وطن بين «تنابلة» الخارج و«زنابيل» الداخل
ثمة مفارقة مؤلمة تتكشف كلما طال أمد الحرب: من هربوا إلى بلاطات عواصم الجوار، وطاب لبعضهم المقام فيها، أخذ بعضهم يتحدث باسم الجمهورية والوطن، بينما صار بعض من بقوا في الداخل يُتهم بأنه باع الجمهورية، وتحول إلى «زنبيل»، وانخرط في مشروع «الولاية»، وأصبح تحت إمرة «السادة» من أنصار الله.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الاتهامات هو: ماذا بقي من استقلال القرار اليمني، حين يصبح بعض الخارجين من الوطن رهائن لمواقف العواصم التي احتضنتهم، وحين يصبح بعض الداخلين في مشروع أنصار الله أسرى لمنظومة تضع الناس في مراتب على أساس النسب؟
هنا تكمن المأساة.
فقد تحولت بعض عواصم الجوار، خلال سنوات الحرب، إلى ملاذ سياسي ومالي وعسكري لعدد من القوى والشخصيات اليمنية. ومع طول الإقامة، اختلطت لدى بعضهم حدود المصلحة اليمنية بالمصلحة الإقليمية، حتى أصبح الدفاع عن خيارات الداعم الخارجي يُقدَّم أحيانًا باعتباره دفاعًا عن اليمن، ولو كان من نتائج ذلك إضعاف الدولة، وإطالة الحرب، وتعميق الانقسام.
والمشكلة ليست في أن يستعين اليمني بجاره أو يطلب الدعم في ظرف استثنائي؛ فالعلاقات بين الدول تقوم على المصالح والتعاون. المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم إلى وصاية، والتحالف إلى ارتهان، والحاجة إلى تبعية، ويصبح القرار الوطني مرهونًا بإرادة من يملك التمويل أو الحماية.
وفي الجهة الأخرى، يقف مشروع أنصار الله، الذي لا يكتفي بالصراع السياسي على السلطة، بل يحمل في بنيته تصورًا خاصًا للسلطة والمكانة الاجتماعية، يقوم على مفهوم الولاية وعلى تمييزٍ في المكانة على أساس النسب. ومن هنا جاء تقسيم اجتماعي وسياسي أصبح «السادة» و«الزنابيل» أحد تعبيراته المتداولة.
وإذا كان من حق أية جماعة أن تؤمن بما تشاء من الأفكار، فإن تحويل تلك الأفكار إلى مراتب قانونية أو سياسية أو اجتماعية بين اليمنيين يصطدم جوهريًا بمبدأ المواطنة المتساوية، وبحق كل يمني في الكرامة والحقوق والواجبات دون تمييز بسبب النسب أو السلالة أو المنطقة أو المذهب أو القبيلة أو الحزب.
وهنا تكتمل المفارقة:
في الخارج، من يطلب الحماية من عواصم الجوار قد يجد نفسه مضطرًا إلى مراعاة أجنداتها؛ وفي الداخل، من ينخرط في مشروع أنصار الله قد يجد نفسه مطالبًا بقبول منظومة الولاية والتمييز الاجتماعي.
وبين ارتهان هنا وتمييز هناك، يُستنزف اليمن.
والأكثر إيلامًا أن الخطابين، رغم اختلافهما الظاهر، قد يلتقيان في نتيجة واحدة: إبعاد المواطن اليمني عن مركز القرار، وإضعاف الدولة الوطنية لحساب مشاريع أكبر منها أو أسبق عليها.
ولذلك فإن إطلاق وصف «تنابلة السلطان» على فريق، ووصف «الزنابيل» على فريق آخر، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام. فهذه التسميات، في جوهرها، تعكس مأساة وطن أصبح أبناؤه يتعاملون مع بعضهم بمنطق المراتب والولاءات بدلًا من منطق المواطنة.
ليس كل من خرج من اليمن خائنًا، كما أن كل من بقي فيه ليس بالضرورة وطنيًا. وليس كل من تحالف مع الخارج فقد وطنيته، كما أن كل من رفع شعار الاستقلال لا يصبح تلقائيًا مستقل القرار.
المعيار يجب أن يكون واحدًا: ماذا قدمتَ لليمن؟ ولمن كان قرارك؟
هل كان اليمن هو الغاية، أم مجرد ساحة لمشروع آخر؟
هل كانت الدولة هي المرجعية، أم الجماعة؟
هل كانت المواطنة هي الأساس، أم النسب؟
هل كان القرار يخرج من صنعاء، أم من عاصمة أخرى؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح بعيدًا عن الشتائم والتخوين والتصنيفات.
فاليمن لا يحتاج إلى «سادة» و«زنابيل»، كما لا يحتاج إلى «تنابلة سلطان» و«أتباع عواصم». اليمن يحتاج إلى مواطنين متساوين، ودولة مستقلة، وسلطة تستمد شرعيتها من الشعب، وعلاقات جوار تقوم على الندية والمصالح المتبادلة، لا على الوصاية والتبعية.
لقد تمزق الوطن بما يكفي.
وآن الأوان أن ندرك أن أخطر ما فعلته الحرب ليس أنها قتلت اليمنيين فحسب، بل أنها دفعت بعضهم إلى البحث عن خلاصهم خارج وطنهم، وبعضهم إلى الاحتماء بجماعته داخله، حتى أصبح الوطن نفسه هو الغائب الأكبر بين الطرفين.
ولعل «رصاصة الرحمة» السياسية والأخلاقية التي يحتاجها اليمن اليوم ليست رصاصةً تُطلق على أحد، وإنما قرارٌ يطلقه اليمنيون معًا: أن تتوقف الحرب، وأن تتوقف معها تجارة الولاءات، وأن يعود اليمن وطنًا لا ساحةً، ودولةً لا غنيمةً، ومواطنوه مواطنين لا رعايا.
فاليمن لا يستعيد عافيته بانتصار «تنابلة السلطان» على «زنابيل الداخل»، ولا العكس؛ بل بانتصار فكرة اليمن نفسه على كل مشروع يريد اختزاله في تابعٍ أو سيد، أو في تابعٍ للخارج أو تابعٍ للجماعة.



