عبدالعزيز عون المختفي قسرياً.. ذكرى وذاكرة لا تموت

كل شيء جميل ونبيل في حياة أي إنسان كان لا تمحوه السنوات والعصور، بل تعيد تأسيسه في مبنى عمارة الذاكرة.
أقول هذا ليس وأنا في معرض الحديث عن الصديق الأعز عبدالعزيز أحمد عون؛ لأن البداية الحقيقية ليست هنا، بل في ذلك الأصل الإنساني البسيط والعميق في الحضور في الذاكرة، وهو الأب والمربي الفاضل أحمد عون المدحجي، سائق التاكسي الذي قدم صورة مختلفة ومثالية/ نموذجية لسائق التاكسي؛ الأب والمربي والإنسان.
كان يخرج بسيارته "الهوستن" - كما أعتقد - مثل القائد الذاهب إلى غزوة/ معركة، ويعود إلى إمارته/ حارته مثل الفاتح العظيم.
وكان الوالد الفاضل أحمد عون رمزا للمثقف الاجتماعي؛ مثقف صنعته الحياة الاجتماعية؛ لأن كل إنسان في الحياة بدون استثناء مثقف، ليس بالمعنى والمفهوم الاصطلاحي الضيق لكلمة ومفهوم المثقف، أي المثقف المنتج للمعرفة، بل ذلك المثقف الذي يعيش هذه المعرفة في تفاصيلها الحياتية والإنسانية العميقة.
كل منا من مختلف الفئات والشرائح والطبقات يحمل في أعماق تكوينه بذرة رؤية فكرية وثقافية واجتماعية للحياة وللمجتمع وللناس من حوله.

كان الوالد أحمد عون متنوّراً بالفطرة، محباً للحياة، ويقع التعليم على رأس هذه المحبة في عقله ووجدانه.
هذا ما تلمسته فيه منذ كان يأخذنا إلى مدرسة كلية بلقيس؛ لأن السيارة التاكسي كانت عنوان عمله، ومصدر رزقه وحياته. ومع أننا لم نستمر أكثر من شهر ونصف في هذه الرحلة إلى المدرسة، ذهابا وإيابا، فقد بقي اسمه وصورته وصبره الجميل وحنانه الأبوي عالقاً في ذهني حتى اللحظة، وكنت حين ألتقي به نادراً في الحارة وفي المناسبات التي تحملها الصدفة إلي، أرى فيه صورة والدي وأعمامي ومن أحبهم من الكبار الذين هم على مثاله.
كان أولاده - باستثناء أمين عون - في عمري، وهناك الأصغر مني - يتميزون بأنهم قليلو الحركة في الشارع/ الحارة، لا علاقة لهم بالمشاغبة والمشاكسة، من جماعة خليك في البيت، يدخلون ضمن دائرة الطلاب المثاليين في الدرس التعليمي، اختلاطهم بأطفال الحارة - كما أتذكر - نادر وقليل. كنت على صلة بزملائي من نفس حارتهم الملاصقة لحارتنا، التي لا تبعد عن منزلنا سوى عشرات الأمتار، وأذكر هنا صديق عمري الفقيد الأستاذ فؤاد السيد عبدالرحمن المقطري ومحمد المهيوبي، ورامز الباكستاني، وابن الحلاق البيضاني، وغيرهم.
ما يهمني هنا أن ذلك الأصل الأب كان يرى في تعليم أبنائه غاية المنى والرجاء والحلم الذي ينتظره وكأنه يعوض ما فاته، مع أنه كان يحمل - كما سبقت الإشارة - في رؤيته للحياة وللوطن كل ما يفكر فيه من نسميهم بالمثقفين والمتعلمين والمفكرين، وقد تكون نظرته أعمق وأكثر واقعية للحياة لأنها رؤى معجونة بتعب العمر والحياة في تفاصيلها الدقيقة.
من ذلك الجذر العميق والأصيل في التربية المدنية لأولاده، جاء منصور، وعبدالعزيز، وعبدالباري، وياسين، وجميل، وهشام، وأروى، وعدنان، ولطفي ووجدي ...، وقبلهم جميعا جاء وكان القائد السياسي الوطني والقومي العربي (البعثي)، أمين أحمد عون.. أمين العدني، واليمني الأصيل.

أتذكر هذه الأسماء لأنها قريبة من عمري - أقصد من الأسماء: منصور، وعبد العزيز، وعبد الباري.
هي سلالة تم تأسيسها على محبة العلم والتعليم وعلى محبة الوطن.
يصعب حقيقة الحديث عن هؤلاء الأبناء بمن فيهم عبد العزيز دون المرور على ذلك الأب الفاضل في نظرته العميقة للحياة وللناس، ولذلك كرس عمره وحياته على تنميتهم وتربيتهم وتعليمهم على ما يفيد ويمكث في الأرض: على قاعدة التعليم.
جميعهم يتوزع حضورهم، بين القادة السياسيين وأساتذة في التعليم الجامعي والعمل الوظيفي الإداري، وليس مصادفة أن يجدوا أنفسهم جميعاً في صف التقدم الاجتماعي والإنساني؛ أساتذة اختصاصيين في فروع التعليم المختلفة، من الدكتوراه في تخصص الطب (تخصص طبي علمي دقيق) إلى مختلف التخصصات الهندسية والاقتصادية والفلسفية والاجتماعية الإنسانية.
عرفت عبد العزيز مثل الطيف في الصغر، هي صورة مما تبقى من الذاكرة عنه وحول اسمه، حتى التقيت به سنة دخوله جامعة صنعاء كلية التجارة، والملفت بالنسبة لي أنه وهو يقدم نفسه لي أو يعرفني بنفسه وكان حينها لابساً البدلة العسكرية برتبة ملازم أول.
مع أن روح وشكل وطريقة تفكير عبد العزيز عون - كما عرفته عن قرب لاحقاً - لا تتلاءم ولا تتناسب مع الروح العسكرية الصارمة والحادة والجافة.
قد يكون زخم وتداعيات ثورة 26 سبتمبر وثورة الشباب الكامنة في داخله هو ما دفعه صغيراً ومبكراً وهو في سن الخامسة عشرة للالتحاق بالكلية الحربية (الدفعة التاسعة 1967م) التي كان القبول فيها محدداً العمر، بين 17 و18 سنة. وهي الدفعة التي حاولت الالتحاق بها، وعدلت عن ذلك.
ومع أنه التحق بالجيش/ الكلية الحربية، إلا أنه لم ينسَ الدرس التعليمي الذي كان مستمراً في تحصيله/ مواصلته من الثانوية حتى الجامعة.
تقديري أن شخصية عبد العزيز عون أقرب لصورة المثقف العضوي ولصورة الأديب والشاعر أكثر من صورة القائد العسكري، وهو ما ستراه وتلمسه في حركاته وفي طريقة تفكيره وحديثه ونبرة صوته، وفي اهتماماته الفنية والثقافية والأدبية الإبداعية.

وهو في سنة أولى أو ثانية جامعة بدأ كتابة القصة القصيرة، وقد يكون قبل ذلك بسنوات، وكانت لديه هواية الرسم كما سمعتها منه، على أنني كنت أرى فيه مشروع قاص مبدع جميل.
سلمني قصة قصيرة وبعدها قصة أخرى، وأتذكر أنني عرضتها على الصديق الفقيد محمد المساح وعلى الصديق، الأستاذ عبد الباري طاهر بدون اسم لكاتب القصة وأعجبا بها، وتم نشر قصة منها - كما أتذكر - في صحيفة الثورة.
عبد العزيز عون جمع حقاً بين صورة المثقف العضوي وبين المناضل السياسي والقائد العسكري مكللة ومعززة بدماثة خلق جميلة ومحببة، وجميع من تعرفوا عليه يقولون ذلك.
من صفاته الاجتماعية والأخلاقية؛ أنه يحمل في داخله مساحة طيبة لمعرفة الآخر والقبول به. لم يكن حدياً أو عصبياً، ردود فعله حتى حين يكون في حالة توتر أو غضب هادئة، إلى جانب قدرة عميقة على التأثير الإيجابي فيمن حوله.
في إحدى اللقاءات المتوترة في جامعة صنعاء التي كان ملتحقاً بها (كما سبقت الإشارة كلية التجارة)، كان هناك لقاء مع الدكتور حسن مكي حول بعض المطالب الطلابية، وكان اللقاء في إحدى قاعات كلية التجارة، وكان يراقب المشهد من بعيد بسبب الحالة الأمنية المتطرفة، وكذا بسبب حساسية وضعه الذي يجمع بين العسكري والسياسي والطالب.
كان حينها قد بدأ الحديث عن تشكيل الجمعيات الطلابية بدلاً عن الاتحاد الطلابي الذي كان الطلاب في جامعة صنعاء يطالبون به، والجمعية هي التسمية والصيغة التي سمح الأمن الوطني بأن يشكل التواجد الطلابي في مختلف اختصاصات الجامعة تحت هذا العنوان (الجمعية)، ومنها تشكلت الجمعية الاجتماعية، والجمعية الفلسفية، والجمعية التاريخية... وأتذكر أنه كان هناك تداول لاسم عبد العزيز في محيط محدود ليكون ضمن قيادة جمعية كلية التجارة.
فقد كان بسبب دماثة خلقه وأدبه الجم، فضلاً عن تفوقه العلمي/ التعليمي، قد أصبح اسماً معروفاً ومحبوباً بين طلاب الكلية.
وهي نفس السنة، بل والشهر الذي تم فيه اعتقاله، في فبراير 1977م، فقبل اعتقاله بثلاثة أيام كنا معا في مكتبة عبد العظيم عبد الجبار بجانب الجامعة، وكان يبحث عن كتاب يدخل في صلب اهتماماته الثقافية التي طلب من صاحب المكتبة توفيرها له.
كان الكتاب الفكري والثقافي والأدبي والسياسي؛ رفيقه وجليسه في كل الأحوال.
هو بحق صورة للمثقف المدرك لحقيقة ومعنى دوره في الواقع الصعب والمعقد الذي كانت تمر به البلاد في حينه، وهي فترة انتقال إلى تاريخ من الاستبداد مفتوح على جميع أشكال القمع والإرهاب.
ومن المفارقات المحزنة والمثيرة للغرابة أن اعتقال عبد العزيز عون كان في فترة الرئيس إبراهيم الحمدي في فبراير 1977م، أي قبل اغتيال الرئيس الحمدي بـ 8 أشهر، وكأن اعتقاله وإخفاءه القسري هو البداية الفعلية في التمهيد للانقلاب والاغتيالات اللاحقة؛ ذلك أن فترة الرئيس الحمدي شهدت تخفيفاً للتوترات العسكرية والأمنية في جميع المناطق الريفية ووقفاً للاعتقالات على الأساس الحزبي، أو بالأصح أن الاعتقالات كانت في أضيق الحدود إن لم تكن شبه متوقفة، وحينها بدأت حالة من الحوارات السياسية مع القوى الوطنية، وشُكِّلت حكومة دخل فيها رموز سياسية وطنية كبيرة ومعروفة، على رأسهم سلطان أمين القرشي، وعبده علي عثمان، وعبد الوهاب محمود، ومحمد عبد الملك المتوكل، والجلال، وهو ما أثار انتباه الجميع لحالة أو ظاهرة اعتقال أو بالأصح اختطاف عبد العزيز عون، خاصة وأن الاعتقال ارتبط مباشرة بالإخفاء القسري من أول لحظة لاعتقاله، ومن هنا كان الخوف على حياته؛ إلا من كان مطلوباً للاعتقال والقتل، وهي ظاهرة مرتبطة بمن ينتمون لممارسة الكفاح المسلح في المناطق الوسطى وغيرها.
خاصة وأن عبد العزيز عون لم يكن من هواة الثرثرة في الكلام السياسي كيفما اتفق، لأن طبعه كذلك فضلاً عن وضعه العسكري الذي كان يجعله في حالة تحوط وحذر دائم لما يقوله، فقد كان حصيفاً وذكياً ومرناً في خطابه وفي أفعاله.
لم يكن من دعاة حب الظهور والنجومية الإعلامية التي كان يتباهى بها البعض، كان يعرف دوره كقائد سياسي وعسكري، والأهم كمثقف عضوي بكل ما تحمله كلمة المثقف من معنى.
كان المستقبل أمامه مفتوحاً على كافة الأصعدة كقائد سياسي، وقائد عسكري، وأديب وقاص، ومثقف ثوري، وهي خلطة جميلة يبدو أن البعض في الأجهزة الأمنية أدرك خطورة ذلك على أعداء النور، فبادروا بالاختطاف والإخفاء القسري من أول لحظة لاعتقاله، والذي ما يزال مستمراً حتى الساعة.
هناك رموز سياسية وقيادات وطنية تم اعتقالهم وبعد ذلك إخفاؤهم قسرياً، على أنه تسربت معلومات تؤكد رؤيتهم ومشاهدتهم من قبل البعض، ومنهم القائدان السياسيان الوطنيان سلطان أمين القرشي، وعبد الوارث عبد الكريم، والاثنان تم اعتقالهما من قبل محمد خميس وزبانيته، خميس الذي كان يعمل في يوم ما تحت إدارتهما حين كان سلطان أمين القرشي مديراً للأمن الداخلي وخميس من العاملين تحت قيادته، وكذلك عبد الوارث عبد الكريم المغلس، الذي التقيت به في سجن البشائر، ومكث في زنزانة في سجن البشائر لأيام قليلة، ولم نعد نعلم عنه شيئاً.
يبقى عبد العزيز عون وعلي خان من الأسماء الذين تم إخفاؤهم من أول لحظة لاعتقالهم. وأتذكر أن الأخت الأستاذة خديجة مصوعي (زوجة علي خان) جاءت للبحث عن علي خان إلى سجن البشائر أكثر من مرة، لتسألني عنه.
ولم تتوقف زيارات والد عبدالعزيز عون بالبحث عنه وطرق جميع الأبواب للسؤال عن حقيقة إخفائه ومصيره مطالباً بالكشف عن مصيره وأين هو طيلة هذه السنوات العجاف التي قاربت اليوم النصف قرن.
إن الإخفاء القسري هو أقسى وأبشع أنواع الاعتقال، القتل أمامه رحمة! الإخفاء القسري جريمة لا إنسانية تتجاوز سقف حدود جميع جرائم القتل، ذلك أن الإخفاء القسري يجعلك كأب وأم وأبناء وأخوة تعيشون الانتظار والموت في كل لحظة... هو اغتيال مستمر للذات الإنسانية في صورة من ينتظرون في الخارج عودته/ عودتهم.
اليوم صار والد عبد العزيز ووالدته في ذمة الله قهراً وكمداً في الانتظار الطويل لعودته، الانتظار المرهق للروح وللنفس في صورة سؤال لم يتوقف، كما هو الحال مع جميع المخفيين قسرياً.

اليوم عبد العزيز عون، وسلطان أمين القرشي، وعبد الوارث عبد الكريم المغلس، وعلي خان، ومحمد عبد القاهر، وعلي محمد هادي، وحسن الخولاني، والقائمة طويلة بالمئات... من المهم أن تتحول قضيتهم إلى قضية حقوقية وعدلية وقانونية وإنسانية، تتجاوز ما يسمى بملف المخفيين قسرياً.
من المهم الكشف عن مصيره/ مصائرهم، أين هو/ هم طيلة هذه السنوات العجاف؟
على الأقل استنطاق من تبقى من جماعات وقيادات الأمن اللاوطني، في الداخل والخارج وبصورة رسمية عن أحوالهم وأماكنهم وما هي مصائرهم، على الأقل معلومات تقول تفاصيل اختفائهم وعذاباتهم، وأين هم الآن بالضبط؛ فهذه قضايا لا تسقط بالتقادم.
كنا في مؤتمر الحوار الوطني نطالب بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يتضمن حل ومعالجة كل هذه القضايا بصورة واقعية وإنسانية بعيداً عن عقلية الثأر والانتقام، إلى جانب المطالبة بإصدار قانون لعودة الأموال المنهوبة، ومن هنا إصرار النظام السابق على الرفض الجذري لإصدار أي من القانونين.
كان رأيي الذي قلته للبعض في حينه في "مؤتمر الحوار الوطني الشامل"، إن علينا أن نفصل في المطالبة بين القانونين ونجعل في الصدارة قانون العدالة الانتقالية؛ لأن ربطه بقانون الأموال المنهوبة سيعقد إصدار القانونين، فالأموال المنهوبة تعني إدانة سياسية مباشرة في السرقة واللصوصية والفساد لرموز النظام الحاكم.
قانون العدالة الانتقالية لوحده كان من الأسهل في تقديري تمريره بدون صعوبة كبيرة؛ لأن المؤتمر الشعبي من خلال رموزه في داخل مؤتمر الحوار، كانوا يطرحون في مقابل قانون العدالة الانتقالية ما يسمى بالمصالحة الوطنية.

عبدالعزيز عون بملامحه وصفاته الشخصية الإنسانية صار مرتبطاً ليس بالذاكرة الخاصة لأسرته المباشرة بل وبالذاكرة العامة لرفاقه وبالذاكرة الوطنية العامة لكل المجتمع. هو اليوم - ورفاقه المخفيون قسراً - أكثر حضوراً في غيابهم/ غيابه، أسماؤهم/ اسمه يتردد على ألسن جميع محبيه ومن عرفوه.
إن الانتصار الحقيقي لفكرة وقضية العدالة والسلام والقانون، إنما يكون في الاستمرار للدفاع عن المخفيين قسرياً، هذا هو أول بداية استفاقة للضمير الأخلاقي والقانوني والإنساني في أعماق وعينا، الذي يؤكد معنى وجودنا كبشر.
وإلى أن نلتقي بك يا رفيقي عزيز مباشرة، أو إلى حين ينجلي غموض إخفائك القسري المستمر حتى اللحظة.
لكم/ لك مني خالص المحبة وعزيز الأمنيات.
ولا عزاء للطغاة والقتلة.



