اليمن.. بين القـ.تل والقات والقوت
ثلاث كلمات متقاربة في اللفظ، لكنها شديدة التباعد في المعنى والمآل: القتل، والقات، والقوت.
القتل يأخذ الحياة، والقات يمنح متناوله وقتًا محدودًا من النشوة سرعان ما ينقضي، أما القوت فهو ما يحفظ للإنسان حياته وكرامته وقدرته على الاستمرار.
وفي بلدٍ أنهكته الحرب والصراع والفقر، تبدو هذه الكلمات الثلاث وكأنها تختصر جانبًا مؤلمًا من الواقع اليمني: حياة تُهدر، ووقتٌ يُستنزف، وقوتٌ يندر.
لم يعد اليمني بحاجة إلى مزيد من أسباب الموت، ولا إلى وسائل للهروب المؤقت من واقعٍ قاسٍ؛ إنه بحاجة إلى ما يبقيه حيًا، آمنًا، قادرًا على العمل، وإطعام أسرته، وبناء مستقبله.
فالقتل لا ينهي حياة الإنسان وحده؛ بل يترك وراءه أسرةً مكلومة، وطفلًا فقد أباه، وأمًا فقدت ابنها، ومجتمعًا تتراكم في ذاكرته الجراح والخوف. وحين يصبح العنف وسيلةً لحسم الخلافات، لا تنتهي المأساة بموت الضحية، بل تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع، وتترك آثارًا نفسية واجتماعية يصعب محوها.
ثم يأتي القات، بما يحمله من أضرار صحية واجتماعية واقتصادية لا ينبغي التقليل منها. فتعاطيه بصورة متكررة قد يرتبط بمشكلات صحية متعددة، فضلًا عن استنزاف المال والوقت، بينما تمثل زراعته باستخدام المبيدات، ولا سيما عند سوء استخدامها أو الإفراط فيها، مصدرًا إضافيًا للقلق على صحة الإنسان والبيئة، بسبب احتمال التعرض لمتبقياتها وآثارها الضارة. وبعض المبيدات الزراعية مصنَّف علميًا ضمن المواد ذات الخطورة العالية، وقد يرتبط التعرض لأنواع منها بمخاطر صحية خطيرة، بما في ذلك بعض أنواع السرطان.
وهنا تتضح المفارقة بصورة أكثر قسوة: كيف يستمر إنفاق المال والوقت على ما يمنح نشوةً مؤقتة، بينما يعجز كثير من الناس عن تأمين احتياجاتهم الأساسية؟
المسألة إذن ليست مجرد عادة اجتماعية، بل قضية تتصل بصحة الإنسان، واقتصاد الأسرة، واستنزاف الموارد، والأمن الغذائي. ولذلك فإن مواجهة أضرار القات لا تعني مهاجمة الناس أو تجاهل الظروف التي جعلته جزءًا من حياتهم اليومية، وإنما تعني فتح نقاش جاد حول كلفة هذه العادة على الإنسان والمجتمع، والبحث عن بدائل زراعية واقتصادية وغذائية أكثر نفعًا وأمانًا.
وتشير دراسات حديثة إلى أن زراعة القات تشغل مساحة مهمة من النشاط الزراعي في اليمن، وتعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية، بما يجعلها جزءًا من قضية أوسع تتعلق باستخدام الموارد الزراعية والمائية وأولويات الإنتاج الغذائي.
وهنا تتطلب المرحلة مراجعةً جادة لأولوياتنا: ما نزرعه، وما نستهلكه، وكيف تُوجَّه موارد الأسرة، وكيف يمكن تحويل الأرض والماء والمال والوقت إلى وسائل للإنتاج وتحسين المعيشة.
فالقات، مهما كان حضوره في الحياة اليومية، لا ينبغي أن يحجب الأولوية الأهم: أن يعيش اليمني بكرامة، وأن يجد غذاءه وعمله، وأن يكون قادرًا على تأمين مستقبل أسرته.
أما القوت، فهو الكلمة التي ينبغي أن تتقدم على غيرها.
القوت هو الغذاء، والعمل، والدخل، والقدرة على تأمين حاجات الأسرة الأساسية. إنه ليس أمرًا ثانويًا، ولا شعارًا، ولا وعدًا مؤجلًا؛ إنه أساس الحياة والكرامة.
وهذه ليست قضية نظرية. فما يزال اليمن يواجه أزمة غذاء حادة، ويعاني ملايين اليمنيين من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار الصراع والأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخول وفرص العمل.
وفي مثل هذا الواقع، تصبح الأولويات أكثر وضوحًا: الغذاء قبل الاستهلاك الذي يمكن تأجيله، والعمل قبل البطالة، والإنتاج قبل الهدر، والحياة قبل الموت.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الهروب من واقعه، بل إلى مواجهة أسباب هذا الواقع. يحتاج إلى اقتصادٍ يخلق فرص العمل، وزراعةٍ تعزز الأمن الغذائي، وإدارةٍ رشيدة للمياه، وسياساتٍ تضع احتياجات الناس الأساسية في مقدمة الاهتمام.
فالثروة الحقيقية ليست في حجم ما يُستهلك، وإنما في قدرة المجتمع على الإنتاج، وفي قدرة الأسرة على تأمين احتياجاتها، وفي قدرة الإنسان على أن يعيش من عمله بكرامة.
ولا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية الاختيارات التي فرضتها عليه ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة؛ فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى بيئة تساعد الإنسان على اتخاذ خيارات أفضل، وإلى سياسات اقتصادية وزراعية تفتح أمامه بدائل عملية، وتعيد توجيه الموارد نحو ما يخدم حياته ومستقبل أبنائه.
اليمن يحتاج إلى أن تتغير أولوياته.
يحتاج إلى أن يصبح القوت قبل القات، والحياة قبل القتل، والعمل قبل البطالة، والإنتاج قبل الاستهلاك، والأمن قبل الخوف، والسلام قبل الحرب.
فلا يمكن أن نطلب من الجائع أن يبني مستقبلًا أفضل، بينما يعجز عن تأمين قوت يومه. ولا يمكن لمجتمعٍ أنهكته الحرب أن يستعيد عافيته ما لم يشعر الإنسان بأن حياته مصونة، وأن عمله مجدٍ، وأن غذاء أسرته مؤمَّن، وأن الغد يحمل له فرصةً حقيقية.
إن اليمن الذي نريده ليس يمنًا يُقاس بعدد ضحايا القتل، ولا بحجم ما يُستهلك من القات، بل بقدرته على حماية الإنسان، وتوفير قوته، وفتح أبواب العمل أمامه، وصناعة مستقبلٍ أكثر أمنًا واستقرارًا.
فالبلد الذي يحفظ حياة أبنائه، ويوفر لهم قوتهم، ويمنحهم الأمن والكرامة، هو البلد القادر على أن يبدأ طريق التعافي الحقيقي.
ومن هنا، تبدو الكلمات الثلاث أكثر من مجرد تقاربٍ صوتي؛ إنها تعبير عن الأولويات والمصير:
هل نريد يمنًا يأخذ فيه القتل حياة الإنسان، ويستنزف فيه القات وقته وماله وموارده، أم يمنًا يكون فيه القوت أساسًا للحياة والكرامة؟
إن اليمني اليوم لا يحتاج إلى من يبيع له وهم السعادة المؤقتة، ولا إلى من يدفعه نحو مزيد من الموت؛ إنه يحتاج إلى قوتٍ يحفظ حياته، وأمنٍ يصون كرامته، وعملٍ يفتح أمامه الأمل، وسلامٍ يهيئ له طريق المستقبل.
اليمن يحتاج إلى القوت قبل القات، وإلى الحياة قبل القتل.



