الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

اليمن الذي كان لن يعود... وكيف يعود؟

ليس السؤال اليوم: هل يعود اليمن الذي عرفناه؟ بل: أيُّ يمن نريد أن يعود، وبأي شروط، وبأي قدر من المسؤولية الوطنية والإقليمية والدولية؟

فاليمن الذي عرفناه لم يتغير بفعل الحرب وحدها، بل بفعل ما أُعيد تشكيله داخله وحوله. لقد أُنهكت دولته، وتآكلت مؤسساته، وتمزقت روابطه الاجتماعية، وأُخضع أبناؤه لسنوات من الخوف والجوع والاقتتال، حتى بدا أن كل فريق يستبد بالآخر، ويحمّله وحده مسؤولية المأساة، فيما تتسع دائرة الألم ويضيق أفق الخلاص.
وما يؤلم أكثر أن بعض اليمنيين، ممن كان يُنتظر منهم أن يكونوا حماةً لوطنهم، انخرطوا في مشاريع لا ترى اليمن إلا من زاوية الجماعة أو المنطقة أو المذهب أو المصلحة، أو في مسارات ارتهنت للخارج، حتى أصبح الوطن عند بعضهم ساحةً للتمكين، لا بيتًا مشتركًا لجميع أبنائه، وجارًا شريكًا لجيرانه، تربطه بهم مصالح متبادلة واحترام متبادل، لا علاقة تابعٍ بمتبوع.
حين يصبح الهدف، صراحةً أو ضمنًا، إعادة تشكيل اليمن على نحو يفقده قدرته على النهوض، فإننا لا نكون أمام تسوية سياسية، بل أمام صناعةٍ لأزمةٍ ممتدة، وتلغيمٍ لمستقبل المنطقة بأسرها.
إن إخراج اليمن من وضعه الراهن، أو إبقاءه في حالة إنهاك دائم، أو التعامل معه باعتباره مجرد ساحة نفوذ وممرات ومصالح، لن يؤسس لتنمية مستدامة، ولا لعلاقات متوازنة، ولا لأمن يستقيم. فالدول لا تُبنى بإضعاف جيرانها، ولا تستقر العلاقات حين يُدار بلدٌ كامل بمنطق الإخضاع، أو حين يُراد له أن يبقى تابعًا، أو أن يُعاد تشكيله بما يلبي حسابات الآخرين على حساب حق شعبه في دولة كريمة ومستقلة.
ومن هنا، فإن ما يُسمّى «الرباعية»، بشقها العربي وشقها الغربي، لا ينبغي أن يُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تفضي إليه سياساتها ونتائجها على الأرض. فالقرب الجغرافي مع الشق العربي، أو الروابط التاريخية، أو الادعاء بالأخوة، لا يكفي وحده لإثبات حسن النوايا؛ إذ إن المعيار الحقيقي هو: هل أسهمت هذه السياسات في إنقاذ اليمن، أم في إضعافه؟ وهل فتحت أمامه طريق الدولة والتنمية، أم أبقته أسيرًا للحرب والارتهان؟
وإذا كانت المنطقة تُعاد هندستها بعد عقود من الاستهداف والتهميش والاختلال، فإن ذلك لا يبرر أن يكون اليمن هو الحلقة الأضعف، أو أن تُفرض عليه ترتيبات تُنتقص فيها سيادته، وتُجزّأ إرادته، ويُعاد توزيع موارده وأدواره وفق مصالح لا يشارك في صياغتها.
ليس من الحكمة اختزال المأساة اليمنية في ثنائية «الخونة» و«الوطنيين»، ولا تبرئة الجميع تحت عنوان الضرورات. فهناك قوى محلية ومشاريع وأدوات ومهندسون ومقاولون ومغامرون، وهناك من اتخذ قراره بإرادته، ومن ارتهن لغيره، ومن وجد في الحرب وسيلةً للنفوذ أو البقاء. لكن المسؤولية السياسية لا تُقاس بالشعارات، بل بالقرارات والنتائج، وبمدى احترام استقلال اليمن وحق شعبه في تقرير مستقبله.
وليس مقبولًا أن تتحول الخيانة إلى مجرد وجهة نظر، أو أن يصبح الارتهان مشروعًا سياسيًا، أو أن تُمنح الوطنية حصانةً لمجرد رفع شعاراتها.

المشكلة لا تقف عند طرف واحد

حين ترى جماعةٌ أنها وحدها تملك الحقيقة، وأن عقيدتها أو مشروعها لا يعلوه مشروع، فإنها تُغلق باب الشراكة الوطنية، وتحوّل الدولة إلى أداةٍ للتمكين.
وحين تتواجه مكونات وقوى وسلطات أمر واقع بمخزون من الخطاب المناطقي والمذهبي المؤدلج والإقصائي، فإنها لا تدافع عن اليمن، بل تستنزف ما تبقى من روابطه الجامعة.
وحين يصبح السلاح بديلًا عن السياسة، والغلبة بديلًا عن القانون، والولاء الخارجي بديلًا عن المصلحة الوطنية، فإن السؤال لا يعود: من انتصر؟ بل: ماذا بقي من الوطن؟
فأيُّ وطنٍ سيبقى لنا إذا أخرج كل طرف أسوأ ما فيه، وأراد أن يقتطع من اليمن وطنًا على مقاسه وهواه؟ وهل يمكن أن تقوم دولةٌ مستقرة على أنقاض دولةٍ ممزقة، أو أن تُبنى شراكةٌ وطنية على قاعدة الغلبة والإقصاء؟

رصاصة الرحمة... أم إنقاذ اليمن؟

لقد طال أمد الحرب إلى حدٍّ لم يعد معه مقبولًا أن يُترك الشعب اليمني رهينةً لصراعاتٍ تتجاوز إرادته، أو أن يُطلب منه دفع المزيد من الدماء ثمنًا لحساباتٍ إقليمية ودولية، أو لمشاريع محلية تتغذى على استمرار النزاع.
وإذا استحال على المتصارعين، ومن يقف وراءهم، أن يتعاملوا مع هذا الشعب العربي العريق والأصيل بإنسانية، وأن يفتحوا له سبيلًا حقيقيًا للإنقاذ، فإن أقل ما يمكن أن يُقال لهم: اتركوا اليمن ينجو منكم.
لا نريد لليمن «رصاصة رحمة» تُطلق على شعبه، بل نريد رصاصة رحمةٍ سياسيةً وأخلاقيةً تُنهي هذا الموت البطيء، وتوقف آلة الحرب، وتضع حدًا لاستنزاف الإنسان والأرض والدولة. فالشعب الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من العقاب، بل إلى فرصةٍ للحياة.
وإذا كان لا بد من الاعتراف بالهزيمة، فلتكن هزيمةَ الحرب ومنطق الغلبة، لا هزيمةَ اليمن. وليكن رفع اليد عن السلاح، وتسليم القرار للشعب، والقبول بتسويةٍ عادلة، شجاعةً سياسيةً تُنقذ ما يمكن إنقاذه.
فاليمنيون، في معظمهم، لم يختاروا أن يكونوا طرفًا في لعبة الأمم ومحاورها الإقليمية لإعادة تشكيل المنطقة، ولا أن يدفعوا ثمن نسختها المحلية في اليمن. لقد وجدوا أنفسهم في حربٍ طالت الجميع، وأكلت من أعمارهم وأرزاقهم وأمنهم، وخلّفت دمارًا لم يسلم منه بيتٌ ولا مدينةٌ ولا مؤسسة.
فلمن يسلّم المتصارعون أنفسهم، إن أرادوا تفادي المزيد من الدماء والدمار؟
يسلّمون أنفسهم لليمن، لا للخارج. وللدولة، لا للجماعة. وللقانون، لا للثأر. وللتسوية الوطنية، لا لمنطق الإبادة السياسية المتبادلة. ويسلّمون قرارهم لشعبٍ أنهكته الحرب، كي يستعيد حقه في اختيار مستقبله، بعيدًا عن الوصاية والارتهان والإملاءات.

إنقاذ اليمن مسؤولية مشتركة

إن إنقاذ اليمن لا يتطلب من جيرانه أن يتخلوا عن مصالحهم، بل أن يدركوا أن المصلحة الحقيقية لا تُبنى على إضعاف اليمن، وإنما على استقراره، ووحدته، وسيادته، وقدرته على النهوض. فاليمن ليس عبئًا ينبغي التخلص منه، ولا ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات، بل بلدٌ ذو تاريخ وجذور وروابط إنسانية وحضارية عميقة، واستقراره مصلحةٌ مشتركة لجيرانه وللمنطقة.
ولكي تستقيم العلاقات، لا بد أن تحضر فيها القيم التي تتحدث عنها الروابط الأخوية، والأصل المشترك، والدين، والتاريخ، والجوار؛ لا أن تُستخدم هذه الروابط غطاءً لسياسات تُنتج التبعية أو تُعمّق الانقسام. فالأخوة الحقيقية لا تُقاس بكثرة ما يُقال عنها، بل بما تمنحه من احترام، وما تصونه من كرامة، وما تفتحه من أفق.
اليمن لا يحتاج إلى وصايةٍ جديدة، بل إلى شراكةٍ عادلة. ولا يحتاج إلى من يقرر مستقبله نيابةً عنه، بل إلى من يساعده على استعادة دولته ومؤسساته، ويفتح أمام أبنائه طريق السلام والتنمية.
وإذا كان لا بد من إعادة تشكيل، فلتكن إعادة تشكيلٍ للدولة على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمؤسسات، والشراكة الوطنية، لا إعادة تشكيلٍ لليمن على أساس مناطق النفوذ وموازين القوة.
فالمستقبل لا يُنقذ بإدامة الجراح، ولا تُبنى العلاقات المستقيمة على بلدٍ مُنهكٍ ومُجزّأ. إن إنقاذ اليمن ليس منّةً على اليمنيين، بل مسؤوليةٌ أخلاقية وسياسية، ومصلحةٌ مشتركة، واختبارٌ حقيقي لصدق النوايا في هذه المنطقة.
فإما أن يُترك اليمن ليحيا، أو أن يتحمل الجميع مسؤولية ما يُرتكب بحقه.