ماذا لو ....؟
ماذا لو...؟
سؤال ينهض في رأسي، يحاول القفز لكنه يعود ليسقط كطائر أرهقته المسافات، وأثقله الزمن، وكسرته النوازل. هكذا هو الوطن: قيدٌ لأوابدك، وسجنٌ لأحلامك، كالجذع القديم الذي تتهاوى عليه الفؤوس، حطبٌ يشعل أوجاعك، ورمادٌ تسفُّ فيه أحلامك.
حزنٌ قديم مرقومٌ بالمسند يلاحقنا من زمن النقوش، وخيباتٌ مريرة خبأها اليمني في المغارات، وعلى حيطان الزمن، وفي جيناته وذاكرته. من أين تمطر اللعنات وتنهال على اليمني؟ فلا بأسٌ أعاده إلى واجهة التاريخ، ولا حكمةٌ أوصلته إلى شواطئ السعادة والسلام. وفي خضم الخيبات، سيكون عليك أن تحمل هذا الوطن الكسيح على ظهرك مثل ندبة هائلة تتقوس منها عظام ظهرك. وهكذا يتبدل شعورك، وتصبح مجرد مومياء، كل شيء فيك ساكن. روحك الذابلة تعبر عن شخصيتك، وتثرثر لك عن فخامة الوطن والمشاعر التي تنتابك نحوه. سيصفق لسانك لبعض الأكاذيب، لكن دموعك وحسراتك لا تعرف النفاق. ستأوي إلى جبل ليعصمك من الحزن، لكن آهاتك التي تطلقها في الفضاء سيتردد صداها في الآفاق. في هذا البلد ورثنا التعاسة كما يرث الأبناء أسماءهم. لم نتعلمها، ولم نخترها، وإنما وجدناها تنتظرنا عند أبواب الحياة، تمد إلينا يدها منذ الطفولة، وتمشي معنا حتى الشيخوخة، كأنها قدرٌ لا يعرف الضجر، أو ظلٌّ لا يعرف الغياب.
تعبنا في هذا الوطن، أتعبنا وأتعبناه، تبادلنا الاتهامات معًا: نحن أم هو السبب في هذه التعاسة؟! التي ألفناها صغارًا وكبارًا، ولازمتنا كالليل الفاحم والنهار القائم، ملازمة الغريم للغريم والكلب لأصحاب الرقيم. ماذا لو حالف الأجداد الحظ وأخذوا في الرحيل، وسافروا إلى بلدان الرمال، وأناخوا بعيرهم في ذلك الفضاء المسكون بالهدوء، ووضعوا رؤوسهم على كثبانه، واستمعوا إلى نبض النفط وهو يدق مثل قلب طفل في شهره التاسع؟ كان الفراغ اللامحدود سيحتضن حلمًا لهم وربما لنا، لأجيال ظلت تلعق الفقر وتكابد الجوع. ربما كنا في هذه اللحظة نشرب القهوة فوق السحاب البيضاء، ونزرع البسمة على خد الشمس، ونكتحل من رموش الأقمار والنجوم. ماذا لو ذهبوا بعيدًا حتى يحتفلوا مع بابا نويل في رأس سنة ميلادية، ويراكموا كرات الثلج في طقس شتوي بارد، ثم ينتظرون حتى يأتي الربيع فتبزغ الأزهار، وتنساب المياه فوق الروابي، فيستمعوا لخرير الماء وهو يعزف الأغاني في مناطق الألب وأقاليم بروفانس، ويستمعون إلى نشيد الرعاة، ويرددون أغنية بيير الراعي. ماذا لو اتخذوا قرارًا لا ينتمي إلى أكذوبة الوطنية والقومية، وساروا تحت أشعة الشمس البيضاء في الرحاب المفتوحة، ليزرعوننا هناك بين الجنان، جوار حدائق قصر فرساي أو حدائق الرويال وكيو كينهوف؟ ربما اكتسبنا لون الأزهار، وتنسمنا روائحها، ولثمنا جمالها، وتوغلنا إلى قلبها الذي يفوح بالعبير. لماذا أصروا على البقاء بين الهم والدم، ووضعونا تحت حيطان الموت، نلوك أغصان القات، فتشعرنا بزهو فارغ، ونهرب فيها إلى السراب، وندعي الفضيلة، ونزعم أننا عباقرة العصر، ونحن نجر الخيبات خلفنا وبيننا، ونحتضن كل وهم، ثم ننام ونحن موبوؤن بالوطن والوطنية والشعارات التي تؤدي إلى الحموضة ونقص الكالسيوم وفقر الدم!



