السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • باب المندب من خلال العقد الاجتماعي لبناء الدولة والصراع العربي الصـ..هيوني(2)

باب المندب من خلال العقد الاجتماعي لبناء الدولة والصراع العربي الصـ..هيوني(2)

فور وصول الضابط ماهر عبدالحميد ورفيقه من جمهورية مصر إلى صنعاء، تم التحقيق من قبلهما مع سعيد الصباغ، وتركوه بحرية مطلقة يتحدث حتى يتفحصوا ما عنده، وعندما فاجأوه باسمه الحقيقي، وأنه منتحل شخصية، انهار، واعترف بحقائق ما نفذه في سوريا وجنوب الوطن؛ القطرين اللذين زارهما كما دلت تأشيرات جوازه، وأقرّ أن غرض الكيان الصهيوني من إرساله هو الاطلاع على المعدات العسكرية ونوعيتها وتموضعها ومدى جاهزيتها، حيث الكيان ماضٍ في طريق إحكام سيطرته على عدد من الجزر اليمنية، وإن اضطر فأجزاء من الشريط الساحلي، بغرض إحباط فك الخناق الذي تعرض له من قبل الجناح المسلح لإحدى منظمات التحرير الفلسطينية، كما أسلفنا في الجزء الأول.

تم للتو إطلاع سوريا والجنوب بذلك الاختراق لتتعزز الاحترازات والتنسيقيات الأمنية مستقبلًا.
من جانبها، السلطات المصرية أبلغت سلطات اليمن بأن الكيان الصهيوني والدول الغربية الداعمة له ستبذل ما بوسعها، وستستخدم شتى الوسائل في سبيل عرقلة وصوله إلى مصر، بعد أن يئست من الضخ في الترافع عنه وشراء بعض القادة العسكريين الأمنيين، بفضل يقظة الشهيد إبراهيم الحمدي، وقطع الطريق عليهم، وأنه قد يتعرض للاختطاف أو الاغتيال في الطريق إلى المطار أو في المطار، وإن لم تستطع فستستهدف الطائرة التي تقله.
وفعلًا تعرض الضابطان، وبمعيتهما الجاسوس، لمحاولة اغتيال فاشلة في إحدى ضواحي صنعاء، من خلال كمين مسلح لسيارتهما، وتم ضبط بعض منفذي العصابة، ليتضح استغلال جهلهم والتغرير عليهم وإغراؤهم بالمادة استغلالًا لحاجتهم.
وهنا تبرز ثانية حنكة العقيد إبراهيم الحمدي من خلال اقتراحه خطة بارعة على الجانب المصري، وتتمثل بنقله سرًا على متن مروحية من منطقة بين العاصمة ومحافظة حجة أو المحويت، وبتكتم شديد، والهبوط على متن غواصة مصرية تتسلل إلى المياه الإقليمية اليمنية لأخذه، وذلك ما تم فعله.
كان الخلل كبيرًا في أداء السلطة وأجهزتها يومها، إذ إن القبيلة تقمصت دثار الجمهورية، وانتشرت موجة سخط وحميّة عروبية ضد تهافت ضباط يمنيين أمام المادة في هذه القضية، إضافة إلى الفشل الذريع في الحرب الشطرية الأولى 1972م، والتي شنها الشمال بإيعاز من مملكة آل سعود، وانتهت بانتصار جنوبي متجسدًا باحتلال البيضاء، وقد استغل الوطنيون موجة السخط العارمة تلك في سبيل تصحيح مؤسسي يتجسد باستعادة العقد الاجتماعي الهش الذي تشكل بفعل الضرورة بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، والدفاع عن عاصمة الجمهورية الوليدة في ملحمة السبعين يومًا، لكن الارتهان للأموال الهائلة التي تضخّها اللجنة السعودية الخاصة، من قبل القبائل الجمهوملكية وتجار الحروب من الضباط الذين كانوا يرفضون الطرح الناضج لرائد التنوير في اليمن الأستاذ أحمد محمد نعمان ورفيق دربه أبي الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري، والمتمثل بمصالحة وطنية عادلة تتم بشروط الصف الجمهوري في ظل وجود القوات المصرية، لكنهم -أي عملاء اللجنة الخاصة- انقلبوا بعد انسحاب القوات المصرية، وبدافع التكسب ذاته من المملكة السعودية، في طريق مصالحة وطنية غير عادلة وانقلابية على الثورة، وذلك عبر تنفيذ أجندة الغرب المتضمنة في إملاءات مملكة آل سعود الرامية إلى الإخلال بالعقد الاجتماعي من خلال تصفية أبطال معركة السبعين يومًا، والذين ينحدر معظمهم من المحافظات ذات المذهب الشافعي الأكثر نزوعًا للمدنية واحترام القانون، وإلغاء تواجدهم شبه الوازن في المؤسستين العسكرية والأمنية، والذي فرضته الضرورة التاريخية من ثورة سبتمبر إلى حصار السبعين، الضرورة في المنعطف التاريخي الذي عنده يترفع أي شعب وبكل تنوعاته عن الحسابات الوبائية الصغيرة من إقصاء الآخر من الشراكة الوطنية والاستئثار بقوة سلطة الدولة، وبالتالي الثروة، والذي محصلته الطبيعية التمايز الطبقي وغياب العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية.
نفذت القبائل الجمهوملكية وتجار الحروب من الضباط شروط مملكة آل سعود بالاغتيالات المتزامنة لأبطال معركة السبعين، من إخفاء قسري للنقيب علي مثنى جبران قائد سلاح المدفعية والمحور الشمالي أثناء الحصار، محمد صالح فرحان الشرعبي قائد سلاح المشاة والمحور الغربي، ومحمد مهيوب الوحش أركان حرب سلاح المظلات والمحور الشرقي، ونفي قائد سلاح الصاعقة رئيس هيئة الأركان العامة وقائد المحور الجنوبي أثناء الحصار الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب، ونائبه عبدالرقيب الحربي، وقائد سلاح المظلات والمحور الشرقي حمود ناجي سعيد القباطي، وقائد سلاح العاصفة تقريبًا الضابط المثقف الشهيد عبدالسلام الدميني الذي تم فيما بعد عام 1981 اختطافه واغتياله أثناء سلطة علي عبدالله صالح، في جريمة بشعة، ورمي جثته وشقيقيه في نقيل يسلح، وقد خلده المرحوم عبدالله البردوني بإحدى قصائده الخالدة "توابيت الهزيع الثالث".
عمومًا، بعد اغتيال ونفي ذلك القدر من الضباط الذين كان تواجدهم يؤسس لعقد اجتماعي هش قابل للتعميق، لم يكتفِ المرتهنون وأوصياؤهم في المملكة، بل طالت الاعتقالات عددًا آخر من الضباط، أبرزهم هائل محمد سعيد العجيل أركان حرب سلاح الصاعقة، وأول من رفعوا شعار "الجمهورية أو الموت"، والذي تعرض للتعذيب في السجن حتى الجنون، إضافة إلى صاحب الإسهام الأكبر في تحقيق الإنجازات الحربية على الأرض خلال الأسابيع والأشهر الأولى لثورة سبتمبر، إذ تكلف بملاحقة الإمام البدر وإخراجه من شمال الشمال، الضابط والشاعر المتفرد عثمان سيف قاسم المخلافي (أبو ماهر)، ضائع أروع الأناشيد الوطنية التي لحنها فنان الجيش الضابط المبدع أحمد المعطري، وأيضًا أيوب طارش، كذلك السياسي الفذ جار الله عمر أركان حرب كلية الشرطة أثناء معركة السبعين، وهذان الأخيران تم الإفراج عنهما من المعتقل بعد ثلاثة أعوام (1971م)، وتمت إحالة الأول مستشارًا لوزير الإعلام، فيما الثاني لم يتم ترتيب وضعه مدرسًا في كلية الشرطة، وإنما تعرض لمحاولة اغتيال بسبب انتمائه (اليساري) إلى الحزب الديمقراطي الثوري الذي كانت المملكة تجرّمه حسب إملاءات واشنطن.
عايش الشهيد إبراهيم الحمدي هذه الأحداث المؤلمة، والتي لم تصنع شرخًا في الصف الجمهوري فحسب، وإنما في المجتمع اليمني ككل، وأحدثت خللًا كبيرًا بالعقد الاجتماعي الهش، ومزقته، فوظف الحمدي والقاضي عبدالرحمن الإرياني والضباط الوطنيون ما نجم عن استغلال الفريق حسن العمري موقعه الوظيفي للاستبداد بالمواطنين عندما تجاوز مداه بقتل أحد أبناء حراز عمدًا دون مسوغ قانوني، لترحيله خارج الوطن، وبذلك انكسر رأس حربة رؤساء القبائل الجمهوملكية (عبدالله الأحمر وسنان أبو لحوم)، والمتآمر الأول في جرائم تصفية أبطال الحصار والإخلال بالعقد الاجتماعي، وأحداث شرخًا داميًا في الصف الجمهوري والنسيج الاجتماعي. ولا ننسى هنا أنه المتهم الأول بتصفية أحد أهم مؤسسي تنظيم الضباط الأحرار، وأبرز القادة التنفيذيين لثورة 26 سبتمبر، الشهيد علي عبدالمغني، إذ دفع به العمري إلى جبهة حريب الأشد ضراوة واشتعالًا، وتدبير كمين لاغتياله من الخلف هناك.
وكان علي سيف الخولاني الرجل الثاني بعد العمري في المؤامرة على أبطال الحصار، فجاءت قضية اعتقال أحد أخطر جواسيس الكيان الصهيوني باروخ زكي مرزاحي، إذ لم تنكشف هشاشة الأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية فحسب، بل وتواطؤ القائم على هذه المؤسسة الهامة لهثًا خلف العملات الصعبة من الخارج، وأيضًا نفخ ذاته كذبًا عبر الإعلام لتغطية فشل إدارته الوزارة من ناحية، وإنكار دور صغار الضباط الحريصين على أمن بلدهم أمثال النقيب محمد المقبلي الذي ضبط الجاسوس في الحديدة، ورفض تلقي الرشوة منه بمبالغ كبيرة من العملة الصعبة، وأصرّ على إيصاله إلى الجهات المعنية.
تمكن الشهيد الحمدي من توظيف كل ما أوردناه سابقًا في سبيل انتزاع قرار جمهوري بتشكيل لجان تصحيح في القوات المسلحة والأمن وتطهيرهما من الفساد الإداري، ومن خلالها عمل على استعادة العقد الاجتماعي في قوة سلطة الدولة من خلال إزاحة الفاسدين ذوي التعصب الطائفي، وتقديم مقترحات للرئيس الإرياني بإعادة أبناء المحافظات التي تعرضت لمؤامرة الإقصاء -بالأحداث الدموية أغسطس 1968م- إلى الشراكة بمعاييرها الوطنية (النزاهة والكفاءة)، وفي مواقع قيادية للمؤسستين العسكرية والأمنية، وبما يحقّق عقدًا اجتماعيًا وازنًا يضمن المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
الأداء الهزيل للأجهزة الأمنية اليمنية شمالًا وجنوبًا في قضية الجاسوس مرزاحي خلق انطباعًا غير جيد لدى جمهورية مصر العربية فوقعت في فخ عدم الثقة بالأجهزة الأمنية، وأثناء الاستعداد التام لحرب العبور أكتوبر 1973 لاستعادة سيناء تم إرسال ضباط من سلاح الغواصات على هيئة سوّاح مصريين إلى عدن عاصمة جنوب الوطن، وذهبوا إلى الشاطئ واستقلوا زورقًا سياحيًا، وتوغلوا إلى الأعماق المحظورة رغمًا عن السائق الذي فرضوا عليه الرشوة، وسرعان ما ضبطتهم القوات البحرية لجمهورية اليمن الديمقراطية، وكانت قضية اختراق باروخ مرزاحي للأجهزة الأمنية السورية واليمنية لم تزل طرية ومحفورة، لا سيما في أفئدة منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، ولذلك عند إيصالهم إلى الأجهزة الأمنية تم التعامل معهم بقسوة مفرطة في البدء، كون لهجتهم هي ذات اللهجة المصرية للجاسوس مرزاحي اليهودي المصري.
اضطرت قيادة جنوب الوطن للتواصل مع القيادة المصرية للتأكد من أن السواح ضباط مبتعثون من قبلها بصورة سرية لتأمين المضيق، وأن مصر على عتبات حرب لاستعادة سيناء حسب أقوالهم.
وهذه المعلومات لم يتطرق إليها الدكتور نجيب صالح في كتابه التوثيقي الهام والشامل "الزمن الإسرائيلي من سيناء إلى باب المندب"، ربما من باب الحصافة، والأرجح هو عدم الاطلاع عليه، كونه سيستند بالتأكيد لرواية الإعلام العسكري الرسمي في القطر المصري الشقيق، أن سلاح الغواصات ساند جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بإغلاق مضيق باب المندب في وجه التحركات الداعمة للكيان الصهيوني، فيما الحقيقة أن الزعيم الاشتراكي خالد الذكر سالم ربيع علي كان متذمرًا من الطريقة السرية لنظام السادات، والذي بادر بمحاولة اختراق سرية لسيادة اليمن البحرية كمقدمة لانتهاكها، وعندما أرسلت مصر وفدًا رفيعًا يتصدره قادة من البحرية وسلاح الغواصات، كان خطابه معهم شديد اللهجة حين طرحوا عليه مقترح إدخال غواصات مصرية إلى باب المندب وخليج عدن، وردّ عليهم بتساؤل استنكاري بلهجته البدوية الصريحة: "بعد ما تدخلون.. من عاد شي بايقدر يخرجكم المصريين؟"، ورد خطيًا للسادات: "واجبنا الإنساني والديني والقومي إغلاق المضيق نصرة لشعبينا الفلسطيني والمصري الشقيقين، المضيق صغير ونحن قادرون بالإمكانات المتاحة لقواتنا البحرية على تأمينه وإغلاقه على البواخر المتجهة إلى الموانئ العربية المحتلة من قبل الكيان الصهيوني"، وطلب من المصريين فقط تحديد ساعة الصفر للمعركة، والتنسيق مع روسيا لتحديد البواخر المتجهة لدعم الكيان الصهيوني، لكنهم أصرّوا على بقاء ضباط منهم للإشراف على عملية الإغلاق، الأمر الذي رحبت به القيادة الوطنية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهذه المعلومات فاجأني بها في العام 2008م العقيد المثقف عبدالله القاضي سالم لزرق، والذي تربطه صلة عمومة مباشرة بالأستاذ فتحي بن لزرق، وبيّن لي هذه المعلومات الدقيقة التي لم يتضمنها الكتاب المرجعي السالف للدكتور نجيب صالح، لأسباب أسلفتها، علمًا أن المقدم ركن -أثناء حرب العبور أكتوبر 1973- صالح القاضي سالم، الشقيق الأكبر لمدير شعبتي في قاعدة الإصلاح المركزي (سلاح الصيانة) عبدالله القاضي، إذ كان شقيقه الأكبر صالح القاضي يشغل ركن العمليات في وزارة الدفاع -كما أتذكر- وتم تكليفه من قبل الزعيم سالمين للإشراف على إنجاز العملية، والتي من أجل إنجازها بتصويب دقيق ونجاح تام من أول باخرة تم الاستغناء عن البارجتين والستة الزوارق الحربية ذات الطراز الروسي، والاعتماد على مدفعية تم دفنها في الرمال أسفل جبل الشيخ سعيد، أي قبالة جزيرة ميون، وتجريب تصويبها مرارًا على أهداف شكلية، وبينما كانت قطع بحرية مصرية ومن سلاح الغواصات على تخوم المياه الإقليمية اليمنية تراقب إنجاز المهمة، تم فعلًا وللمرة الأولى في تاريخ الحروب، استهداف باخرة بمدفعية وبدقة عالية، معلنة إغلاق المضيق في وجه من يدعمون الكيان، واضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إنشاء جسر جوي من الطائرات لفتح الاختناق على الكيان الصهيوني وتمويله بالوقود والأسلحة والأدوية والأغذية من مطارات أديس أبابا في إثيوبيا وأنقرة في تركيا. وبعد الانتصار العربي الأوحد والكاسح على الكيان الصهيوني تصاعدت الأصوات الصهيونية المتباكية، مؤكدة أن هزيمتهم كانت من باب المندب، ومطالبين أربابهم من دول الغرب الاستعماري (أمريكا -بريطانيا -فرنسا -إيطاليا -ألمانيا) بالعمل على تدويل هذا المضيق مستقبلًا، وهو ما تم في العام 2008م قبيل مجزرة غزة الأولى، والتي لم يكن ليجرؤ الكيان على اقتراف مثلها منذ أربعينيات القرن الماضي!
أورد الدكتور نجيب صالح في كتابه عددًا من تصريحات قادة الكيان الصهيوني، منهم بن غوريون وجولدا مائير ووزير الدفاع موشي ديّان، كما ذكر امتنان مصر للتحرك التلقائي الذي أثلج صدور المصريين، كونه تمّ دون طلب مصري رسمي من قبل قائد قوات الاحتياط نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية العقيد إبراهيم الحمدي بذاته إلى المناطق الحدودية بين شطري اليمن لمراقبة المياه الإقليمية اليمنية، وحمايتها من أية محاولة اختراق قد تقوم بها البحرية الصهيونية بزوارق أو أسلحة أخرى، والتواصل أيضًا مع إخوانه في جنوب الوطن استعدادًا لتقديم أية مساندة يحتاجونها.
وهنا يتضح حجم الحيطة لدى المؤسستين العسكريتين والأمنيتين لجمهوريتي اليمن، بعد إحباط الإنجاز الأخير لباروخ مرزاحي قبل مغادرته شمال اليمن، وفي الأيام الأخيرة من زيارته التي استغرقت ما يقارب أربعة أشهر.
يتبع...