هل أصبحت الدبلوماسية اليمنية خارج المشهد؟
لم يعد السؤال عن حضور الدبلوماسية اليمنية ترفًا سياسيًا، بل أصبح سؤالًا يتعلق بمكانة الدولة وسيادتها وقدرتها على تمثيل مصالحها في مرحلة تعد من أخطر مراحل تاريخ اليمن، فبينما تتكاثر اللقاءات والاتصالات والمبادرات المتعلقة بالحرب والسلام، تبدو وزارة الخارجية بعيدة عن مركز القرار، ويقتصر حضورها في كثير من الملفات على متابعة ما يصدر عن العواصم الأخرى بدلا من المشاركة الفعلية في صياغته.
تدار الملفات اليمنية الحساسة اليوم عبر قنوات أمريكية وسعودية وخليجية وعمانية تتواصل بصورة مباشرة مع الأطراف المؤثرة في الصراع، وتناقش الهدنة وأمن البحر الأحمر والتسوية السياسية والعلاقة مع سلطة الأمر الواقع في صنعاء في ظل حضور محدود للمؤسسات اليمنية الرسمية. ولا تكمن المشكلة في جهود الوساطة التي قد يحتاج إليها اليمن، بل في غياب صوت يمني دبلوماسي قوي يشارك في تحديد الأولويات، ويرفض تحويل البلاد إلى ملف تتفاوض بشأنه القوى الإقليمية والدولية بعيدًا عن أصحاب المصلحة الحقيقيين.
وفي الوقت الذي تعاني فيه وزارة الخارجية من ضعف التأثير، توجه إلى نيويورك وفد يمني بهذا الحجم الكبير لتمثيل بلد فقير يعاني مواطنوه من الجوع والنزوح وانقطاع الرواتب وانهيار الخدمات، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول عدد المشاركين ومعايير اختيارهم وحجم النفقات والنتائج التي ستعود على اليمن، فالدبلوماسية لا تقاس بعدد المسافرين ولا بكثرة الصور واللقاءات البروتوكولية، وإنما تقاس بقدرتها على التأثير في المواقف الدولية وانتزاع الدعم والدفاع عن المصالح الوطنية.
إن اتساع حجم الوفد لا يستطيع إخفاء محدودية الدور الذي تقوم به الوزارة، ولا يعوض غياب الخبرة المتخصصة في إدارة الملفات المعقدة، كما لا يمكن للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة أن تصبح بديلًا عن إصلاح المؤسسة الدبلوماسية التي ما زالت بحاجة إلى رؤية واضحة وكفاءات مهنية ومعايير شفافة في التعيينات والترقيات وإدارة البعثات، وكان من الأولى أن يضم الوفد عددًا محدودًا من أصحاب الخبرة القادرين على التفاوض، وأن تقدم الوزارة للرأي العام تقييمًا واضحًا لأهداف المشاركة ونتائجها وكلفتها.
إن استعادة الدبلوماسية اليمنية لموقعها لا تبدأ من نيويورك، بل من إعادة بناء القرار الوطني وتمكين وزارة الخارجية من أداء دورها الحقيقي على أساس القانون والكفاءة والمساءلة، فاليمن لا يحتاج إلى وفود كبيرة ذات تأثير محدود، بل إلى دبلوماسيين محترفين يعرفون ماذا يريدون وكيف يدافعون عن مصالح بلادهم، فإما أن تكون الوزارة شريكًا في صناعة السلام وحماية السيادة، وإما أن يبقى اليمن حاضرًا باسمه وعلمه، وغائبًا عن الطاولة التي يرسم فوقها مستقبله.



