الذكاء الاصطناعي بين توسيع المعرفة ووهم الخبرة
أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أقوى الأدوات التي دخلت حياة الإنسان في السنوات الأخيرة. فهو يختصر الوقت، ويساعد في البحث والتحليل والتلخيص والوصول إلى المعلومات بسرعة غير مسبوقة.
ولهذا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي جعل العالم أكثر علمًا، لكنه قد يجعل من لا يملك العلم يعتقد أنه أصبح عالمًا.
المشكلة ليست في الأداة نفسها، بل في طريقة استخدامها.
فالوصول إلى المعلومة لا يعني امتلاك المعرفة. يمكن لأي شخص اليوم أن يحصل على شرح طبي أو هندسي أو اقتصادي أو زراعي في ثوانٍ، لكن المتخصص وحده يملك الخلفية التي تساعده على التمييز بين المعلومة الصحيحة والناقصة، وفهم السياق، واكتشاف الخطأ، ومعرفة متى يجب الرجوع إلى مصدر أو خبير آخر.
لهذا فإن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي هو داخل المجال الذي يفهمه الإنسان.
فالطبيب يستطيع أن يستخدمه للوصول إلى الدراسات بسرعة، وترتيب المعلومات ومراجعة الاحتمالات، لكنه يظل هو من يربط ذلك بالفحص والتحاليل والتاريخ المرضي.
والمهندس يمكنه استخدامه لتسريع الحسابات ومقارنة الحلول والرجوع إلى المراجع، لكنه لا يستطيع أن يتعامل مع إجابة مولدة وكأنها بديل عن الخبرة الهندسية وقواعد السلامة.
وكذلك الأكاديمي، والمهندس الزراعي، والمحاسب، والمحامي، ورجل الأعمال؛ كل منهم يمكن أن يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة عندما يستخدمه داخل مجال معرفته.
توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالك يجعلك أكثر عطاءً وإنتاجًا، لكنه لا يمنحك تخصصًا لم تدرسه.
وهنا تظهر الخطورة عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى بديل عن أهل الاختصاص.
فلا يصح أن يستخدم شخص غير مؤهل الذكاء الاصطناعي لوضع وصفة علاجية، أو أن يعتمد غير المختص عليه لتصميم برج أو جسر، أو لتحديد جرعات المبيدات والأسمدة، أو لاتخاذ قرار تجاري كبير دون دراسة وتمحيص.
في مثل هذه المجالات، الخطأ قد لا يكون مجرد معلومة غير دقيقة، بل قد يؤدي إلى أضرار صحية أو هندسية أو مالية حقيقية.
الذكاء الاصطناعي يشبه في جوهره الكمبيوتر والإنترنت والهاتف الذكي: أدوات رفعت قدرة الإنسان، لكنها لم تلغِ الحاجة إلى العلم والتعلم والخبرة.
بل إن قوة الذكاء الاصطناعي تجعل المسؤولية أكبر، لأن الإجابة قد تأتي بصياغة مقنعة ومنظمة، بينما تظل بحاجة إلى مراجعة وتحقق.
لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قال الذكاء الاصطناعي؟
بل يجب أن نسأل أيضًا: هل هذه المعلومة صحيحة؟ هل تنطبق على هذه الحالة؟ ما مصدرها؟ وهل أملك المعرفة الكافية للحكم عليها؟
المستقبل لن يكون لمن يعرف كيف يحصل على إجابة من الذكاء الاصطناعي فقط، فذلك سيصبح متاحًا للجميع، وإنما لمن يعرف كيف يميز الإجابة الصحيحة، وكيف يستخدمها، ومتى يتوقف ويعود إلى أهل الاختصاص.
ولهذا يمكن تلخيص الفكرة في جملة واحدة:
الذكاء الاصطناعي وسّع معرفة العالم، لكنه قد يوسّع أيضًا ثقة الجاهل في معرفته. والفرق بين الاثنين هو العلم، والتعلم، والقدرة على التمييز.
استخدم الذكاء الاصطناعي في مجال معرفتك، وسيضاعف قدرتك؛ أما إذا استخدمته بدل المعرفة، فقد يضاعف أخطاءك أيضًا.



