الإثنين 14 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • قراءة أولية لكيفية انهيار الساحل الغربي؟ سيناريوهات متداخلة وأدلة ميدانية أولية

قراءة أولية لكيفية انهيار الساحل الغربي؟ سيناريوهات متداخلة وأدلة ميدانية أولية

لم يكن الانهيار المفاجئ لجبهات الساحل الغربي تراجعًا عسكريًا عابرًا ولا اختلالًا في ميزان القوى خلال ساعات قليلة، ووفقا لبعض التقارير والمعطيات المتداولة الأولية، بدا الانهيار نتيجة تفاعل عدة عوامل أمنية وقيادية وميدانية ونفسية أدت إلى تفكك منظومة كانت تمتلك أعدادًا كبيرة من المقاتلين وقدرات تسليحية متقدمة.

أول العوامل هو ما أُثير حول الاختراق الأمني والاستخباراتي و استهداف غرفة العمليات مما أربك القيادة الميدانية، خاصة مع تقارير عن تعطيل الاتصالات وتعطل بعض دوائر الاستخبارات، و حتى مع مغادرة بعض القيادات قبل القصف، أدى تعطيل مركز الاتصال إلى ضعف في إدارة الوحدات أمام التطورات السريعة، ففي الجيوش الحديثة لا تقاس القوة بالعدد والسلاح فقط، بل بقدرة الإبقاء على الاتصال واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وعند انقطاع التواصل و تتبع سير المعركة والتنسيق بين الوحدات القتالية يتحول التفوق العددي إلى عامل محدود التأثير في ضل تخبط تلك الوحدات و تقهقرها بدون وجود قتال حقيقي في الميدان.
العامل الثاني: غياب القيادة الموحدة وتعدد مراكز القرار، حيث أشارت بعض التقارير إلى وجود قيادات عسكرية خارج اليمن، وتعامل بعض القيادات الميدانية مع مؤشرات الهجوم باستخفاف انعكس على سرعة الاستجابة، كما أثيرت شبهات حول تعدد الولاءات لدى بعض القيادات، وهي مسائل تحتاج تحقيقًا موثقًا، لكنها جزء من الأسئلة التي فرضها الانهيار السريع لبعض الوحدات. المشكلة هنا لم تعد خطأ تكتيكيًا، بل خللاً في القدرة على ضبط الوحدات وإدارة خطوط الدفاع أمام الهجوم الحوثي المتسارع.
ثم جاء تأثير الدومينو، حيث تمكنت قوة محدودة من ألوية العمالقة من صد التقدم الحوثي واستعادة مواقع في حيس، كان يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لاستعادة المبادرة، لكن انسحاب وحدات مجاورة من المقاومة الوطنية أضعف هذا التقدم وحوله إلى تراجع متسلسل. زادت الخلافات الميدانية بين التشكيلات، خاصة مع وصول قوات جديدة إلى جبهة حيس واعتراضات على إسناد مهام إلى وحدات أقل خبرة بمسرح العمليات و انتقلت حالة الارتباك من القيادة إلى الميدان ثم إلى الروح المعنوية، فعندما يشاهد المقاتل وحدات مجاورة تغادر مواقعها، يصبح الحفاظ على الموقع أصعب، وتتسع دائرة الانسحاب، وقد تحول التراجع في بعض المناطق إلى تفكك، مع تشتت قوات بين مأرب وتعز والضالع والحوطة، وترك بعض الأفراد القتال أو انضمامهم إلى تشكيلات أخرى.
المفارقة أن هذا حدث لقوات يُقال إن قوامها الرسمي يتجاوز ثلاثين ألف مقاتل ومجهزة بأسلحة حديثة، إذا صحت الأرقام، فالسؤال الأساسي لا يتعلق بحجم القوة أو نوعية السلاح، بل بكفاءة التنسيق والجاهزية والروح المعنوية.
العامل الرابع: الخلافات بين الحلفاء وتبادل الاتهامات، وصفت قيادات في القوات المشتركة ما حدث بأنه خذلان من قوات طارق صالح، بينما كانت وحدات أخرى تقاتل، سواء صحت الاتهامات أم لم تصح، فإن ظهورها بهذا الشكل يكشف أزمة ثقة بين مكونات يفترض أنها تعمل ضمن هدف واحد، وتضارب الروايات حول مناورات أو تفاهمات غير معلنة زاد ضبابية المشهد، أي تقييم جاد يحتاج تحقيقًا عسكريًا وأمنيًا مستقلاً يفصل الوقائع الميدانية عن الشائعات والاتهامات السياسية.
النتيجة على الأرض خطيرة فالتراجع لم يقتصر على خسارة مواقع، بل غيّر خطوط السيطرة وفتح الباب أمام تقدم حوثي نحو مناطق أكثر حساسية، ما يضع أمن الساحل الغربي وباب المندب والملاحة الدولية أمام تحديات أكبر.
الموقف الرسمي للحكومة اليمنية أكد أن التطورات الميدانية الصعبة لا تعني نهاية المواجهة، وشدد على إدارة المرحلة من العاصمة المؤقتة عدن، وتعزيز الجاهزية والاستعداد لعمليات مضادة، تحاول الحكومة احتواء التداعيات سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا، خاصة مع موجات النزوح والضغط على الخدمات، وتؤكد أن تهديد باب المندب قضية إقليمية ودولية وليست يمنية داخلية. وخلاصة القول ان انهيار جبهات الساحل الغربي ليس هزيمة عسكرية تقليدية فحسب، بل إنذار بوجود خلل في التنسيق والثقة بين القوى المناهضة للحوثيين الذين استفادوا من هذا الخلل أكثر مما استفادوا من تفوق عسكري حاسم، استعادة المبادرة لا تتم بإرسال تعزيزات جديدة فقط. المطلوب إعادة ترتيب القوات الحكومية والتشكيلات الحليفة تحت رؤية عملياتية موحدة، معالجة الثغرات الأمنية، وبناء ثقة ميدانية حقيقية تمنع تكرار السيناريو. السيطرة على الأرض وحدها لا تحسم المعركة؛ السيطرة على خطوط الإمداد والاتصالات والمنافذ البحرية هي التي تحدد اتجاهها، الساحل الغربي بوابة إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم. استعادة زمام المبادرة فيه قضية أمن يمني وإقليمي ودولي معًا، فإذا نجحت القوى الحكومية وحلفاؤها في إصلاح الاختلالات، يمكن أن يتحول التراجع إلى نقطة مراجعة وإعادة بناء، أما إذا استمرت الانقسامات وتبادل الاتهامات، فإن أي قوة عسكرية، مهما بلغ عددها وتسليحها، ستظل معرضة لتكرار المشهد نفسه.