الأحد 13 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • الساحل الغربي بين الانهيار والتسليم.. من يتحمل مسؤولية سقوط المخا وباب المندب؟

الساحل الغربي بين الانهيار والتسليم.. من يتحمل مسؤولية سقوط المخا وباب المندب؟

شهد الساحل الغربي لليمن في سبتمبر 2026، انتكاسة عسكرية مفاجئة تمثلت بسقوط مديريات المخا وحيس والخوخة، وتسليم جزر زُقر وحنيش، والتراجع حتى مشارف باب المندب، وانسحاب قوات المقاومة الوطنية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، عبر البحر إلى رأس العارة والمضاربة، وهو ما خلف أسئلة كثيرة عن أسباب الانهيار السريع لقوات قوامها عشرات الآلاف ومدعومة من التحالف العربي دعمًا كبيرًا.

1. تسلسل الانهيار: من حيس إلى باب المندب

بدأ التراجع عقب سيطرة قوات صنعاء على معسكر خالد بن الوليد ومفرق المخا، ما قطع آخر خطوط الإمداد. أعقب ذلك أوامر مفاجئة من طارق صالح بسحب جميع القوات إلى داخل المخا، وتحولت المدينة إلى حالة فوضى ونهب واسع لمقرات ومعسكرات القوات المدعومة سعوديًا.
مجلس الدفاع الوطني وصف ما يجري بأنه "معركة وطنية شاملة" وأكد أن أي تقدم للحوثيين لن يفرض أمرًا واقعًا، لكن ميدانيًا أصبحت المخا "خالية من مقاتلي طارق" بحسب قيادي في العمالقة.

2. الأسباب: 5 روايات متصادمة ومتضاربة

تمثلت بالآتي:

أ. الأخطاء التكتيكية والتقنية

مصادر ميدانية تحدثت عن "إعادة انتشار متسارعة" خشية الوقوع في مصيدة التطويق بعد فقدان خطوط الإمداد. كما تحدث طارق صالح نفسه عن "اختراق الحوثيين لشبكة الاتصالات العسكرية" كسبب للانسحاب. السؤال هنا: هل كان التمركز في المخا مكشوفًا لوجستيًا؟ وهل فشلت غرف العمليات في استيعاب تقدم الحوثي من عدة محاور: البرح، موزع، الوازعية، وحيس؟

ب. نقص الدعم والعتاد أم "تخاذل التحالف"؟

رغم الدعم المادي واللوجستي الذي حظيت به "حراس الجمهورية" منذ التأسيس، إلا أن أوامر الانسحاب جاءت بعد حديث عن "خذلان من الأشقاء". مصادر أشارت لتهديدات بالتدخل الجوي السعودي لإجبار المقاتلين على العودة للجبهات، ما يطرح سؤالًا: هل تراجع الإسناد الجوي والبحري للتحالف هو ما كشف ظهر القوات؟ أم أن التحالف كان يضغط لإعادة هيكلة القوات واستبعاد بعض التشكيلات؟

ج. انهيار المعنويات مقابل عقيدة قتالية عالية

الحوثيون تقدموا بسرعة وفرضوا واقعًا جديدًا في الساحل. في المقابل ظهرت "حالة ارتباك وفوضى متصاعدة" داخل فصائل طارق والعمالقة، وكانت هناك اتهامات لقوات طارق صالح بالفرار صدرت من قيادات العمالقة حين شوهدت مجاميع من قوات طارق تتراجع وتفر من الخطوط المتقدمة في حيس ومقبنة والجراحي، واستخدمت العمالقة حواجز لمنع المقاتلين من المغادرة، وهو ما يشير إلى أزمة ثقة بين قيادات طارق صالح ومن حوله في ساحة القتال، بالإضافة إلى المعنويات المتدنية في صفوف جنوده حسب ما يعتقد البعض، مقابل حشد حوثي رأى في الساحل جبهة حسم.

د. الاختراق والخيانات الداخلية

أخطر الروايات تتحدث عن "خيانات من الداخل". هناك اتهام مباشر من قيادي بالعمالقة لطارق بـ"الخيانة والتسليم". وتتكرر فرضية أن الحوثي نجح في اختراق القوات عبر ضباط انضموا بعد 2017 بحجة "الهروب من الملاحقة" وهم في الأصل أدوات متخابرة مع صنعاء. إذا صحت هذه الفرضية، فهذا يعني أن الحوثي يمتلك قدرات استخباراتية وتجنيد أعلى مما كان يعتقد، وتمكن من إسقاط تشكيل ضخم بالأسلحة الثقيلة والمسيرات دون معركة حاسمة.

مبررات الهزيمة وتغطية الفشل

طارق صالح غاب عن اجتماع مجلس الدفاع الوطني، ثم ظهر في عدن، وتحدث عن تشكيل "مركز قيادة بديل"، ومنتقدوه يرون أن الحديث عن "الخيانة والخذلان" محاولة للتغطية على "هزيمة نكراء" وتسليم مديريات استراتيجية دون قتال يذكر رغم أن قواته تمتلك من العتاد والسلاح والجنود المؤهلين المدربين، وقوات أخرى في مأرب وتعز تفتقر لأبسط المقومات.
والسؤال الأكبر: من الصديق ومن العدو؟
إذا كانت قوات قوامها 50 ألف مقاتل تسقط بهذه السرعة رغم الطيران والمسيرات والإسناد، فهذا يطرح إشكالية عميقة لدى التحالف. وهذه الإشكالية تتمثل في الفشل الذريع في التقييم الاستخباراتي، وفشل في بناء عقيدة قتالية موحدة، وفشل في التمييز بين الولاءات الحقيقية والولاءات المزدوجة.
وبعد سقوط الساحل، مجلس الدفاع شدد على أن الدولة "لن تسمح بتحويل أي جزء من السواحل والجزر إلى منصة تهديد"، لكن الواقع أن باب المندب صبح أقرب للحوثي من أي وقت مضى، وأصبح مثار تهديد للملاحة الدولية ولدول الجوار التي أعلن قيادي حوثي قبل يوم أنه سيمنع السفن التجارية السعودية من العبور في مضيق باب المندب، وهذه أول رسالة توجه لها بعد السيطرة على هذا المضيق الرابط بين ثلاث قارات الشرق والغرب، وتمر منه أكثر من ثلث التجارة العالمية، وفي مقدمتها النفط والغاز.
وخاتمة كلامنا هو أن الساحل الغربي لم يسقط بسبب واحد، بل كان السقوط نتاج مزيج من الأخطاء التكتيكية في التمركز والدفاع وانهيار معنوي واختراقات داخلية استغلها الحوثي ببراعة ورتب لها منذ وقت مبكر بتخادم داخلي وخارجي. ويتمثل التخادم الداخلي بمن دفع بهم الحوثي إلى صفوف قوات طارق من أنصار عمه الرئيس السابق المعروفين بالعفافيش في الأوساط، واتهام التحالف العربي بالتخاذل من قبل طارق صالح مبرر من المبررات التي يصنعها المنهزم لتبييض وجهه أمام الرأي العام وأمام أرباب نعمته المتهم لهم بالتخاذل والخيانة واتهام الداعمين له بتركه وحيدًا وجهان لعملة واحدة، وهذا ما يعني أن هناك أزمة قيادة تتمثل بعدم إدراك هذا الكلام في وقت مبكر. وإذا لم يتم فتح تحقيق شفاف وتحديد المسؤوليات، فإن "معركة استعادة الدولة" التي يتحدث عنها المجلس الرئاسي، ستبقى شعارًا غير قابل للتطبيق في الواقع.

والسؤال الذي لم يُجب عليه أحد بعد: هل كان الانسحاب هزيمة، أم تسليمًا بصفقة؟ فالأيام القادمة وحدها كفيلة بالاجابة.