الأربعاء 16 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • في تأبين صائغ مصري عظيم اسمه خالد السرجاني

في تأبين صائغ مصري عظيم اسمه خالد السرجاني

في تأبين صائغ مصري عظيم اسمه خالد السرجاني

خالد السرجاني ليس مجرد صحفي غادر دنيا الصحافة العربية.
إنه جوهرة نفيسة في عقد "الإبداع المصري".
ليس جوهرة فحسب.

بل جواهرجي أنيق وصائغ خبير بصنعته.
يتحدث السرجاني فلا تجد في حديثه حشوا ولا لغوا ولا غلوا.
إذ يصف تغدو أوصافه "مفاتيح" تجمعهن في ميدالية لتحملهن في جيبك أبدا.
تخرجها كلما أردت فهم محركات ودوافع كاتب أو صحيفة أو جماعة او حزب أو دولة.
السرجاني هو الدر المكنون في ذاته المحلقة في الاعالي.
تصادفه مرة ثم لا تملك أن تغادره.
لكنه، هو، من غادرنا قبل عام.
كنت حينها على فراش المرض.
بعد عدة اشهر عرفت انه غادر، وأجهشت في البكاء. كنت اعرف انني فقدت صديقا لا يعوض، معلما بلا ادعاء ولا أبوية من خيرة المصريين.
من اقترب من هذا المصري الجميل يعرف أن مصر ولادة، وأن عباقرتها مبثوثون في كل زاوية ومقهى في حواضرها العظيمة.
عرفته أول مرة في 2008. أقام هو والزميل عبدالكريم الخيواني في فندق منسي من فنادق الحمراء، في شارع متفرع من الشارع الرئيسي. كنا، المشاركون في مؤتمر شديد الجدية عن الصحافة العربية، نقيم في فندق ال5 نجوم بينما خالد وكريم يقيمان في ما يمكن وصفه بأنه "الفندق الأشد رداءة" في بلاد الشام والمشرق العربي.
كان وصولهما تباعا إلى فندقنا، نحن المحظوظين، باعثا على الضحك في جلسات مؤتمر مطبوع بالجهامة.
بالكاد يسمع صوت خالد إذ يتحدث.
لكن إذا سمعته لا يعود بمقدورك نسيان (أو تناسي) تعبيراته وتوصيفاته وأحكامه التي لا تملك إلا التسليم بدقتها وعدالتها.
في الأيام القليلة الماضية تذكرت خالد السرجاني كثيرا وأنا اقرأ أعجوبة أحمد رجب "الأغاني للأرجباني".
كان نصحني في زيارتي قبل الأخيرة إلى مصر في مطلع 2012 بشراء كتاب أحمد رجب "الأغاني" وكتاب محمود السعدني "وداعا للطواجن" (قرأت أغلب اصدارات محمود سعدني، لكن لم اكن قد اقتربت من أحمد رجب). والكتابان من أمتع وأبهج ما يمكن قراءته لأثنين من أعظم الساخرين المصريين.
استمع إلى "اغاني" مصر، واتشوق إلى "طواجنها" فيحضرني السرجاني.
اتابع أحوال مصر وتقلبات احزابها وتموضعات رموزها الثقافية والصحفية واتحسس في جيبي ميدالية ملأى بالمفاتيح التي تسلمتها من خالد، وابتسم.
افتقدك يا صديقي.
لا اتصور مصر بدونك.
لا اتصور وجودي في مصر دون ان التقيك ايها البسيط الثري العميق الأصيل.
________________
15سبتمبر2015