قبل أن ينفد الحليب!
تخرجت من كلية الصيدلة قبل سنوات قليلة. أحمل شهادة ظننت أنها ستكون تذكرتي إلى حياة عادية؛ وظيفة، بيت صغير، وراتب يكفي آخر الشهر. لم يكن في رأسي مشروع كبير. كنت أريد حياة تشبه حياة الناس الذين يعودون من أعمالهم وهم يفكرون في ما سيتناولونه على العشاء.
في أول مقابلة عمل سارت الأمور على نحو جيد. مدير الشركة أعجبته سيرتي الذاتية وسألني عن الخبرة، وعن اصناف الأدوية التي تعاملت معها، ثم قال وهو يقلب الأوراق:
"متى تستطيع أن تبدأ؟".
كدت أجيبه: غدًا.
لكني تذكرت أن هناك شيئا يجب أن يعرفه.
لم أحب الكذب يومًا.
شرحت له أنني أحتاج إلى الغسيل مرتين أسبوعيًا، وقد تصبح ثلاثًا إذا طلب الطبيب ذلك.
أعاد الملف إلى الطاولة ثم شبك أصابعه.
"يعني ستغيب يومين أو ثلاثة كل أسبوع؟".
أومأت.
ساد الصمت. لم يكن صمتًا طويلًا، لكنه كان كافيًا لأعرف أن المقابلة انتهت.
خرجت وأنا ما زلت أسمع جملة "سنتصل بك" ترن في رأسي.
لم يتصل أحد.
بعدها لم أعد أذكر عدد الشركات والصيدليات والمستشفيات التي قدمت إليها. كنت أعلم الإجابة قبل أن أسمعها. بعضهم كان يعتذر بأدب، وبعضهم لا يكلف نفسه عناء الاعتذار. مرة قيل لي إنني مؤهل، لكن يحتاجون شخصًا يكون متفرغًا.
كانت آخر مقابلة عمل لي.
لم أقل فيها إنني كنت أحتاج إلى العمل أكثر من حاجتي إلى الغسيل.
.................
عندما تزوجت كنت أظن أن الأمور ستتحسن بطريقة ما. لم أكن أعرف كيف لكنني كنت أؤمن بذلك. زوجتي لم تسألني يومًا لماذا لا تجد عملًا يناسبك. كانت تسأل أسئلة أصغر بكثير.
"هل تأكل الآن أم بعد الدواء؟".
"هل أخذت موعد الأسبوع القادم؟".
"هل تريد أن أذهب معك؟".
كانت الأسئلة الصغيرة تحمل البيت كله.
ثم جاءت ابنتنا.
في اليوم الذي حملتها بين ذراعي لأول مرة نسيت المرض. كانت أصابعها أصغر من أن تلتف حول إصبعي كله. لم أكن أعرف أن الأقدار ما زالت تخبئ لي شيئًا جميلًا.
بعد أيام بدأت علبة الحليب تنفد بسرعة.
كلما اشتريتها حسبت في رأسي ما الذي سأؤجله مقابلها.
مرة كان الدواء، ومرة دين البقالة.
لم يكن هناك قرار صحيح. كنت أختار فقط.
كنت أراقب زوجتي وهي تفرغ آخر ملعقة من مسحوق الحليب، ثم تهز العلبة مرتين لعل شيئًا يخرج منها. كانت تظن أنني لا ألاحظ، لكنني كنت ألاحظ كل شيء.
حتى الطريقة التي تخفي بها قلقها.
في أحد الأيام قال الطبيب إن أختي مناسبة للتبرع بإحدى كليتيها.
خرجنا من المستشفى وأنا أشعر بخفة لم أعرفها منذ سنوات.
لأول مرة، بدأت أخطط لما بعد الغسيل، عدت لأتصفح إعلانات الوظائف بلهفة، وكنت أتكلم كثيرًا تلك الأيام.
ثم توقفت.
الفحوصات ظهرت.
التبرع ممكن.
لكن العملية مكلفة.
الأدوية التي تليها ليست مجانية، والمتابعة أيضًا.
حتى الطريق إلى المدينة التي ستجرى فيها العملية كان يحتاج مالًا لم يكن في جيبي.
عدت إلى البيت ذلك اليوم ولم أقل شيئًا.
وضعت الملف على الطاولة.
ظل في مكانه أيامًا.
كلما مررت بجانبه كنت أشيح بنظري عنه.
بعد أشهر طلبوا منا في المركز تحاليل جديدة.
بعد انتظار.
جلس الطبيبة أمامي وقالت بهدوء:
"لديك التهاب الكبد الفيروسي سي".
لم أسألها من أين جاء، فأنا أعرف أنه انتقل إليّ من أجهزة الغسيل الملوثة.
خرجت من المستشفى وكنت أفكر طوال الطريق كيف سأخبر زوجتي، ثم وصلت وسألتني قبل أن أتكلم:
"هل أحضرت حليب الطفلة؟".
نسيت الخبر كله.
قلت:
"لا... سأشتريه لاحقًا".
في الليل أخبرتها.
جلست صامتة برهة.
ثم سألت: هل يوجد له علاج؟
قلت لها: نعم، كورس لمدة ثلاثة أشهر.
بدأت الأدوية تزداد.
والتحاليل تزداد.
والديون تكبر.
كنت أبيع شيئًا كل فترة.
جهاز الألعاب، هاتفي، كمبيوتري الشخصي.
وبعض الكتب الجامعية التي أقسمت يومًا ألا أفرط فيها.
..................
ذات يوم أحضرت ابنتي إلى المركز معي.
جلست على الكرسي المقابل لي، تحمل دميتها القطنية.
سألتني:
"بابا... ليش هذا الأنبوب في يدك؟".
قلت:
"عشان التعب يقل".
هزت رأسها مقتنعة.
بعد دقائق رفعت زجاجة العصير الصغيرة نحوي.
"اشرب".
ابتسمت.
الممرضة ابتسمت أيضًا.
شربت قليلًا وأعدتها إليها.
قلت لها:
"اشربي أنت".
شربت نصفها، ثم وضعتها في حضني.
بقيت الزجاجة هناك حتى انتهت الجلسة.
لم ألمسها.
عدنا إلى البيت بالحافلة.
نامت على كتفي.
كانت أخف من حقيبة الأدوية التي أحملها كل شهر.
.................
في الجلسة التالية استيقظت قبل الفجر بقليل.
حضّرت حقيبة الغسيل.
وضعت فيها الدواء ونتائج التحاليل وزجاجة ماء صغيرة، وسندوتش.
مررت بغرفة ابنتي قبل أن أخرج.
كانت نائمة وقد تركت دميتها على الأرض.
التقطتها ووضعتها بجانبها.
ثم سحبت الغطاء حتى غطى كتفها.
خرجت من الغرفة من دون صوت.
كان عليّ أن ألحق بالحافلة الأولى.



