زخات متناثرة من سيرة وتجربة صاحب جمهورية واحنا طلبناها..!

قد يتساءل البعض لماذا اخترت الفقيد محسن محسن الجبري للكتابة عنه..؟
ألم يكن هناك من هو أحق بالكتابة عنه..؟
أليس هناك مبدعون كان أحق أن تكتب عنهم..؟
والحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أنهم لا يعرفون عن هذا الإنسان إلا القليل والقليل جداً من سيرته المهنية، وخاصة تجربته الإبداعية.
نعم هم لا يعرفون إلا برنامجه صور من بلادي، وبعضهم لم يكن يراه إلا برنامجاً فائضاً عن الحاجة، والقيمة على حد سواء.
لهذا وجدتني مطالباً بإنصاف هذا الإنسان الذي خرج من بيئة كانت تعيش خارج هامش التاريخ والحياة، ومع ذلك كسر بقناعته البسيطة ثقافة ووعي عصور ظلت تترنح داخلها البيئة التي خرج منها ليكون ثورياً وجمهورياً، ويشارك حسب إمكانياته المتاحة في ترسيخ دعائم الجمهورية، ومطالبة الشعب بدعمها، ومن لم يعجبه ذلك فلينفجر بغيظه بقوله "جمهورية واحنا طلبناها" الأغنية التي غناها الفنان المرحوم علي عبد الله السمه وظلت تتردد بإذاعة صنعاء من وقت إلى أخر ولاحقاً بتلفزيون الجمهورية العربية اليمنية خاصة بمناسبة اعياد سبتمبر
وحتى لا أوغل في هذا الاستهلال الذي لا بد منه أدعو القارئ إلى التريث والتأمل أمام هذه الزخات المتناثرة عن الفقيد محسن محسن الجبري من خلال المحورين أدناه، وبعد ذلك يحكم على ما جاء في هذه المقالة المتواضعة.
•••
أولاً: لمحة موجزة من أسفار سيرة الجبري
من مدينة ثلاء التاريخية العريقة الشامخة بمحافظة عمران، يسيل ضوء الفجر الندي ليصوغ أولى نبضات هذا الثائر والأديب والرمز الوطني.
في هذا المحراب الأثري والمهد العظيم، ولد الشاعر والإعلامي والمناضل اليمني البارز محسن محسن الجبري في عام 1934م في مدينة ثلاء التابعة لمحافظة عمران.
هناك، حيث يعانق السحابُ حجارَةَ الأسطورة الصلبة، تلقى تعليمه الأولي والأساسي للمراحل الأولى، لتنشأ روحُ الشاعر وفي قلبه المتقد زفرةُ أمة.
بعد ذلك انتقل إلى صنعاء ضمن طلائع طلاب المدرسة التحضيرية، وواصل تعليمه في مدرسة دار العلوم بصنعاء حتى العام 1961م.

في حناياه حين انتقل إليها شغوفاً لإكمال مسيرته التعليمية، ومن خلال التحصيل العلمي والثقافي استطاع تأصيل فكره، فرسم بالكلمة الفصيحة أفقاً يمتد ببراعة بين رؤى القصيدة وشموخ الجبال اليمانية.
فهل يسكن الحرفُ حين تتنفس الحجارةُ الصامتةُ تاريخاً ومجداً..؟
كانت خطواته الأولى تشدو بصلابة الانتماء، وتنهمر كغيث يروي ظمأ الهوية الوطنية، ليصبح من طليعة الرعيل الأول المؤسسين للإعلام المرئي والمسموع والحراس الأوفياء لتوثيق التراث الشعبي.
•••
تجلت روحُه الشفافة صباحية ثورة 26 سبتمبر بتوجهه إلى دار الإذاعة مؤسساً ومعداً ومقدماً لبرامج شعبية موجهة لاستنهاض الهوية الوطنية عند الشعب باللهجة القريبة التي يفهمها المواطنون، مثل برنامج (صوت الشعب)، وبرنامج (جي ما قلك)، وبرنامج (من كل مكان)، وبرنامج (الحج تاريخ)، وبرنامج (صالح علي)، وبرنامج (اسمع مني واسمع منك).
كما حظي بشرف أن يكون أول مرافق إعلامي لأول رئيس للجمهورية اليمنية الرئيس المشير عبد الله السلال.
وهناك في أروقة الإذاعة لم تنصرم على عمله داخلها مدة طويلة حتى نطق الأثيرُ بقرار جمهوري تاريخي في العام 1963م قضى بتعيينه مديراً عاماً لمصلحة الإذاعة، واستمر في أداء مهامه مديراً ومذيعاً حتى نوفمبر 1967م.
عقب انقلاب القوى التقليدية على الرئيس السلال المعروف بانقلاب 5 نوفمبر 1967م، ولكونه من المحسوبين على صف السلال، لم يقف الأمر عند تعرضه لمضايقات في عمله بالإذاعة، بل كما يحكي ابنه نجران أنه صدر ضده حكم إعدام، وهو ما دفعه إلى الفرار واللجوء إلى الجنوب بالتزامن مع أيام الاستقلال المجيد.
هناك انتقل الشاعر محسن الجبري إلى عدن، وتعين بإذاعة عدن، ومن هناك صافح النسيمَ وسكب في قلوب العاشقين نغم الحرية العذب عبر تقديم برامج إذاعية شعبية متميزة ورائعة في الإذاعة والتلفزيون؛ منها برنامج (مساء الخير يا جماعة)، وبرنامج (معي لك خبر)، وبرنامج (لحم احمر طري)، وغيرها من البرامج الشعبية والوطنية.

واستمر هناك ما يقارب سبع سنوات حتى عاد في العام 1973م إلى صنعاء وتعين مديراً عاماً للفنون بوزارة الإعلام (حيث واصل عطاءه مع تسلم حركة 13 يونيو 1974 بقيادة الرئيس إبراهيم الحمدي الحكم).
على إثر عودته مجدداً إلى صنعاء واصل مسيرته الإبداعية وغزل من صوت الهوى والوفاء حكايات أثيرية لا تنتهي.
لقد غدا صوته الدافئ جسراً يربط بحب بين حلم الأمس وأمل الغد المشرق.
•••
ومثلما كان ضمن رعيل الرواد في إذاعة صنعاء الثورة والجمهورية، كان من ضمن المؤسسين الأوائل عند تأسيس وبث تلفزيون الجمهورية العربية اليمنية من صنعاء.
وفي عام 1982م كلفه رئيس الجمهورية الراحل علي عبد الله صالح بالعودة إلى العمل كمذيع والاستمرار في إعداد وتقديم البرامج الشعبية في الإذاعة والتلفزيون.
وقد ارتبطت شهرته الكبيرة في ذاكرة اليمنيين بإعداد وتقديم برنامجه التلفزيوني الشهير "صور من بلادي".
في هذا البرنامج الاستثنائي، لم يكن الراوي مجرد عابر طريق؛ كان يسير بين الحقول كأنه عاشقٌ يقطف أسرار الأرض، متنقلاً بشغف بين مختلف القرى والمناطق اليمنية.
سافر في تجاعيد الفلاحين، ورسم العرقَ لؤلؤاً على جبين التراث ليوثق عادات وتقاليد اليمنيين خاصة في مناسبات الأعياد الدينية والوطنية ومعالم الزراعة والتراث الشعبي الزاخر.
يا له من سحرٍ يخلّد الحياةَ في لقطة بقالب عفوي وقريب من الجمهور..!
جعل من البساطة أيقونةً خالدة، ومن أغاني الحصاد نشيداً يتردد في سماء اليمن.
•••
تمكّن بكونه شاعراً شعبياً بارزاً من نظم القصائد والزوامل واللوحات الفنية والأوبريتات والمسلسلات والمقالات الاستعراضية المجسدة لعمق الالتزام الثوري والولاء الوطني، فأنشد للوطن أشعاراً من نور، وخطّ بصدق إخلاصه قصائد وأناشيد وطنية واجتماعية أسهمت في إحياء الموروث الشعبي والحضاري لجماهير الشعب في كافة المناطق، كما تضمنت الدعوة للتطوير والتحديث من مخلفات الإمامة والاستعمار.
وعلاوة على ما قدمه لإذاعتي وتلفزيوني صنعاء وعدن، أثرى المكتبة اليمنية بإصدار عدد من المؤلفات والكتب؛ منها:
كتاب (حكايات صنعانية)
كتاب (الزوامل اليمانية)
ولا تزال له مؤلفات هامة لم تطبع حتى الآن، وهي:
كتاب (الزوامل اليمانية - الجزء الثاني)
كتاب (صور من بلادي)
كتاب (ذكرياتي أو مذكراتي)
كتاب (قصص من الواقع)
ولم يقف عطاؤه الأدبي عند هذا الحد؛ إذ كان للمرحوم عمود صحفي أسبوعي ينشر في صحيفة "الثورة" كل يوم الاثنين في جزئية الأدب والثقافة تحت عنوان "سهيل اليماني"، يقدمه دون أي مقابل.
كما ألّف المسلسل اليمني الشهير (الثأر)، الذي كُتبت قصته وحكايته بقلمه ونُسب لغيره، إضافة إلى أوبريتات غنائية وفنية ألفها ونُسبت لغيره بسبب توليهم مناصب منحتهم التولي على تعديلها وإعدادها وتنفيذها في وقت غيابه وانشغاله بالسفر الميداني من محافظة إلى أخرى، وكان من أبرزها الجزء الأكبر من أوبرا (خيلت براقاً يلوح) قبل أن يتم تعديله إلى (براقا لمع).
أما على صعيد الأغاني الوطنية، فقد وُجدت له عدة أغاني لم تُنسب له في حينها؛ كونه كان متمسكاً بجمهوريتها ووطنيتها ووحدتها أكثر من اهتمامه بتوثيق إبداعاته الشخصية.
•••
ثانياً: عرض لبعض أهم قصائد الجبري المغناة والوطنية
إن القصائد التي بين أيدينا ليست كل قصائد الجبري وإنما التي قدرت الوصول إليها، ومن أبرز قصائده وأناشيده الوطنية التي ذاعت وانتشرت بين الناس:
•••
1- جمهورية واحنا طلبناها
كان اندلاع الثورة تحولاً كبيراً في حياة المواطن اليمني بعد عقود من عزلة الإمامة والتخلف، وكان العصر يتطلب غرس مفهوم التملك الشعبي للجمهورية، وأن النظام الجديد ليس مجرد انقلاب سياسي بل مكتسب للشعب وأبنائه يجب السعي لبنائه وحمايته.
هذا السبب هو ما دفع الشاعر إلى كتابة هذه القصيدة ليرسخ فكرة أن الشعب هو الصانع الحقيقي لهذا التغيير بدمائه، وأن المسؤولية باتت تقع على عاتقه لبناء الاقتصاد والتعليم والتنمية.
تُعد هذه القصيدة الشعرية من بين الأناشيد الوطنية الشامخة التي أبصرت النور في السنوات اللاحقة لقيام ثورة 26 سبتمبر.
ولا أستبعد أنها أول أغنية وطنية للفنان الراحل علي عبد الله السمه الذي قام بصياغة ألحانها وتأديتها بصوته الشجي لتتحول إلى وثيقة وجدانية تُرسخ قيم الجمهورية والحرية والعدالة.
يتأسس مضمون القصيدة على الاستحقاق الشعبي للمكتسبات الوطنية؛ إذ يحول الشاعر النضال السياسي إلى إرث اقتصادي واجتماعي مباشر يمس حياة الفلاح والعام باستحضاره صور التضحية بالدماء لبناء المستقبل وصيانة مقدرات الأرض، حيث تنصهر الروح الوطنية بالتطلعات التنموية كالنفط والزراعة واستعادة الأمجاد التاريخية كسد مأرب والجنتين، صاغها بأسلوب شعري مبسط يلائم كافة أطياف المجتمع.
•••
جهوريه جمهوريه واحنا طلبناها
من الـدماء يا اخي احنا صنعناها
جهوريه جمهوريه ملكك وملك ابنك
حافظ على مكسبك حافظ عـلى حقلـك
جمهوريه جمهوريه وعزها عزك
وعز أجيالنا القادمة بعدك
جمهوريه جمهوريه قامت تعيد مجدك
تعيد لك سد مأرب والجنتين لجلـك
جمهوريه جمهوريه وخيرها لخيرك
خير المعادن وخير الـنفط في أرضك
جمهوريه وحدت أرضك مع شعبك
فيها العدالة وفيها حرية رأيك
•••
2-ويا جماهير سبتمبر وأكتوبر (ويا شعب حمير ومعين وسبأ)
جاءت هذه القصيدة كرد فعل على حاجة الحركة الوطنية اليمنية لترسيخ وحدة النضال اليمني وتكامله بين الشمال والجنوب، لاسيما خلال الستينيات والسبعينيات أثناء مقارعة الاستعمار البريطاني في الجنوب والإمامة في الشمال. اقتبس الشاعر لحن هذه القصيدة من الزامل الشعبي الأصيل لما له من تأثير وجداني وقبلي عميق في النفس اليمانية، وغناها العديد من الفنانين اليمنيين وكان أبرزهم الفنان علي الرداعي.
يكمن السبب الرئيس لكتابة هذه القصيدة في توجيه نداء جامع لحماة الديار في الريف والبندر، والتأكيد على أن الهوية الوطنية واحدة وممتدة في عمق التاريخ.
لقد ربط الشاعر نضال سبتمبر وأكتوبر بالجذور الحضارية الأولى لأمم سبأ ومعين وحمير، للتدليل على أن الشعب اليمني صاحب حضارة أزلية هو من بنى السدود والقصور وصدر الخيرات، وبالتالي فإن مقاومتهم وتلاحمهم هو امتداد طبيعي لأمجاد أجدادهم البناة.
•••
يا جماهير سبتمبر وأكتوبر
يا حماة الـديار في الريف والبندر
أرضنا الغالية ميراثنـا الأكـبر
من سبأ من معين وأجـدادنا حمـير
من بنا للسدود
من للقصور عمر
الحضارة بإسم
أجدادنا تذكر
من سوانا لخيرات اليمن صدر
ياجماهير سبتمبر وأكتوبر
يا حماة الـديار في الريف والبنـدر
أرضنا الغالية ميراثنا الأكبر
من سبأ من معين وأجـدادنا حمـير
•••
3- يا هاجسي
فرضت ظروف الحرب والمواجهات المسلحة لحماية الثورة أوقاتاً عصيبة على المناضلين والجنود، فجاءت هذه القصيدة لتلبي حاجة شحن الهمم وتجديد شعلة الحماس والصلابة وقت الشدائد.
يستدعي الشاعر رمز "الهاجس" كقرين شعري يستجيش مكامن القوة والنخوة في لحظات استثنائية تقوم على التصوير الحي لهول المعارك، حيث يتحول شيب الرأس من مظاهر الكبر إلى رمز لعظمة الهول وشرف التضحية، مشيداً بلحظات انتزاع النصر وسط اشتعال البارود ورفع الأعلام فوق قمم الجبال بعد دحر الظلم وصناع المآسي.
•••
يا هاجسي شَدَّيت بـاسي
ذكرتني ما كنت ناسي
ذكرتني حوم المعارك
من هولها قـد شاب رأسي
ذكرتني لما انتزعنا النصر والباروت لاصي
ذكرتني لما رفعنا أعلامنـا فــوق الـرواسي
ذكرتني لما هزمنا من سببو كل المآسي
ذكرتني هول المعارك من حومها قـد شاب رأسي
•••
4- الا يا اهل السبوله اطلبونا / يا أخي
أنشئت هذه القصيدة لتعالج قضية مجتمعية واقتصادية وإنسانية تمثلت في التفرغ للنزاعات الشارعية والبطالة عقب الحروب، فحثت على التحول من مجتمع السلاح والتسكع إلى مجتمع العمل والتنمية الزراعية.
يتضح جلياً أن السبب الذي تمخضت في رحمه هذه القصيدة هو رغبة الشاعر التنويرية في إعادة توجيه طاقات الشباب الشجعان نحو التعمير والبناء معتمداً صوراً قوية دعت للتحول من حمل البندق إلى مسك المعول والمفرس، وغرس الأشجار وإصلاح الأرض.
لقد صاغ المضمون بألفاظ زجلية محببة تحذر من التخلي عن الأرض أو بيعها، مؤكداً أن الدفاع الحقيقي عن الوطن يبدأ من استصلاح ترابه وتحقيق اكتفائه الذاتي.
•••
يااخي يااخي يا شاجع
شمّر نعمل وندافع
يكفي لوّى في الـشارع
جاوبني ياخي سارع
يا الله يا الله نتعاون
يكفي بندق وتِنِبَّاع
علقها كافي دِفّاع
جاوبني ياخي فيساع
يا لله يا الله نتعاون
جر المعول والمفرس
للاشجار يـاخي غرِّس
لا تبقى عاطل مفلـس
من أجَّر قالوا قـد بـاع
يا الله يا الله نتعاون
•••
5- سلام الشعب / سلامي على العهد الجديد
جاءت أبيات هذه القصيدة استجابة ومواكبة للمراحل السياسية والتاريخية التي شهدت خطوات نحو التفاهم والوحدة الوطنية وتكريس الحوار الديمقراطي بين أبناء الوطن الواحد. أدى هذا الاستقرار النسبي بالشاعر إلى صياغة تحية للعهد الجديد المؤمل.
يعكس المضمون حالة التفاؤل والوفاق الشعبي، حيث يُبرز النص إرادة الشعب الحر الذي تجاوز خلافات الماضي ليصنع اتحاداً قوياً قائماً على الرأي السديد، مستعرضاً حالة التلاحم الشفاف بين طموحات الجماهير وقرارات القيادة الوطنية.
•••
يا سلامي على العهد الجديـد
عهد وحده قويه واتحاد
شعبنا الحر بالرأي الـسديد
والحوار الـديمقراطي استفاد
وحَّدَ الأرض نفذ ما يريد
والقيادة تلبي ما أراد
يا سلامي على العهد الجديـد
عهد وحده قويه واتحاد
•••
6- الرزفة
انطلقت هذه القصيدة من شغف الشاعر الجبري الميداني بالطبيعة اليمنية والتراث الشعبي، وهو الشغف ذاته الذي جسده في برنامجه الخالد "صور من بلادي".
لقد كتب هذه القصيدة من أجل إعادة إحياء الفخر بالثروات الطبيعية والمساحات الجغرافية للبلاد.
جمال القصيدة ينبع من استخدام إيقاع "الرزفة" الشعبي والتغني بالتنوع الجغرافي من السهول والنجود والتهايم والجبال والبحار.
كما يبرز النص ثروات الأسماك والزراعة في صخور صبر وسحار وخولان، ربطاً إياها بأمجاد الجدود البناة ومحفزاً للشباب لبناء مستقبلي يقطع مع الماضي.
•••
يا بلادي يا بلاد الخير دايم
في سهولك في نجودك في التهايم
في جبالك والبحار
ثورة الأسماك تكفينا إلى يـوم القيامة
في صميم الصخر شيدنا المقاسم
وزرعنا كل شبر في المواسم
في صبر أو في سحار
في جبال خولان عامر أو تهامة
قد خزنا الماء في اقوى السدود
في زمان المجد في عهد الجدود
عندما ساد النظام والـسياده والكرامه
يا شباب الشعب هيا نستعيد
مجد ماضينا ونبني من جديد
قد مضى عهد الظلام والتخلف والإمامه
•••
7- يمين الجيش والرشاش والمدفع / رمز الوحدة
تصور أبيات هذه القصيدة حالة التعبير عن الالتفاف الوطني حول مشروع الوحدة اليمنية والحفاظ عليها، وإعلان يمين الولاء للدفاع عن حياض الوطن.
وكان السبب المباشر لصياغة القصيدة هو إبراز التمسك بهذا الخيار الاستراتيجي والتسامح عقب الانتهاء من الفتن.
يستعرض مضمون النص الشعري الثبات الشعبي والقيادي في ساعة الشدة، واختيار الوحدة كخيار مصيري يعلو على كافة الخيارات.
ويتجلى البعد الإنساني والأخلاقي في النص من خلال التغني بالحكمة اليمانية، والعفو عن المخطئين، وفتح أبواب السلم وقطع دابر الخوف.
•••
منا سلام آلاف يتكرر
في يوم عيد النصر والوحـده
لمن صمد والحرب تتفجر
ومن صَبَر في ساعة الـشدة
وقلنا والكل يتذكر
نختار إما الموت أو الوحـده
ووفا بما قاله ولا اتأخر
عاش الذي ما خلف وعده
زعيمنا المغوار من طَهَّر
أرض اليمن من زمرة الـرده
وقادنا في زحفنا الأكبر
وجيشنا والشعب من بعـده
ل للمعركة في جوَّنا والبر
والبحر في جزره وفي مده
ورغم أعظـم نـصر لم يغتر
من جاه نادم مد له يده
بالعفو قد قطّع حبـال الـشر
وباب ريح الخوف قد سده
حكمه يمانية بها نفخر
في يوم عيد النصر والوحـده
•••
8- يالله يافك العسار / فوق الجبال العالية
كتب الشاعر هذه القصيدة بدافع التوعية القومية بأهمية التلاحم والاتحاد والتضرع للخالق، محذراً من أخطار التشرذم والتفكك التي عانت منها الأمة العربية واليمن عبر فترات مختلفة.
تعتمد الصور الشعرية على الاستعارة الفنية الحية لإشراق شمس السعادة وزوال ليل التخلف عن الجبال والأودية اليمانية، مستشهداً بالحكمة العربية الخالدة عن اجتماع الرماح وتماسكها ضد الكسر، لتأكيد أن العزة والكرامة لا تُنال إلا عبر وحدة الصف والموقف.
•••
فوق الجبال العالية في كل وادي في اليمن
شمس السعادة أشرقت والليل قد ولىَّ خلاص
يا شعبنا المقدام يا أصل العروبة والعرب
قل للعرب في الوحدة الكـبرى لأمتنا الخلاص
تأبى الرماح الكسر مجموعة ومن كذب جرب
ون تنفرد تكسر ولا من كسرها والله مناص
في الوحدة العزة وما ذل العرب
إلا بفرقتهم وحكام العمالة والرخاص
•••
9- شعب اليمن موصوف بالحكمة
انبعثت هذه القصيدة من دافع الاعتزاز بالهوية والرد الشديد على المخططات والتآمرات التي حاولت النيل من الموروث الحضاري والقيمي لليمن، فصاغ الشاعر هذا النص تذكيراً بالمدد التاريخي والإسلامي للشعب.
تفيض الأبيات بذكر المناقب التاريخية لليمنيين الموصوفين بالحكمة والإيمان، وتستعرض أدوار الأنصار في الفتوحات الإسلامية ونشر راية التوحيد وإقامة الصروح الحضارية في مختلف الأقطار من الشام وصولاً إلى الأندلس، كدليل على عظمة العرق اليمني الشامخ.
•••
شعب اليمن مشهور بالحكمة وبالايمان
وبالتقاليد الحميده
وأجدادنا الأنصار كانوا أشجع الفرسان
قادوا الفتوحات المجيده
لراية التوحيد شادوا أرفع الأركان
في كل الأقطار البعيده
وللحضارة أعظم البنيان
في الأندلس أو في الـسعيده
تشهد لهم على مدى الأزمان
رغم التآمر والمكيده
•••
10- جمهورية والشعب في العهد الجديد
لا شك أن الروح الشعبية البسيطة التي صاغت أبيات هذه القصيدة هدفها الرئيس هو الدعوة إلى المشاركة المجتمعية الشاملة وتجاوز الطبقية والإقطاعية التي كرسها عهد الإمامة، مؤكدة مساواة الجميع في بناء الوطن، وتجلى ذلك الهدف بالنداء المباشر للبسطاء من أبناء الشعب بأسمائهم الشعبية الدارجة (مرشد، محمد، حميدة، حميد) للمساهمة جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة.
كما رسمت الأبيات خارطة جغرافية لليمن الخالد من المهرة وزبيد وعدن وأبين وصعدة، داعية لإعادة بناء حضارة اليمن السعيد.
•••
جمهوريه جمهوريه والشعب في العهد الجديد
والحكم حكم الشعب لا ساده ولا كنا عبيد
يا حج مرشد يا محمد يا حميده يا حميد
هيا نشارك يا جماعه للمقدم والعقيد
في حرب الاستعهار والأذناب حتى نستعيد
وحدة أراضينا من المهرة إلى وادي زبيد
ومن عدن لابْيَنْ إلى صعده إلى الحد البعيد
ونستعيد مجد الحضاره في بلدنا من جديد
في ظل ثورتنا المجيده نبني اليمن السعيد
•••
11- يا أخي العربي
دفعت المشاعر القومية والإسلامية الصادقة والغيرة على المقدسات الشاعر إلى صياغة هذه القصيدة الحماسية كصرخة احتجاج ونضال ضد الاحتلال الصهيوني والهيمنة الاستعمارية على الأراضي الفلسطينية.
تتألق الأبيات بنبرة غاضبة تحرض الشارع العربي والإسلامي على الثورة والتحرر من الاستعمار والتبعية النقدية، صابةً جام غضبها على الاحتلال الإسرائيلي. وتستغيث الصور الشعرية بالغيرة العربية ونخوة جيش النبوة لنصرة المرابطين في فلسطين وفك أسر القبلة الأولى.
•••
يا أخي العربي قوم اثأر
ناضل ناضل واتحرر
لا أمريكا لا استعمار
لا استرليني لا دولار
احرق اسرائيل بالنار
هل معقول حفنة أشرار
تقهر لإرادة مليـار
وا إسلامه يا للعار
قبلتنا الأولى تنهار
أين الغيرة يا أحرار
شعب فلسطين الجبـار
عبد يهودي بالزنار
جيش محمد يا أنصار
سيرو سيرو يا ثوار
لفلسطين أمحو للعار
•••
12- قسماً ماحد من الصف يخرج
لقد ولدت هذه القصيدة من الحاجة لرفع مستوى الانضباط الوطني والشعبي ومواجهة التهديدات الخارجية والارتزاقية التي استهدفت أمن اليمن ووحدته ومؤسساته التنموية.
ويتجسد جمال القصيدة في صيغة القسم الجماعي الحاسم بعدم التراجع أو الخروج عن الصف الوطني.
استطاع الشاعر المزاوجة بين البناء والقتال، حيث يدعو الشباب في كل الجبال والوديان للحفاظ على المصانع والمنجزات بالعمل والزرع، وفي الوقت ذاته حمايتها بالرشاش والمدفع ضد جيوش الارتزاق.
•••
قسماً ماحد من الـصف يخرج
كلنا نفدي بلدنا المنيعه
كلنا نعمل ونزرع ونصنع
في حما الثورة وعدل الـشريعه
ياشباب الشعب في كل موقع
في الجبال العالية والوديعه
احمو الوحدة برشاش ومدفع
من جيوش الارتـزاق الـشنيعه
دافعوا عن كل منجز ومصنع
في بلاد الجنتين الوسيعه
•••
13- جمهورية من قرح يقرح
تُمثّل قصيدة "جمهورية من قرح يقرح" نموذجاً فريداً للترددات العاطفية والثورية في الذاكرة الشعبية اليمنية، إلا أن نسبتها الشعرية تظل محل سجال واسع وثراء توثيقي متباين؛ إذ اختلفت حول عائدية كلماتها العديد من المراجع والمصادر التوثيقية والبحثية.
ففي الوقت الذي ذهبت فيه موسوعة الغناء اليمني إلى توثيقها جازمةً بأنها من نتاج قريحة الشاعر والإعلامي الراحل محسن محسن الجبري، تظهر على منصات وثائقية وإعلامية مثل اليوتيوب تسجيلات وإشارات تنسب كلماتها إلى المناضل والشاعر الشيخ أحمد عبد ربه العواضي. وفي المقابل، تُرجّح بعض الكتابات والتحقيقات الصحافية رأياً ثالثاً يُسند الأغنية لتدفق كلمات الشاعر عبد الله خميس عامر عطية، معززةً هذا الطرح بشهادات تاريخية تُؤكّد أن النص أُلقيَ لأول مرة في الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لثورة 26 سبتمبر الخالدة في قلب ميدان التحرير بالعاصمة صنعاء.
وبناءً على هذا التباين البين في نسبة النص بين قامات أدبية ونضالية متعددة، وفضلنا التريث وعدم إدراج القصيدة ضمن سياق هذه المقالة، حرصاً على الأمانة العلمية والتاريخية. وسوف نخصص لها مقالة منفردة ومستقلة تناقش دوافع هذا الالتباس وتستعرض الروايات كافة، وذلك عقب الانتهاء من استقصاء الوثائق والمقابلات الميدانية للتحقق الدقيق من صاحبها الحقيقي وإعادة الحق إلى نصابه الأدبي.
•••
قبل الختام .. سيكون حرياً بالكاتب التعريج على بعض المواقف الطريفة لبرنامج صور من بلادي التي لم تخلُ منها، وكان الفقيد محسن محسن الجبري يقع فيها تارة بعفوية وتارة بتعمد، وتارة بسبب التصوير والمونتاج والإخراج.
ومن تلك المواقف الطريفة العفوية التي أضحكت تقريباً كل يمني شاهد واحدة من الحلقات الأسبوعية لبرنامج صور من بلادي أنه أجرى مقابلة مع أحد يهود اليمن في مدينة ريدة بمحافظة عمران.
_ سأله الجبري: أيش إسمك؟
_ أجاب اليهودي: شمعون.
_ الجبري: كم عندك أولاد..؟
_ اليهودي: 7.
_ الجبري: وكلهم يهود؟
فضحك اليهودي
وضحك الجبري
وضحك المصور
وضحك المخرج
وضحك كل من شاهد الحلقة، وكنت من بين من ضحك.
ومن المواقف الطريفة التي أدت إلى إيقاف البرنامج نهائياً أن الجبري أسهب في سرد ومدح إنجازات الرئيس الأسبق صالح، وخلال ما كان صوته يردد تلك الإنجازات ظهر في الصورة حمار يسير ويقلقل رأسه، ولم يختفِ من المشهد إلا عند إنهاء الجبري من سرد إنجازات صالح.

حينها كما يحكي بعض موظفي التلفزيون غضب الرئيس، وقام الأمن السياسي والقومي باستدعاء المصور والمخرج محمد العبسي، ومحسن الجبري ورئيس التلفزيون وتم إجراء تحقيق مطول انتهى إلى إيقاف ومنع بث البرنامج نهائياً، وعدم إسناد أية مهمة إعلامية للجبري والعبسي، وبقيا في بيتيهما.
ليمضي في يونيو 2008م عن عمر ناهز 74 عاماً بعد مسيرة حافلة بالعطاء الإعلامي والثقافي، لكن صداه لم يزل يتردد في وجدان الأرض.
غادر الجسدُ ورحلت الروحُ، فهل يموت من استوطن أفئدة الناس..؟
سيبقى الجبريّ شمعةً تضيء عتمة المسافات، وصوتاً حياً يتردد كلما أينع الشجر وتفتح الزهر.
•••
ختاماً .. إن تجربة الفقيد الراحل محسن محسن الجبري لا تختزلها مجرد ذكريات إذاعية أو مشاهد تلفزيونية مرّت عبر الشاشة؛ بل هي تجربة وطنية وإنسانية وإبداعية متكاملة، استطاعت أن تصنع للفن الشعبي والنضال الجمهوري ذاكرة حية تنبض بالهوية والكرامة



