القابض والباسط أقوى
ما يدور في اليمن اليوم يمكن قراءته من زاوية بسيطة وواضحة: من يملك الأرض يملك القدرة على فرض الأمر الواقع. فالحكم والسلطة لا تُقاسان فقط بما يقال من خلف الشاشات، ولا بما يصدر من بيانات وتصريحات، وإنما بما هو موجود فعليًا على الأرض.
فمن يسيطر على الأرض، ويمتلك القدرة على حمايتها وإدارة شؤونها، يصبح صاحب حضور حقيقي فيها، بينما يتحول الآخر الذي ليس متواجدًا فعليًا إلى ظاهرة صوتية، مهما كثرت التصريحات والبيانات والخطابات.
وهنا تأتي دلالة القابض والباسط؛ فالأرض لا تعترف كثيرًا بالشعارات، وإنما بمن يستطيع أن يحميها ويديرها ويحافظ على وجوده فيها.
ومن يحمي الأرض لا تخذله الأرض، لأنها في النهاية تميل إلى من يستطيع أن يصونها ويفرض عليها الأمن والاستقرار.
أما من يطالب بالسيادة والشرعية وهو بعيد عن الأرض ولا يستطيع الوصول إليها وممارسة سلطته عليها، فإنه يظل في مواجهة سؤال صعب: كيف يمكن لسلطة أن تكون كاملة وهي لا تملك حضورًا كاملًا على الأرض؟
قد تكون جهة موجودة من الناحية القانونية والسياسية، وقد تحظى بالاعتراف الخارجي، لكن الاعتراف لوحده لا يكفي لبناء دولة. فالدولة تحتاج إلى أرض، وسلطة، ومؤسسات، وجيش وأمن، وقدرة على إدارة شؤون المواطنين.
ولهذا فإن الواقع اليمني يضعنا أمام مفارقة واضحة: طرف موجود في الأرض ويمارس سلطته عليها، وطرف آخر يتحدث عن الشرعية والسيادة من خارجها. وبين الاثنين يبقى المواطن اليمني هو الذي يدفع الثمن، ويعيش بين سلطات متعددة، ومنافذ مغلقة، وطرق مقطوعة، وأزمات متلاحقة، وانهيار اقتصادي.
إن المشكلة ليست في من يرفع شعار الشرعية أو السيادة، او شعار التحرير، أو الأحقية، وإنما في من يستطيع أن يحول هذه الشعارات إلى واقع يلمسه المواطن.
فالسلطة ليست بوقًا أو مكبرًا للصوت أو وسيلة إعلام، أو بيانًا سياسيًا، وليست صورًا تُلتقط في قاعات الاجتماعات والمؤتمرات والمقابلات. السلطة مسؤولية وحضور وإدارة وحماية وخدمة للناس والعيش بين الناس.
ومن هنا، فإن معنى «القابض والباسط أقوى» ليس دعوة إلى القوة لمجرد القوة، ولا تبريرًا لفرض الأمر الواقع بالقوة، وإنما هو توصيف لواقع سياسي لا يمكن تجاهله او القفز عليه...
إن من يملك القدرة على إدارة الأرض وحمايتها يصبح أكثر تأثيرًا من ذلك الذي يكتفي بالحديث عنها من بعيد مغازلًا.
يستطيع القابض الباسط أن يحول هذا الواقع إلى قاعدة دائمة، فيصبح منطق القوة بديلًا عن الدولة، ويصبح السلاح هو معيار الشرعية، وتتحول السيطرة الجغرافية إلى حقا دائم في الحكم.
وهنا يجب أن نتوقف.
فاليمن لا يحتاج إلى طرف ينتصر على طرف، ولا إلى شرعية تبقى شعارًا، ولا إلى قوة تفرض نفسها إلى ما لا نهاية. اليمن يحتاج إلى دولة حقيقية، تكون فيها الأرض لكل اليمنيين، والسلطة لمؤسسات الدولة، والقانون فوق الجميع.
إن استمرار الانقسام بين من يسيطر على الأرض ومن يتمسك بشرعية الاعتراف الخارجي والاغتراب عن الداخل، لن يقود إلى بناء وطن، وإنما سيطيل عمر الأزمة، ويزيد معاناة المواطن.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من هو القابض؟ ومن هو الباسط؟
بل السؤال الأهم:
متى يصبح اليمن كله في يد دولة واحدة، لا في يد جماعات وسلطات متنازعة كلاهما تدعي الأفضلية؟
ومتى تصبح الشرعية الحقيقية المستمدة من إرادة الجميع أو على الأقل من الغالبية المطلقة، واقعًا على الأرض، وتصبح الأرض محكومة بدستور وقانون لا بمنطق القوة والمال والنفوذ والغلبة؟
فاليمنيون لا يريدون أن يعرفوا من يملك اليد العليا فقط، وإنما يريدون أن يعرفوا متى تصبح لهم دولة يمنحونها الشرعية، تؤمنهم من خوف، وتطعمهم من جوع، تعطي ولا تأخذ، وتعيش بهم ولهم، بدل أن يبقوا وقودًا لصراع لا ينتهي.
يريدون دولة تستمد شرعيتها منهم عبر الممارسة الديمقراطية وحكم الشعب نفسه بنفسه من أجل نفسه.



