الخميس 17 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • محمد الكميم.. عندما ينضج الفكر مبكرًا وتشرق العبقرية في غير سياقها

محمد الكميم.. عندما ينضج الفكر مبكرًا وتشرق العبقرية في غير سياقها

محمد الكميم.. عندما ينضج الفكر مبكرًا وتشرق العبقرية في غير سياقها

ثمة مفكرون استثنائيون يسبقون زمانهم نضوجًا، وتشرق العبقرية لديهم في سياق مغاير؛ وغالبًا ما يجدون أنفسهم في سياق ثقافي لا يشبههم، بل قد يكون على الضد من طموحاتهم وقناعاتهم، فيعيشون لذلك نوعًا من الغربة الفكرية المتواصلة، ويظلون في بحث دائم عن عالم أكثر اتساعًا من العالم الذي وجدوا أنفسهم فيه.

وهذه الحالة، وإن كانت نادرة في الميزان الاجتماعي، فإنها تبدو في المعيار الثقافي أقرب إلى الطفرة؛ إذ لا يكون صاحبها مجرد مثقف يجيد ما تخصص فيه، وإنما عقل يتجاوز حدود التخصص إلى أسئلة الإنسان والمجتمع والوطن والمعرفة، ويظل مشدودًا إلى ما ينبغي أن يكون، أكثر من انشغاله بما هو كائن.
وأحسب أن الدكتور محمد مرشد محمد الكميم، أستاذ الأدب والنقد المشارك بكلية الآداب، جامعة صنعاء، يمثل تجسيدًا واضحًا لهذه الحالة، ونموذجًا أكاديميًا متمردًا على التقليد والرتابة، لا بمعنى التمرد لمجرد التمرد، وإنما بمعنى عدم التسليم بالجاهز، وعدم الاكتفاء بما تقوله حدود التخصص حين تكون الأسئلة أكبر من تلك الحدود.
عند حديثك معه تجد متعتك الثقافية بكل ما للكلمة من معنى، وعند قراءتك لفكره وبعض نتاجه المعرفي يشبع نهمك الفكري والأدبي بلا حدود. ففي كل حال تجده عميق الفكر بما يخوله مقاربة الكبار، وبعيد النظر بما يمنحه القدرة على قراءة ما وراء الظاهر، وواسع الاطلاع بما يعطيه مقدرة على النقد والجدل العميق.
وهو، فوق ذلك، لا يتعامل مع المعرفة باعتبارها تكديسًا للمعلومات، وإنما بوصفها قدرة على السؤال والمقارنة والنقد وإعادة النظر. ولذلك تبدو قراءاته أوسع من تخصصه، وتبدو أسئلته أكبر من حقل اشتغاله الأكاديمي؛ فهو موسوعي في الشأن الثقافي باقتدار، وناقد محترف في مجال تخصصه بامتياز، غير أن قيمته الأهم تكمن في أنه لا يسمح لتخصصه أن يتحول إلى سجن معرفي.
ومن هنا تبدأ حكاية اهتماماته.
اهتمامات الدكتور محمد مرشد الكميم، في الأول والأخير، ثقافية ومعرفية ووطنية وإنسانية؛ فهو يكتب غالبًا لتنمية الوعي الثقافي، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان اليمني والعربي تنتهكه كثير من السلط الدينية والسياسية والاجتماعية، دون أن يعي، في كثير من الأحيان، أنها تتحكم فيه وتستغله وتوظفه لصالحها.
ومن هذه الزاوية لا تبدو الثقافة عنده ترفًا نخبويا، ولا المعرفة مجرد متعة ذهنية، وإنما وسيلة لتحرير الإنسان من الاستلاب، وإيقاظ وعيه بما يحيط به، وتمكينه من النظر إلى القوى التي تتحكم في وعيه وسلوكه ومصيره.
ومعرفيًا، يحاول قدر الإمكان الخروج من دوائر التخصص الضيق، المقتصر على الأدب الأندلسي والنقد الحديث واللغة العربية، إلى دوائر معرفية أوسع تشمل الأدب العربي والعالمي في مختلف مراحله، كما تشمل معارف إنسانية أخرى، على رأسها الفلسفة وفلسفة العلوم، أو الإبيستمولوجيا بالذات.
ولديه اهتمامات بما كتب ويكتب عن نقد العقل أو الفكر العربي والغربي، إلى جانب ميول نحو القراءة في علم الاجتماع وعلم النفس والسياسة، والمذكرات السياسية بالذات. ولعل هذا الاتساع المعرفي هو الذي يمنح خطابه تلك القدرة على الانتقال من النص الأدبي إلى سؤال المعرفة، ومن سؤال المعرفة إلى سؤال الإنسان، ومن سؤال الإنسان إلى سؤال المجتمع والدولة والوطن.
أما الوطن، فله في وعيه موقع خاص.
ولأنه يرى في ثورة 26 سبتمبر أعظم حدث جلب لليمنيين حريتهم، وأهداهم إمكانية تحقيق ذواتهم وإعادة كتابة تاريخهم وبلورة هويتهم من جديد، كما مكنهم من حقوق ما كان لهم أن يحصلوا عليها لألف سنة قادمة لولاها، فإنه ينطلق من هذه الرؤية في اهتمامه بقضايا الإنسان اليمني، ونحو قضايا الوطن والمواطنة.
وهنا تبدو الوطنية لديه مرتبطة بالإنسان قبل الجغرافيا، وبالمواطنة قبل الشعارات؛ فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، وإنما هو حقوق وكرامة ووعي ومشاركة ومسؤولية، وهو، قبل ذلك كله، إمكانية أن يشعر الإنسان بأنه شريك حقيقي في صناعة مستقبله.
أما اهتماماته الإنسانية، فتأتي من إيمانه بأن هناك مشتركًا إنسانيًا بيننا وبين الآخرين، في أي مكان ومن أي عرق أو هوية أو طائفة أو جغرافيا؛ كوننا بشرًا من جهة، وكون معرفة الإنسان بالإنسان الآخر ضرورية للتنافس والتلاقح والترقي من جهة أخرى.
ومن هنا لا ينظر إلى الآخر باعتباره نقيضًا بالضرورة، وإنما باعتباره فرصة للمعرفة والتفاعل والتلاقح؛ فالإنسان، في تصوره، لا يكتمل بمعزل عن الآخرين، والثقافة التي لا تتفاعل مع الثقافات الأخرى تتحول في نهاية المطاف إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج ذاتها.
والحزبية عنده ليست عيبًا أو عارًا.
فهي، في أصلها، أداة للتنافس السياسي وخدمة الشعب، لكنها انحرفت عن وظيفتها حين تحول معظم من مارسوها إلى أيديولوجيين، ولم يمارسوها باعتبارها وسيلة تنافسية لتقديم البرامج التنموية والتوعوية، فتحولت من التنافس لأجل خدمة الشعب إلى صراع على من يمتلك الحقيقة المطلقة.
ومع ذلك، يرى أن الحزبية مهمة؛ لأنها تعلم الأفراد التنظيم والمسؤولية والوعي بحقوق الشعوب. ولأن كثيرًا من أبناء اليمن لا يعون هذه الأهمية، فإنه يرى أنهم لا يلتفتون إلى قضايا وطنهم، بل تراهم غير مبالين بها ولا بالوطن، وكأن اليمن لا يعنيهم.
ويربط ذلك بغياب الوعي وعدم الانخراط في تنظيمات تكشف للناس قيمة الأوطان وقضايا الشعوب. غير أن الحزبية، حين انحرفت عن مهامها، صارت تهمة في وعي المجتمع؛ لأن الناس رأوا فيها أداة لتحقيق مصالح أفراد أو مجاميع، لا أداة لتحقيق مصالح الشعب كله، وأداة لتزييف وعيه لا لتوعيته والنهوض به.
وربما نشأ الدكتور محمد مرشد الكميم وكبر في ظل هذه المعمعة؛ لذلك لم يجد نفسه منخرطًا في أي حزب، ولم يناصر أيًا منها في يوم من الأيام. وبالرغم من وعيه اليوم بأهمية الحزبية، فإنه يحمد الله أنه لم ينتمِ إلى أي منها؛ لإدراكه أنها تحولت إلى أيديولوجيات قاتلة لليمن واليمنيين، أكثر من كونها كيانات تعد برامج لخدمته وخدمتهم.
أما السياسة، فهي عنده أكبر من لعبة السلطة.
فإذا كان لا يخوض في السياسة، فإن مفهومه لها يجاوز أن تكون لعبة بين متصارعين على السلطة. السياسة عنده تعني فن إدارة الدول داخليًا وخارجيًا، بما يحقق لشعوب تلك الدول حياة أفضل واستقرارًا أكثر أمنًا واطمئنانًا.
وهذا المفهوم يقوده إلى سؤال أكثر أهمية: من يكون السياسي؟
هل هو أحمر العين الذي يخوض المعترك السياسي لتحقيق مصالح ذاتية أو حزبية أو طائفية أو غير ذلك؟ أم هو الذي يتجاوز هذه الحدود الضيقة، ليجند نفسه لخدمة الشعب بكل فئاته واتجاهاته وطوائفه، وتحقيق مصالحهم، مستغلًا ما تسمح به الظروف المختلفة ومديرًا لها بصورة تصب في الصالح العام؟
كان توفيق الحكيم قد نقد، في مسرحية «براكسا»، انفراد الملك أو قائد الجيش أو المفكر بالحكم، ورأى أن استقرار الحكم لا يكون إلا باشتراك الثلاثة في ذلك. لكن الدكتور الكميم لا يرى أن هؤلاء الثلاثة، إضافة إلى رجل الدين، سياسيون؛ لأنهم جاؤوا من خارج السياسة ليمارسوا السياسة، وهذا، في الغالب، هو الذي يولد الصراع الدامي.
فالسياسي، كما ينقل محمد وقيدي في كتابه «الأيديولوجيا والعلوم الإنسانية»، مفهوم حديث انبثق مع تشكل مفهوم الدولة الحديثة، وقد صار معها تخصصًا يُعنى بتعليم إدارة الدول. غير أن المتخصص في السياسة، في معظم بلداننا العربية، لا يدير دولنا ولا يحكمها، وإنما يحكمها الملك أو العسكري أو رجل الدين أو المفكر، في أحسن الأحوال.
ومن هنا يرى الدكتور الكميم ضرورة إعادة مفهمة السياسة والسياسي؛ حتى نتمكن من إيجاد من يشتغلون بها عن وعي وعن دراية، لا عن غلبة وقوة.
ولأن الحكم لدينا يفرض، غالبًا، بالقوة والغلبة، فهذا يعني أننا لم نغير من مفاهيمنا للسياسة والسياسي، وأن التاريخ عندنا ما زال يأخذ صورة دائرية متكررة، وإن كانت الدائرة حلزونية لا مغلقة؛ أي أننا نتحرك، لكننا كثيرًا ما نعود إلى النقطة نفسها، وإن بأشكال وأسماء وذرائع جديدة.
أما المستقبل السياسي والثقافي لليمن، فمنظاره تشاؤمي، بل سوداوي.
سياسيًا، يرى أننا سنشهد دورات دماء جديدة؛ لأن كل السلط التي أتت والتي تحكم اليوم لم تسعَ إلى إيجاد حلول قادرة على استيعاب الاختلاف، بل عملت وتعمل كل منها على توسيع الشروخ بين اليمنيين أنفسهم على اختلاف انتماءاتهم، وبين اليمنيين والآخرين على المستوى الإقليمي والدولي.
إن المشكلة، في نظره، ليست فقط في اختلاف اليمنيين، وإنما في عجز السلطات المتعاقبة عن إدارة هذا الاختلاف، وتحويله من مصدر للصراع إلى مصدر للتنوع والتكامل. فالدولة التي لا تستطيع استيعاب الاختلاف لا تستطيع إنتاج الاستقرار، والمجتمع الذي يحاول إلغاء تعدده لا يفعل سوى تأجيل صراعاته إلى دورات أكثر عنفًا.
أما ثقافيًا، فمن النادر أن تجد مثقفًا حرًا واعيًا يستطيع أن يرى الواقع بوضوح، ويستشرف من خلاله ما سيحدث في المستقبل، ويحاول التنبيه إلى ذلك أو اقتراح حلول ومعالجات مجدية للواقع.
ذلك أن مراكز المعرفة والثقافة عندنا تعيش، غالبًا، في بروجها العاجية، أو بالأحرى في بناها الفوقية، معزولة أو مفصولة عن البنى التحتية؛ الأمر الذي يجعل البنى الفوقية تتحرك وتتطور، بينما تظل البنى التحتية، في الغالب، ساكنة وغير متحركة أو متطورة.
وهذا يجعل البنى الفوقية منفصمة عن البنى التحتية للمجتمع، أو بالأحرى عن واقعه، وغير منسجمة معها ومعه، وغير متزامنة، إن لم نقل غير متواكبة؛ مما يؤدي وسيؤدي بالضرورة إلى قمع حرية الفكر والتفكير والثقافة.
ومن هنا، لا يمكن الركون إلى مثقف أو أكاديمي معاق بصورة من الصور؛ لأن المثقف الذي يفقد حريته، أو يعجز عن رؤية الواقع كما هو، أو يتهيب قول ما يراه، لا يستطيع أن يؤدي الوظيفة التي يفترض أن يؤديها: أن يكون ضمير المجتمع، وأن ينبه إلى مكامن الخلل، وأن يستشرف المستقبل، وأن يقترح البدائل، لا أن يكون مجرد شاهد صامت على ما يحدث.
ولعل هذا هو سر المفارقة في تجربة محمد الكميم.
فهو أكاديمي ينتمي إلى حقل الأدب والنقد، لكنه لا يريد للمعرفة أن تتوقف عند حدود الأدب والنقد؛ ومثقف ينشغل بالنص، لكنه لا يغفل الإنسان الذي يقف خلف النص، والمجتمع الذي أنتجه، والسلطة التي قد تحاصره، والتاريخ الذي يشكل وعيه، والمستقبل الذي يتهدده.
إنه، بهذا المعنى، لا يقرأ الأدب بعيدًا عن الحياة، ولا يقرأ الفكر بمعزل عن شروط إنتاجه، ولا ينظر إلى الثقافة باعتبارها زخرفًا ذهنيًا؛ وإنما يحاول أن يجعل منها أداة لفهم الواقع ونقده ومقاومة ما فيه من استلاب.
وهنا تحديدًا ينضج الفكر مبكرًا، وتشرق العبقرية في غير سياقها؛ حين يجد العقل نفسه أكبر من البيئة التي تحيط به، وأوسع من السياق الذي يفترض أن يحتويه، فيضطر إلى أن يشق لنفسه طريقًا آخر.
وليس بالضرورة أن تكون العبقرية هي أن يقول الإنسان ما لم يقله أحد قبله؛ فقد تكون، في بعض صورها الأعمق، أن يرى المألوف بعين غير مألوفة، وأن يسأل السؤال الذي يخشى الآخرون طرحه، وأن يرفض أن تتحول المعرفة إلى يقين مغلق.
ومن هنا تأتي قيمة محمد الكميم: ليس فقط لأنه أستاذ في الأدب والنقد، وإنما لأنه يحاول أن يكون مثقفًا يتجاوز تخصصه، وعقلًا لا يطمئن إلى الإجابات الجاهزة، وإنسانًا يرى في المعرفة طريقًا إلى تحرير الإنسان لا إلى زيادة أعبائه.
ولذلك، فإن الحديث عنه لا يستقيم بوصفه حديثًا عن أستاذ جامعي فحسب، بل عن نموذج لعقل أكاديمي يحاول أن يجعل من تخصصه نافذة على العالم، ومن الثقافة وسيلة لفهم الإنسان، ومن الفكر أداة لمساءلة الواقع، ومن المغايرة طريقًا للخروج من الرتابة.
ذلك هو محمد الكميم؛ حين يصبح التخصص بداية للمعرفة لا نهايتها، وحين يتحول الفكر من ترف نخبوي إلى مسؤولية، وحين تشرق العبقرية أحيانًا في غير سياقها، فقط لأنها رفضت أن تكون نسخة أخرى من السياق.