إلى أين ستصل الأمور في الساحل الغربي لليمن؟ ومن بيده قرار إيقاف الحرب؟
شهد الساحل الغربي لليمن في سبتمبر 2026 انتكاسة عسكرية غير مسبوقة، تمثلت بسقوط مديريات المخا وحيس والخوخة، وتسليم جزر زُقر وحنيش الصغرى وحنيش الكبرى والزبير، خلال 72 ساعة فقط، والانهيار السريع لقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح قلب المعادلة العسكرية، ونقل المعركة من سؤال "هل سيتقدم الحوثي إلى ما هو أبعد مما وصل إليه؟"، وهذا السؤال سينقسم إلى سؤالين هما: "أين سيتوقف الحوثي؟" و"من يملك فعليًا قرار إيقاف الحرب؟".
والملاحظ أن الخريطة الجديدة لها 3 مسارات محتملة، بعد أن أصبحت قوات صنعاء على بعد كيلومترات من باب المندب، وبسقوط المخا فقدت الشرعية آخر موطئ قدم بري لها على البحر الأحمر. وتتمثل تلك المسارات بالآتي:
المسار الأول والأرجح هو الوقوف عند باب المندب، لأنه بوصوله إلى تلك النقطة يكون الحوثي قد حقق هدفًا استراتيجيًا بالسيطرة على كامل الساحل من الحديدة حتى مشارف المضيق، والتوقف عند هذه النقطة يحول باب المندب إلى ورقة ضغط دولية واقتصادية، دون الدخول في مغامرة عسكرية مكلفة لاقتحام عدن أو لحج، وإعلان قيادي حوثي عن منع السفن السعودية من العبور يؤكد أن الهدف الحالي هو "التدويل" وليس "الاجتياح".
المسار الثاني هو استكمال السيطرة على كامل الشريط الساحلي حتى ذوباب، وهذا السيناريو وارد في حال غياب ردع جوي وبحري قوي، والسيطرة الكاملة على المضيق ستمنح صنعاء تحكمًا مباشرًا في أحد أهم الممرات المائية في العالم، لكنها ستستفز ردًا دوليًا فوريًا.
أما المسار الثالث فهو فتح جبهات جديدة انطلاقًا من الساحل. بات بمقدور الحوثي الآن الضغط على تعز من الغرب، وتهديد لحج وأبين عبر البحر. إلا أن المعطيات تشير إلى أن صنعاء تفضل حاليًا جني المكاسب السياسية من الانتصار، على استنزافها في معارك جديدة.
والوقائع الميدانية تشير إلى أن التمدد الحوثي توقف مؤقتًا عند "خط المكسب الأقصى"، وهو باب المندب، وأي تقدم إضافي سيتحدد بالرد السياسي والدولي وليس بالقدرات العسكرية فقط، وقد بدأ الحوثي يرسل رسائل مشابهة لتلك الرسائل التي أرسلها قبل وبعد دخول صنعاء حين كان يقول إن دخوله صنعاء لإسقاط علي محسن وبيت الأحمر، أما الآخرون فليطمئنوا، وهو اليوم يكرر نفس السيناريو، ويعلن للعالم أن الهدف من السيطرة على باب المندب مواجهة الحصار السعودي لموانئ ومطارات اليمن، وسيتم منع سفن المملكة من العبور من المضيق.
ونصل إلى سؤال: من بيده قرار الإيقاف؟
خلافًا للاعتقاد الشائع، لا يوجد طرف واحد يملك زر إيقاف الحرب، لأن القرار موزع بين 5 قوى، وهي:
1. الرياض: وهي الممول والداعم الجوي واللوجستي الرئيسي، وأي توقف للدعم يعني انهيار الجبهات، إلا أن أولوياتها اليوم منصبة على "أمن الملاحة" و"الاستقرار الإقليمي" أكثر من شعار "استعادة الدولة"، وقرارها سيتجه نحو تجميد التمدد الحوثي عند المضيق حتى لو كان الثمن تجميد الجبهات والتضحية بالحلفاء ومن تقاتل قواتهم في الداخل، إلا أن هذا الأمر مستبعد حاليًا من قبل السعودية، لأن جبهات الداخل تحول دون تفكير الحوثي بالاتجاه نحو أراضي المملكة العربية السعودية لانشغاله بجبهات الداخل، الأمر الذي يستدعي وقوف المملكة وقوفًا جديًا مع الشرعية لإيقاف ذلك الطموح.
2. صنعاء ترى نفسها منتصرة تملك الميدان وتملك ورقة باب المندب، ولن توقف الحرب إلا مقابل مكاسب سياسية ملموسة مثل: رفع الحصار ودفع الرواتب المنقطعة لسنوات والمشاركة في السلطة (النصيب الأكبر من الكعكة)، وأية هدنة من طرف واحد سيعتبرها الحوثي استسلامًا.
3. مجلس القيادة الرئاسي: يعاني من انقسام حاد وضعف في القرار، وغياب طارق صالح عن اجتماع مجلس الدفاع مؤخرًا وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة بين فصائله أفقد المجلس الشرعية الميدانية، وهو ما جعل الشرعية والمجلس الرئاسي يحتاجان الحرب للبقاء، لكنهما غير قادرين على خوضها.
4. المجتمع الدولي والأمم المتحدة يملكون "شرعية الإيقاف"، وأية هدنة ستمر عبر مبعوث الأمم المتحدة (المقابل بالرفض الداخلي)، لكن التحرك الدولي مشروط بوصول التهديد إلى باب المندب فعليًا، وإلى ذلك الحين تكتفي الأطراف الدولية بالبيانات والتنديدات.
5. الشارع والفصائل الميدانية وانسحاب 50 ألف مقاتل بلا قتال يعني انهيار "العقد الاجتماعي" للقوات، والحكومة والتحالف لا يستطيعان إعادتهم للقتال دون محاسبة وإعادة ثقة، وبدونهم يصبح أي قرار حرب مجرد حبر على ورق.
وهناك 3 سيناريوهات للأسابيع القادمة تتمثل بالآتي:
الأول: هدنة بحرية وحرب برية مجمدة بنسبة 60% واتفاق غير معلن، إذ يقوم الحوثي بوقف تهديد الملاحة، والتحالف يوقف التصعيد الجوي، وتُجمد جبهات الساحل وتعز ومأرب والنتيجة "لا حرب ولا سلام".
الثاني: تصعيد محدود لاستعادة الهيبة بنسبة 30% ومحاولة لاستعادة المخا بغطاء جوي كثيف ستنتهي بخسائر كبيرة دون تغيير جوهري، وهدفها الوحيد هو حفظ ماء الوجه.
الثالث: صفقة شاملة بنسبة 10%، هدفها تسليم كامل الساحل مقابل انسحاب من الحديدة أو تشكيل حكومة توافق، وهذا مستبعد حاليًا لعدم جرأة أي طرف في اليمن على توقيعه.
وخلاصة الكلام والإجابة القاسية هي أن لا أحد يريد إيقاف الحرب إيقافًا نهائيًا الآن لأن الحوثي يريد استثمار الانتصار، والتحالف يريد تجميد الخسارة، والشرعية تبحث عن مخرج من المسؤولية، والمجتمع الدولي ينتظر كارثة في باب المندب ليتحرك، ولذلك فالحرب لن تتوقف، بل ستتحول من حرب جبهات إلى "حرب حصار وحرب ملاحة وابتزاز". والخاسر الوحيد هو المواطن اليمني الذي خسر أرضه في الساحل الغربي وخسر ودولته وخسر حقه في معرفة من باع ومن اشترى.
والساحل لم يسقط بسبب الحوثي فقط، بل سقط لأن قرار الحرب صار بيد الجميع... وقرار السلام ليس بيد أحد.



