الأحد 13 سبتمبر 2026

لحظة السقوط وما تلاها

سقطت المخا، وسقطت معها كل توقعات العودة السريعة للدولة والشرعية. سقطت في شهر ذي دلالة رمزية سياسية عميقة لطرفي الحرب، وهو شهر سبتمبر؛ ذكرى الخلاص من الإمامة البعيد، وسقوط العاصمة القريب. لكن السؤال الأهم ليس في السقوط ذاته، بقدر ما هو في كيفية الوصول إليه.

أخضعت المعركة طارق لاختبار جديد أمام الجمهورية، التي نسب إلى نفسه لقب الحارس لها رغم سابق إخفاقاته، ولم تبدُ إلا أقرب إلى جزء من سلسلة سيناريوهات هزائمه السابقة، بإعادة إنتاج الأحداث نفسها: من ديسمبر 2017، إلى حالة إعادة التموضع وغياب مبررات الانسحاب، وانتهاءً بسقوط المخا بما فيها من عتاد. خسر طارق معركته مع الحلفاء قبل أن يخسرها أمام مليشيا الحوثي، ليقضي بذلك على ما تبقى من احتمالات الثقة الاجتماعية والسياسية التي سعت إلى مصالحة الذاكرة القريبة معه، والنظر إليه باعتباره جزءًا من معسكر المواجهة واستعادة الجمهورية والدولة. وفي كل معاركه العسكرية مع الجماعة الحوثية، لا يخلف طارق وراءه إلا الأسئلة.
فكيف يمكن لقائد عسكري أن يتفاجأ بلحظة صدام عسكري بعد سنوات من الهدنة؟ وهل يمكن، في الحسابات العسكرية والسياسية، ألا تكون هذه اللحظة متوقعة؟ وهل يمكن أن نغفل عن الوصول إليها، رغم أهمية المدينة عسكريًا وجغرافيًا وسياسيًا؟
تحولت معارك التحرير إلى نقيضها؛ فإذا بالقوة التي كان يفترض أن يُنظر إليها باعتبارها طريقًا للخلاص واستعادة الدولة، وشريكًا سياسيًا وعسكريًا في استعادة الجمهورية، تتراجع من المشهد، من دون أداء عسكري مقنع، ومن دون قدرة على تقديم تفسير يبدد حالة الصدمة التي أحدثها السقوط.
لا يبدو أن سقوط اليوم يمكن تبريره؛ ذلك أن كل المبررات العسكرية التي يمكن أن يقدمها أي طرف لا يمكن تقبلها. فإن سنوات الهدنة الماضية كانت، على الأقل، كافية بحسابات الزمن والحالة العسكرية لإعادة ترتيب الجبهة العسكرية والاستعداد لمثل هذا الاحتمال، بل إنها كانت لحظة منتظرة أكثر من كونها احتمالًا. ولذلك فإن الجاهزية العسكرية وكثافة النيران وتتابع سلسلة الهجمات لا تبدو مبررًا كافيًا لتفسير ما حدث.
لقد كشفت المعركة عن عجز عميق في الاستعداد، وفي قراءة الجغرافيا ومعرفة العدو، والأهم من ذلك كله: عن عجز في تحويل الخطاب السياسي والعسكري إلى قدرة فعلية على الأرض، بل عن تناقض بين هذا الخطاب أصلًا وبين القدرة الفعلية على الأرض.
إن اتساع الفجوة بين الخطاب الحماسي والعجز على الأرض لا يسلب السلطة جغرافيتها فحسب، بل يضرب قيمتها الرمزية ويفقدها صدقيتها السياسية. ويتحول الحشد المعنوي تدريجيًا إلى حالة من الإحباط وأزمة ثقة مجتمعية تُهيئ المجتمع للتكيف مع واقع المليشيا وترسيخ حضورها.
والأغرب من السقوط ما تلى السقوط؛ حالة الصمت وغياب الفعل.
ولا يبدو أن النهاية تتمثل هنا فحسب، ذلك أن السلطة الشرعية، ومعها الإقليم، لا تكتفي بإغلاق هذه الحلقة من سلسلة الفشل والقطع مع تكرارها، بقدر ما تمضي نحو إعادة إنتاج ذات القيادة بشخوصها، وإعادة حضورها السياسي والعسكري من جديد، وهو أمر لم يعد من الممكن قراءته من منظور انفتاح السلطة على مكوناتها بقدر ما يكشف عن حالة اغترابها السياسي والعسكري المتزايد عن الداخل اليمني؛ اغتراب يجعل السلطة ونخبها السياسية عاجزة عن فهم اللحظة ومتطلبات المرحلة، فتتعامل معها من خارج سياقها، وتستدعي الأدوات والخطابات ذاتها رغم ما أظهرته من عجز في نتائجها السابقة.
وما كان يفترض أن تدفع إليه هذه النتيجة هو مراجعة حقيقية للأداء وللقيادة والمؤسسات العسكرية، لا إعادة إنتاجها. غير أن استمرار إعادة إنتاج القيادات ذاتها، رغم ما أظهرته نتائجها السابقة، لا يكشف فقط عن أزمة في الأداء العسكري، بقدر ما يكشف عن أزمة أعمق في طريقة إدارة السلطة للحرب، وعلاقتها بالداخل اليمني، وقدرتها على قراءة اللحظة ومتطلبات استعادة الدولة.