الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • على أعتاب حرب كونية جديدة.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

على أعتاب حرب كونية جديدة.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

نعيش اليوم واقعًا سياسيًا يشبه تلك الأيام التي عاشها العالم قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى مطلع عام 1914م، بانتظار مغامر جديد يتولى مهمة إطلاق الشرارة الأولى، كمغامرة الطالب الصربي "غافريلو برنسيب" التي دُوّنت كشرارة للحرب الكونية الأولى، بعد أن نجح في اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند وزوجته، في عاصمة البوسنة سراييفو، كانت تلك الطلقة هي الأولى في حرب توسعت ميادينها يومًا بعد آخر لتشمل جبهات عدة غطت معظم المعمورة، وخلفت بعد أربع سنوات خرابًا ودمارًا وملايين الضحايا والجرحى والمشردين، وملايين ممن فقدوا منازلهم ومصالحهم ووظائفهم.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل قادت الحرب إلى خلق واقع جديد لم يشهده العالم من قبل، لا سيما في تغيير خرائط الدول، فظهرت دول جديدة واختفت أخرى، وتمزق النسيج الاجتماعي لبعض الأمم التي دارت على أراضيها رحى المعارك، واستُبدل الكيان السياسي الجامع بكيانات متعددة ومتناحرة صُنعت لخدمة القوى المنتصرة التي حاولت جني ثمار انتصارها بتمزيق وحدة الشعوب.

والسؤال الملح اليوم: هل نحن على أعتاب حدث عالمي جديد من شأنه أن يتدحرج ككرة الثلج دون سابق إنذار؟ وهل نحن أمام مرحلة تحول جذري في النظام العالمي الذي بُني في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م؟

بالنظر إلى الأحداث والمتغيرات التي طرأت على المستويين الإقليمي والدولي، نجد أننا نعيش الإرهاصات الأولى لحدث كوني سيشهده العالم في مقبل الأيام، وستمتد ساحاته لتشمل أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وسيقود هذا الحدث إلى تغيير النظام العالمي والخرائط السياسية للدول، باختفاء بعضها وظهور أخرى، كما سيعيد صياغة التحالفات الجيوسياسية بين قوى الشرق والغرب، ويخلق واقعًا سياسيًا جديدًا لا قطبية أحادية فيه، بل عالمًا متعدد الأقطاب أكثر توازنًا من ذي قبل، وأكثر عدالة في القضايا الدولية، بعيدًا عن إخفاقات النظام السابق الذي كرّس الظلم وجعله أمرًا مسلمًا به، كالقضية الفلسطينية التي قد يكون طوفانها بوابة الجحيم الذي سيدخل العالم في حلقة التغيير الجديد بعد أن يخوض غمار حرب نعيش إرهاصاتها اليوم.

لست متشائمًا، لكني أقرأ ما بين السطور. فالتحركات الأخيرة التي شهدتها بعض الدول خلال الأسبوع الماضي، وقطع رؤساء دول وازنة لإجازاتهم وزياراتهم الخارجية وعودتهم إلى بلدانهم، لم يكن صدفة، بل له ما بعده، فأين نحن اليوم؟ هل في نهاية المشهد أم في بدايته؟ وأين ستكون البداية وأين ستنتهي؟ إن التطورات السياسية المتسارعة على المستوى الإقليمي، لا سيما الأحداث الأخيرة، بينت مدى التطور الذي بلغته بعض الدول في مسار القوة والتسليح، في ظل حالة الجمود المتبادل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وبقية دول الخليج واليمن من جهة أخرى، حيث أصبح ميزان القوة محكوم بالجرأة والمبادرة في الميدان في حين يظل الاحتفاظ بحق الرد محكوم بمعيار الخسارة، إذ بينت الأحداث المتسارعة أن المبادرة أو ما يعرف بالمباغتة تمنح القوة، والتحكم بإيقاع المعركة، حتى لا يفرض عليك العدو الذي يمتلك العتاد العسكري المتطور، ما يريد في الميدان من خلال استخدام القوة القاهرة، فالقوة مهما تعاظمت، لا يمكن أن تفرض واقعًا، أو تحدث فرقًا مختلفًا في المعركة، طالما ظلت في ميدان الدفاع، تنتظر أن تهزم العدو.

إن واقع الحرب الذي نعيشه اليوم مختلف بصورة كبيرة عن الصورة النمطية للحروب التي ألفناها من قبل، والسبب يعود إلى التطور التكنولوجي الذي شهدته ميادين صناعة الأسلحة وتطورها، بل وأعمق من ذلك، فالانتصار محكوم بمن يمتلك التقنية أكثر، والقدرة على التخفي أكبر قدر ممكن والابتعاد عن أعين الرصد، ومن شأن تلك الاستراتيجية أن تغير مسار الحرب والخطط المعدة مسبقًا في أجندات الدول الإقليمية والدولية، وحساباته لجني ثمار الحرب لصالحها، ورغم ذلك تظل الحروب وإيقاع النصر محكومًا بعوامل الجغرافيا والزمن، وقد تأتي بعض العوائق التي تمنع ذلك مثل: امتلاك العدو لعقيدة قتالية صلبة نابعة من الإيمان العميق بعدالة القضية في مواجهة التحديات أيًا كان حجمها وقوتها.

أصبح الركون إلى القوة ومضاعفتها في تحقيق الهيمنة والغلبة أمرًا من الماضي السحيق، لأن معايير المعارك اليوم مختلفة بكثير من ذي قبل نظرًا لحجم المخاطر وارتفاع كلفة الحرب بفضل الزيادة الكبيرة في أعداد الضحايا من المدنيين الأبرياء الذين يتعرضون للاستهداف -بقصد أو بدون قصد- لرفع كلفة الخصم وزيادة الضغط عليه في ميدان الحرب، وإجباره على الاستسلام، ولذا فإن الأنسب للإنسانية جمعاء العمل على تحقيق السلام من خلال التفاهمات الودية عوضًا عن حمام الدم الذي يلوح في الأفق القريب.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار