اللواء عبدالله جزيلان.. أطلق رصاصة 26 سبتمبر ثم رحل صامتاً

هو ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، بل هو الآمر بالحركة ليلة 26 سبتمبر 1962م. إنه بطل من ذلك الزمان، عرفه الكثير بأنه رجل الثورة الأول، وهو ما أشار إليه الأستاذ عبدالله البردوني في كتابه (اليمن الجمهوري). وإلى جانب البردوني، هناك الكثير ممن اعتبر اللواء جزيلان في مقدمة الصف الثوري بلا منازع. وهل عرفتم من هو هذا البطل المقدام؟ إنه اللواء عبدالله قائد جزيلان.
ولد في مدينة تعز عام 1936م، وتعود أصوله إلى (برط)، إحدى قبائل بكيل اليمنية الهمدانية، وهي من كبريات قبائل اليمن، والتي تستقر في محافظة الجوف، وتحديداً مديرية برط العنان.
درس القرآن في المدرسة الأحمدية بمدينة تعز.
كان ضمن البعثة الطلابية التي سافرت إلى لبنان عام 1947 لإكمال الابتدائية.
انتقل عام 1949 إلى مصر، وأكمل الثانوية في بني سويف، ثم التحق بالكلية الحربية بالقاهرة، وتخرج منها عام 1955م.
عاد إلى اليمن عام 1956، وعين أركان حرب الكلية الحربية، ثم مديراً لمدرسة الأسلحة، ومدرسة الأسلحة كانت مفتاح الثورة؛ لأنها كانت تملك الدبابات والمدفعية الثقيلة داخل مدينة صنعاء.
وعن دوره في ليلة الثورة، ماذا يقول هو؟
يروي جزيلان في مذكراته "التاريخ السري للثورة اليمنية" خطته بنفسه:
وضعت خطتنا للتحرك تمهيداً لقيام الثورة على النحو التالي: محاصرة وقصف قصر البشائر واقتحامه بعد ذلك، وهو مقر البدر، والسيطرة على الإذاعة وإعلان الجمهورية ومبادئ الثورة، والقبض على قادة الجيش، ومحاصرة قصر السلاح.
ويومها كان الإمام محمد البدر يشك في ولائه، حتى أن المعتمد الخاص للإمام أحمد وصل بطائرة صغيرة ليحذر البدر: بأن "هناك محاولة انقلابية تدبر في صنعاء، ويتزعمها مدير الكلية الحربية ومدرسة الأسلحة عبد الله جزيلان".
وفي ليلة 26 سبتمبر، كان اللواء عبد الله جزيلان هو من حدد ساعة الصفر، وهو من أعطى إشارة الانطلاق للثوار للهجوم على قصر البشائر.
فماذا قالت عن اللواء عبد الله جزيلان مذكرات الثوار؟
وفي حقيقة الأمر، فقد اختلف الثوار في حبه وكرهه، وهذا ما يجعله شخصية حقيقية تمتلك كارزيما قيادية متفردة في اللحظات الحرجة، وهذا أمر طبيعي واختلاف مشروع في الأوقات الحساسة البالغة الخطورة. وتروي الرويات أن اللواء جزيلان تميزت علاقاته مع الشهيد علي عبد المغني بنوع من الحساسية.
فعندما تخرج علي عبد المغني عام 1961 بتخصص مدفعية، كان من المفترض أن يتوزع على مدرسة الأسلحة، لكن اللواء جزيلان أحاله إلى لواء المشاة في تعز، فنشأت حساسية كبيرة بين الرجلين استمرت إلى ما بعد قيام الثورة، وكان الاتصال بين جزيلان وتنظيم الضباط الأحرار يتم عبر وسيط هو المقدم ناجي علي الأشول، ثم الشهيد محمد مطهر زيد.
ويقول الدكتور محسن العيني في مذكراته إن جزيلان اتصل تلفونياً بضابط المخابرات المصري محمد عبد الواحد، القائم بأعمال السفارة المصرية في صنعاء، وأبلغه بقيام الثورة قبل أن يبلغ أي قائد يمني، وأن عبد الواحد كاد أن يطير من الفرحة حين وصله النبأ. وكلام العيني يفسر اتهام البعض للواء جزيلان بالتنسيق المبكر مع مصر عبد الناصر، بينما يراه آخرون ذكاءً لضمان دعم مصري في أسرع وقت ممكن.
وبعد إعلان الجمهورية، تقلد اللواء عبد الله جزيلان أعلى المناصب:
رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة.
وزيراً للحربية.
نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.
نائباً لرئيس مجلس الوزراء لشئون الاقتصاد والخزانة، ووزيراً للزراعة.
ثم نائباً لرئيس الجمهورية، ونائباً للقائد الأعلى.
وقاد حملة للدفاع عن مدينة البيضاء ضد الاعتداء البريطاني الذي كان يحتل جنوب اليمن.
وكان معروفاً بنزاهته وزهده ومحاربته للفساد، وحماسه لمبدأ الحساب والعقاب.
والأهم من كل هذا، كان اللواء جزيلان أول من حذر مبكراً من خطر عودة السلالة، ويصفه المؤرخون بأنه "الذي طالب بتجريم الهاشمية السياسية ومنع إشراك السلاليين في السلطة"، وبعد مؤتمر الخرطوم عام 1967م، الذي نص على مصالحة الجمهوريين مع الملكيين وإشراك الملكيين في الحكومة، رفض اللواء عبد الله جزيلان النتائج رفضاً قاطعاً، واعتبرها خيانة لدماء الشهداء.
فاعتزل السياسة وغادر إلى مصر، وبقي فيها حتى توفى.
وظل في المنفى الاختياري أكثر من 40 عاماً يكتب ويؤرخ، وصدرت له عدة مؤلفات، أهمها:
التاريخ السري للثورة اليمنية.
لمحات من ذكريات الطفولة.
الطريق إلى الهدف.
مقدمات ثورة اليمن.
وقد توفي اللواء عبدالله جزيلان في القاهرة عام 2010م، ونقل جثمانه إلى العاصمة صنعاء، وشيع في جنازة رسمية عسكرية مهيبة تقدمها رئيس الوزراء ووزير الدفاع، ودفن في مقبرة الشهداء، ملفوفاً بعلم الجمهورية اليمنية.
ورحل اللواء جزيلان وهو يؤمن بفكرة واحدة قالها قبل 50 عاماً: "الجمهورية لا تتعايش مع الإمامة، ومن يصالح الإمام يخسر الجمهورية".



