبي يمنيًا»

وهذا التدرج من أجمل مواضع النص وأكثرها قابلية للقراءة الفكرية.

فالشاعر يبدأ من الدائرة الأوسع: «أمميًا»، ثم ينتقل إلى الدائرة العربية: «عربيًا»، ثم يصل إلى الجذر الوطني المباشر: «يمنيًا».

وهنا تبدو الهُوية دوائر متداخلة لا يلغي بعضها بعضًا.

والكلمة «أمميًا» ذات دلالة خاصة؛ فهي ليست مجرد بديل عابر عن «عالميًا»، وإنما تحمل إيحاءً يتجاوز الحدود الضيقة نحو الانفتاح على الأمم والإنسان.

ثم يأتي «عربيًا» بوصفه مسارًا وانتماءً:

«ومسيري فوق دربي عربيًا»

فالعروبة هنا ليست كلمة معزولة، بل طريق ومسيرة.

وبعدها يصل الشاعر إلى أعمق مستويات الانتماء الوجداني:

«وسيبقى نبض قلبي يمنيًا»

فالنبض ليس شعارًا يُرفع، وإنما حقيقة داخلية متصلة بالقلب؛ ولذلك جاءت «يمنيًا» في نهاية هذا التدرج لتؤكد أن الانفتاح على العالم والانتماء العربي لا يلغي الجذر الوطني، بل يظل اليمن حاضرًا في مركز الوجدان.

إنها صياغة تختصر الإنسان في دوائر متداخلة: أممي، عربي، يمني.

«لن ترى الدنيا على أرضي وصيًا».. ذروة السيادة

ثم تأتي العبارة:

«لن ترى الدنيا على أرضي وصيًا»

وهي من أكثر عبارات النشيد كثافةً في دلالتها الوطنية والسياسية.

فالشاعر لا يقول فقط إنه يرفض الوصاية، وإنما يصوغ موقفه في صورة عامة:

«لن ترى الدنيا»

ثم يحدد المجال:

«على أرضي»

ثم ينفي وجود:

«وصيًا»

فتتحول العبارة إلى إعلان واضح لمعنى السيادة ورفض الوصاية.

واللافت أن الشاعر اختار كلمة «وصيًا» تحديدًا؛ وهي كلمة تحمل معنى من يتولى الأمر نيابة عن غيره ويفرض سلطته عليه، ولذلك فإن نفيها عن الأرض اليمنية يكتسب دلالة تتجاوز الرفض العاطفي إلى تأكيد حق الأرض وأهلها في تقرير شأنهم بأنفسهم.

وتأتي هذه الجملة بعد «أمميًا، عربيًا، يمنيًا»، وكأن الشاعر يرسم تدرجًا متكاملًا للهُوية: انفتاح على العالم، وانتماء عربي، وجذر يمني، وسيادة لا تقبل الوصاية.

وهنا تتضح قوة البناء الشعري؛ فالهُوية لا تعني الانغلاق، والانفتاح لا يعني فقدان الجذر، والانتماء لا يعني التنازل عن السيادة.

الكلمة المختارة والإيقاع الذي يصنع الذاكرة

من يتأمل النشيد يجد أن الشاعر لم يعتمد على الكلمات الكبيرة وحدها، بل على كلمات قصيرة تحمل وراءها مساحات واسعة من المعنى:

رددي – شهيد – وحدتي – رايتي – أمتي – أمميًا – عربيًا – يمنيًا – وصيًا.

كل كلمة منها تؤدي وظيفة في البناء العام للنص.

«رددي» تصنع الحركة والصوت، و«شهيد» تستحضر التضحية والذاكرة، و«وحدتي» تبني معنى الوحدة في الوجدان، و«رايتي» تستحضر الرمز والسيادة، و«أمتي» توسع دائرة الانتماء، و«أمميًا» تفتح أفق الإنسان على العالم، و«عربيًا» تحدد المجال الحضاري والثقافي، و«يمنيًا» تثبت الجذر الوطني، و«وصيًا» تغلق النص على معنى الاستقلال والسيادة.

وهذا هو سر التكثيف الشعري: القليل من الكلمات، والكثير من الدلالات.

كما أن تكرار «رددي»، و«وحدتي»، و«رايتي»، و«أمتي» يمنح النص إيقاعًا سهل الالتقاط، ويخلق نقاطًا تتجمع حولها الأصوات حين يُؤدى جماعيًا.

ثم يأتي التتابع الصوتي في:

«أمميًا.. عربيًا.. يمنيًا»

ليصنع وحدة إيقاعية لا تقل أهمية عن وحدة المعنى.

وهكذا يلتقي المعنى بالإيقاع، والفكرة بالصوت، والشعر بالأداء، وتتحول الكلمات إلى ذاكرة قابلة للترديد من جيل إلى جيل.

الفنان أيوب طارش.. حين أخذ اللحن الكلمات إلى فضاء آخر

إذا كان الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان «الفضول» قد منح النص كلماته وصوره ودلالاته، فإن الفنان أيوب طارش عبسي منحه حياة صوتية جعلته يتجاوز حدود القصيدة المكتوبة.

فقد أعطى الكلمات حقها بلحنه وصوته، ولم يتعامل معها بوصفها أبياتًا تحتاج إلى أداء فحسب، وإنما منحها فضاءً صوتيًا جعلها قادرة على الوصول إلى الوجدان والذاكرة الجماعية.

وهنا تبدو العبارة: «أيوب طارش يرسم اللحن بالكلمات» أقرب إلى وصف العلاقة الفنية بين النص والصوت؛ فاللحن لا يطغى على المعنى، والصوت لا يزاحم الكلمة، وإنما يتكامل معها ويمنحها حياة أخرى.

ولهذا أصبحت الكلمات تُسمع كما تُقرأ، واللحن يُستعاد كما تُستعاد الأبيات، وأصبح العمل في ذاكرة اليمنيين أكثر من قصيدة مغناة؛ صار صوتًا وطنيًا جماعيًا.

من القصيدة الطويلة إلى أحد الرموز الوطنية

إن الانتقال من القصيدة الطويلة إلى النشيد الوطني يعني انتقال النص من المجال الشعري الواسع إلى صيغة مكثفة قادرة على أداء وظيفة وطنية عامة. فقد اختيرت من القصيدة أبيات ومقاطع تحمل أكثر المعاني قدرة على تمثيل الوطن، واختُصرت لتصبح نشيدًا وطنيًا، دون أن تفقد جوهرها الشعري أو كثافتها الدلالية.

ومن هنا تبدو بنية النشيد شديدة الاقتصاد: لا إسهاب ولا تفاصيل زائدة، وإنما انتقال بين رموز كبرى تتجمع حولها الدلالة: الشهيد، والوحدة، والراية، والأمة، والهُوية، ثم السيادة.

ولعل من أهم ما يمنح هذا النص خصوصيته التاريخية أنه لم يبقَ مرتبطًا بمرحلة سياسية واحدة؛ فقد ارتبط بالحياة الوطنية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أثناء حكم الحزب الاشتراكي اليمني، ثم أصبح بعد 22 مايو 1990 النشيد الوطني للجمهورية اليمنية. وهكذا تحوّل من رمز وطني في مرحلة تاريخية إلى رمز وطني جامع في الدولة اليمنية الموحدة، وأصبح أحد الرموز الوطنية التي يستحضرها اليمنيون في المناسبات الرسمية والوطنية.

كما أن النص لا يقوم على تمجيد شخص أو حاكم أو سلطة عابرة، وإنما يخاطب الوطن والأمة والراية والشهيد والهُوية. وهذا ما يمنحه قدرة على تجاوز الأشخاص والظروف، لأن مركزه هو الوطن بوصفه قيمة وذاكرة وانتماءً وسيادة.

ولهذا بقي «رددي أيتها الدنيا نشيدي» حاضرًا في الذاكرة اليمنية؛ لأن الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان «الفضول» لم يكتب كلمات للغناء فحسب، وإنما كتب نصًا استطاع أن يجعل الوطن صوتًا، والهُوية نبضًا، والسيادة موقفًا. وجاء الفنان أيوب طارش عبسي بلحنه وصوته ليمنح هذه الكلمات حياة أخرى، فغدت تُسمع كما تُقرأ، وتُردد كما تُحفظ، وبقي النشيد شاهدًا على أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تتجاوز زمنها، وأن الفن حين يلتقي بالوطن يتحول إلى ذاكرة لا تنطفئ.

«رددي أيتها الدنيا نشيدي» ليست مجرد عبارة افتتاحية لنشيد وطني؛ إنها دعوة إلى أن يُسمع صوت وطن يعرف انتماءه، ويحفظ ذاكرته، ويعتز بهُويته، ويتمسك بأرضه وسيادته.